الإنسان المعاصر يعيش زمن شك وقلق واضطراب، رغم امتلاكه أدوات التقدم والرفاه، لأنه فقد المعنى والطمأنينة والبصيرة. طريق الإمام الحسين يمنح اليقين ويحرر العقل من التضليل والمادية والطغيان، ويعيد الإنسان إلى الله والغاية والمسؤولية ليجعل عاشوراء فرصة لإحياء القلب واستعادة البصيرة والعمل الصالح، بعيدًا عن الشك الفوضوي والاستهلاك الذي...

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهَجهم دون الحسين عليه السلام.

يعيش الإنسان المعاصر في زمن كثرت فيه الأسئلة وقلّت فيه الطمأنينة، واتسعت فيه المعلومات، وتكاثرت أضواء الشاشات، ولكن ضعف فيه نور القلب، وخفتت فيه بصيرة الإنسان. إنّه زمن يسمّيه بعضهم عصر عدم اليقين؛ عصر تزلزلت فيه الثوابت، والتبس فيه الحق بالباطل، والحقيقة بالدعاية، والمعرفة بالتشكيك، والحرية بالفوضى.

وهذا الواقع يعبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى:

(وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ).

ويمكن أن نستلهم من هذه الآية صورةً عن اضطراب الإنسان حين يفقد توازنه وبصيرته؛ فالناس في زمن الشك والقلق قد لا يكونون سكارى حقيقة، ولكنهم يعيشون نوعًا من الاضطراب والحيرة وفقدان الاتجاه. يتحركون ولا يهتدون، ينظرون ولا يبصرون، يملكون الوسائل ويفتقدون الغايات. وبذلك فأنه يعيش الجحيم والعذاب والالم، بسبب الشك والحيرة والمستقبل المجهول.

ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ يقينه في زمن الشك؟ وكيف ينجو من حيرة الضلالة في عالم تتكاثر فيه الشبهات، وتتضخم فيه الشهوات، وتُصنع فيه الحقائق المزيفة عبر أدوات التضليل الحديثة؟

إن الجواب الذي يقدمه لنا طريق الحسين عليه السلام، هو أن عاشوراء ليس مجرد ذكرى تُحيى كل عام، ولا مناسبة عاطفية تنتهي بانتهاء الموسم، بل هو مصباح الهدى وسفينة النجاة في كل زمن. نحن نحتاج إلى الإمام الحسين عليه السلام لا بوصفه ذاكرة تاريخية فحسب، بل بوصفه طريقًا للهداية، ومنهجًا للنجاة، ومصدرًا لليقين، ووسيلة لتحرير العقل والقلب من أغلال الشك والضياع.

ومع اقتراب أيام عاشوراء، ودخول شهر محرم الحرام، نحتاج إلى أن نمهد لأنفسنا الطريق إلى الحسين عليه السلام، حتى لا ندخل هذه المناسبة دخولًا عابرًا أو شكليًا، بل ندخلها ونحن مستعدون لإحياء القلب، وتنوير العقل، وتجديد اليقين، واستنقاذ النفس من حيرة الضلالة.

الطريق إلى الحسين إحياء للإنسان

الطريق إلى الإمام الحسين عليه السلام هو إحياء للإنسان الميت، وانفتاح للقلب المقفل، واستنارة للبصيرة التي غابت حتى صار القلب أعمى. فالإنسان إذا غاب عنه نور الهداية، وانغلق قلبه عن الحق، وتراكمت عليه ظلمات الشهوات والأهواء والغرور والطغيان، احتاج إلى نور يخرجه من هذه الظلمات، وإلى سفينة تنتشله من بحر الضلالة إلى شاطئ النجاة والأمان.

فكلمة الإمام الحسين عليه السلام هي كلمة الحق التي تبدد الظلام، وتكشف الزيف، وتنقذ الإنسان من الضلالة، وتحرر العقل من الأغلال التي قيدته بالحسد والأهواء والشهوات والغرور والطغيان.

ولذلك نقرأ في زيارة الأربعين:

«وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فيكَ لِيَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ».

وهذه العبارة تختصر معنى النهضة الحسينية في بعدها الإنساني والروحي والمعرفي. فالحسين عليه السلام لم يبذل مهجته من أجل لحظة عاطفية، ولا من أجل حدث سياسي عابر، بل بذلها ليستنقذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة. أي إن القضية الحسينية مشروع استنقاذ دائم يحتاجه الإنسان في كل عصر، وخصوصًا في عصرنا الذي تتكاثر فيه أدوات الضلال، وتتسع فيه مساحات الحيرة، ويزداد فيه القلق، وتتراجع فيه الطمأنينة.

فكيف يستطيع الإنسان أن يعيش في هذا الزمن وهو بعيد عن الإمام الحسين عليه السلام؟ وكيف يمكن لإنسان محاط بالتضليل، ومندفع في الاستهلاك، وممزق بالشكوك، ومطارد بالقلق، أن يجد طريقه إذا لم يتمسك بهذا الطريق الحسيني المنقذ؟

لذلك لا بد من استثمار هذه الذكرى، لا بوصفها عادة اجتماعية، بل بوصفها طريقًا للهداية. فنحن في أيام عاشوراء لا نبحث عن البكاء وحده، بل نبحث عن اليقين الحسيني في زمن ساد فيه الشك، وازداد فيه القلق، وتفاقمت فيه الأزمات، وصار الناس حيارى لا يعرفون ماذا يريدون، ولا إلى أين يسيرون.

