منذ عام 2003 والعقل السياسي الوطني يبحث عن المعادلات الأمنية القادرة على بناء تكامل في الأداء العسكري والأمني يتمكن من خلاله المخطط الاستراتيجي أو صانع القرار من مجابهة تحديات الحرب اللامتماثلة التي يخوضها العراق ضد الجماعات الإرهابية، فضلاً عن خلق قوة رادعة تُمكن العراق من مواجهة التهديدات والتحديات الإقليمية والدولية.

وبرغم جميع المحاولات التي تبناها القادة في العراق على المستويين الأمني والسياسي من أجل إيجاد تشكيلات خاصة تتولى مهام محددة في مهمة الدفاع عن العراق، إلا إن الأمر لم يكتب له النجاح في هذا الشأن وقد تعزى أسباب ذلك الى غياب الوظيفة الإدراكية للتطورات التي تشهدها المنطقة والبيئة الأمنية أو غياب التكامل السياسي الوطني الذي جعله يتجه أو يتحرك دون النظر في خاتمة الأمور.

مدركات متباينة وحسابات غير منطقية

يعد تناقض المدركات وتباينها في توصيف الهدف أو التحدي واحدة من أهم المعطيات التي تؤدي الى سوء التقدير في حسابات الموقف، فضلاً عن إنه يخلق حالة من الإنحراف السلبي عن الهدف، وما تحمله هموم الأمن الوطني في العراق منذ عام 2003 يدل على هذا المنحى، فصعوبة التعامل مع الرغبات السياسية المتناقضة وعدم وجود إتفاق حقيقي حول نوعية التهديدات دفع صانع القرار الى أن يميل بالتعامل مع التوازنات بدلاً من التهديدات، رغم إختلاط الصورة لديه فبدلاً من التعامل مع حالة الإرهاب بإعتباره تهديداً للمنظومة القيمية الوطنية، أصبح العراق في مساس مباشر مع التوازنات التي تعيشها المنطقة وأخذ لنفسه مكاناً في هذه التفاعلات لم يحسبه بالأصل، وهذا ما جعل الأمن الوطني في مساس مباشر مع التحديات الإقليمية والمصالح المتناقضة التي تعيشها المنطقة، فضلاً عن العداء الأيديولوجي المستحكم.

وكان محصلة هذا الإنخراط أن يكون العراق في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع داعش والتي كان إنتقالها تعبيراً عن تبني التوحش وإدارته لتكوين دولتهم الاسلامية حسب اعتقادهم، وبالتالي كان وجود العراق الجغرافي بين سوريا وايران والمملكة العربية السعودية يحقق الغايات التي يتعاملون معها، علاوةً على المخطط الإستراتيجي الدولي الذي يستهدف اعادة رسم الحدود والمسارات الجغرافية التي تعيشها المنطقة.

ووفقاً لذلك لم يكـن لدى صانع القرار من خيارات جديدة لإستيعاب التطورات الجديدة التي فرضها الدخول في حرب مباشرة مع تنظيم داعش، لابل إن تأزم الواقع بعد سيطرة التنظيم على الموصل كان له الأثر السلبي لدى المؤسسة العسكرية، إذ كان لهذا المعطى دوراً بارزاً في إحباط المعنويات القتالية لدى أبناء القوات المسلحة، فضلاً عن التكفل الأحادي لجهاز مكافحة الإرهاب في إدارة العمليات القتالية مع داعش والدعاية المضادة التي إستخدمها التنظيم في هذه الحرب، مما جعل العلاقة بين الجيش وقيادته في تأزم عالي.

أمام هذا الواقع كان لابد من مقاربة إجتماعية قادرة على نقل هذا الإدراك وتعزيز الإستراتيجية العسكرية الأمر الذي جعل العراق أمام فتوى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في حزيران 2014م المتضمنة الجهاد الكفائي، والتي حظيت بالقبول الاجتماعي فضلاً عن التأييد الديني لها في النجف الأشرف وباقي مناطق العالم الاسلامية.

الحشد الشعبي.. مركزية الشعب في مواجهة التهديد

مارس الحشد الشعبي بوصفه تشكيلات عسكرية نظامية منذ الفتوى التي صدرت في حزيران 2014 ولغاية اللحظة دوراً مهماً في استعادة الكثير من المناطق التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش، حيث كان للانتصارات المتكررة لقوات الحشد الشعبي والمقاومة الاسلامية دفعة استراتيجية ومعنوية للقوات المسلحة التي بدأت تشعر بالإحباط بسبب سقوط الموصل والخيانات المتكررة التي دفعت بقتل العديد من أبناءها لاسيما في قاعدة "سبايكر".

وبالتالي فإن تشكيل الحشد الشعبي من ناحية التفكير الاستراتيجي ساهم بشكل كبير في تغيير المخططات التي كانت تتأمل في تحقيقها الجماعات الارهابية، سواء أكان الأمر متعلق بالجماعات ذاتها أو الاطراف القائمة على عملية التخطيط، وكما كان لفصائلها دور في تغيير موازين القوى لصالح قواتنا العسكرية والأمنية، فدخولها أرض المعركة شكل فاصلة تاريخية بين حالتين من النهوض والاستجابة القوية حققت معها قواتنا والحشد الشعبي انتصارات لا يمكن إلا ان نعدها إلا إنموذجاً للروح الحماسية الجديدة التي سادت المجتمع العراقي جميعاً، فضلاً عن كونها شكلت إنموذجاً للتعبئة الشعبية العامة التي كانت دائماً تراود أدبيات وأمنيات القادة السياسيين والعسكريين في العراق.

ولذلك فإن الحشد الشعبي وفقاً لهذه المقاربة أصبح منقذاً ومكملاً لمشروع الوحدة الوطنية التي تبناها البرنامج الحكومي الوطني منذ عام 2003، وكان لدوره في الدفاع عن المدن التي استنجدت به جانباً مهماً في دفع التهم الطائفية الموجهة اليه من البعض، وبالتالي ليس من الغريب أن تنطلق الأصوات من أهالي منطقة الرمادي طالبةً بتدخل قوات الحشد الشعبي إلى جانب القوات العسكرية وعشائر المدينة للدفاع عنها، وإيقاف الهجمات التي يقوم بها تنظيم داعش على عشيرة البو نمر على سبيل المثال.

وإستكمالاً لهذه المعطيات، بدأ المجتمع العراقي تدريجياً ينظر الى الحشد الشعبي باعتباره المنقذ التاريخي من احتمالات سقوط الدولة وانتقل هذا الشعور الى المؤسسات الرسمية بذاتها، فوقفة الجامعات ودوائر الدولة وانطلاق المهرجانات الشعرية والأدبية تعبر عن مدى القبول الاجتماعي الذي أخذ يتصل به، كما إن الواقع الذي ساهم في تكوينه الحشد الشعبي وقدرته على إنقاذ الدولة من مأزق السقوط جعل الوصف ينتقل الى اعتباره الركيزة الأساسية في النظام الأمني، وهذا ما أكد عليه رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي "إن الحشد الشعبي هو ركيزة أساسية في نظامنا وإن سبب اعتمادنا إياه بصورة أكبر لقتال داعش يعود لكون الجيش النظامي غير مبني للقتال في حرب العصابات".

وهذا التفسير المرتبط بالنوعية في مجال التحرك الاستراتيجي مرتبط الى حد كبير برؤية الخبراء والمختصين في مجال التعامل مع الارهاب، إذ يشير بهذا الصدد "كينيث بولاك" الى إن طبيعة التحفز المرتبط بمقاتلي داعش يتطلب وجود نوعية خاصة من التدريب والقيادة الماهرة، فالثقة العالية التي يمتلكها عناصر داعش تتطلب قوة موازية لها من حيث العقيدة، ولذلك فان بولاك لاينكر الدور الذي قام به الحشد الشعبي في الدفاع عن بغداد في حزيران 2014م حينما كانت مهددة بالسقوط تحت سيطرة داعش.

ومع جميع هذه المدركات التي ترسخت في ذهنية المفكر الاستراتيجي العراقي أو في الرؤية الأمريكية إلا إن هناك صعوبة في الاستجابة السياسية لموضوع الحشد الشعبي بهذا الشكل، فالبحث عن مقاربات إستراتيجية دولية تتعلق بالتحالف الدولي ضد داعش أو داخلية كمأسسة الحشد الشعبي وفقاً لقانون الحرس الوطني ما زال يمثل خيارات في هذه المقاربة رغم أنها ما زالت غير محسومة، ولكن ينبغي أن يبقى التعامل مع الحشد الشعبي على أنه قوة عسكرية منظمة للدفاع عن الشعب العراقي وثقافته من أي تهديد محتمل، الأمر الذي يخلق منه قوة رادعة لمواجهة التحديات الإقليمية بدلاً من تشتيته بين مقاربات سياسية غير مدروسة تساهم في العودة الى المربع الأول أي الى ما قبل حزيران 2014م.

* مركز المستقبل للدراسات والبحوث/المنتدى السياسي
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5