كما قال تعالى: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ)الأنعام/71.

ملامح عصر عدم اليقين

إن عصر عدم اليقين ليس مجرد أزمة سياسية، أو حروب وصراعات، ولا مجرد أزمة اقتصادية، بل هو أعمق من ذلك؛ إنه أزمة في معنى الإنسان نفسه. فالإنسان اليوم يملك كثيرًا من أدوات التقدم: الهاتف الذكي، والمال، ووسائل الرفاه، وأسباب الراحة، لكنه عندما يُسأل عن حياته وأهدافه وغاياته لا يعرف الجواب، ولا يدري لماذا يعيش!.

هذه هي الأزمة الكبرى؛ أن يمتلك الإنسان الوسائل ويفقد المعنى، أن يكثر عنده الاتصال ويقل عنده الاطمئنان، أن تزداد حوله المعلومات ويضعف في داخله اليقين، أن يرى العالم كله في شاشة صغيرة، لكنه لا يرى حقيقة نفسه، ولا يعرف طريق قلبه.

ويمكن تلخيص ملامح هذا العصر بعدة نقاط أساسية:

أولًا: التضليل وتشويه الحقيقة

أول ملامح هذا العصر هو التضليل وتشويه الحقيقة، خصوصًا في زمن صارت فيه التكنولوجيا بيد من يضلل الحقائق، ويقود الناس إلى استبدال الحق بالباطل، والصدق بالكذب. وبالنتيجة يعيش الناس في ضلال وحيرة؛ لأنهم لا يميزون الحقيقة من الدعاية، ولا المعرفة من التشكيك، ولا الحرية من الفوضى.

وهذا الضلال لا يبقى في مستوى المعلومات، بل ينتقل إلى أعماق الإنسان، فيؤدي إلى انغلاق قلبه. فكلما استسلم الإنسان للضلال والشهوات والاستهلاك، ضعف نور البصيرة في داخله، وانغلق قلبه عن الرؤية والحق.

قال الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

هكذا ينقفل قلب الإنسان؛ عندما يصبح العقل معطلًا، ويغدو الإنسان فريسة للإعلام المضلل، وشبكات التواصل الاجتماعي، والخوارزميات التي تقتلع الوعي كالتسونامي، وتهز الإنسان كالعاصفة الهوجاء، فتستلب عقله، وتسرق فكره، ثم تسرق إيمانه وتقواه.

إن هذه الشبكات وهذه الوسائل لا تأتي دائمًا بصورة قبيحة، بل تأتي أحيانًا بشعارات براقة، وأفكار مسمومة، ومفاهيم جذابة في ظاهرها، لكنها تقود الإنسان إلى الغفلة، والقلق، والشك، والتشتت، والبعد عن الله سبحانه وتعالى وعن أولياء الله.

وهنا تأتي نهضة الإمام الحسين عليه السلام في وقت مهم جدًا؛ لأنها ثورة فكرية ضد الضلال والتضليل والزيف والباطل. إنها ثورة لتنوير المجتمع الغارق في التفكير المادي الاستسلامي، ذلك التفكير الذي يجعل الإنسان فريسة للشك والقلق كلما ابتعد عن باطنه ومعناه.

فلماذا يزداد الإنسان قلقًا كلما ازداد مادية؟

لأنه كلما جعل المادة محور حياته، اتسعت شراهته، وضعفت قناعته، وازداد اضطرابه؛ فالمادة لا تشبع الإنسان في عمقه، بل تفتح في نفسه باب الحرص والطمع والمزيد. أما الشبع الحقيقي فيأتي من المعنى والطمأنينة وذكر الله سبحانه وتعالى والاستغفار، وزيارة أهل البيت والإمام الحسين عليهم السلام.

ثانيًا: الانغماس المادي في عالم الاستهلاك

من ملامح هذا العصر أنه عصر الانغماس المادي في عالم الاستهلاك. نحن اليوم نستهلك كثيرًا من المقتنيات والكماليات، وأصبح الإنسان لا يُقاس بإيمانه وتقواه، بل بما يملك من سيارة، أو رصيد، أو متابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، أو صورة يصنعها أمام الناس. صار الإنسان يُقاس بما عنده من شكل ومظهر، وما يسمّى بالبرستيج، الذي يعكس صور اجتماعية زائفة يتفاخر بها، وبما يعكسه في أعين الآخرين.

وهذه من مظاهر المجتمعات القلقة التي فقدت معيارها الحقيقي؛ إذ تجعل الإنسان يعيش من أجل الطعام واللباس والاستهلاك، لا من أجل الغاية والروح والمعنى. وفي الواقع، هذا هو غرور الدنيا.

قال الله تعالى: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).

وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إيّاكم وحبّ الدنيا، فإنها رأس كل خطيئة».

فعندما تصبح الدنيا هي القبلة، يضيع اليقين، وينتصر الشك، ويستولي القلق على قلوب الناس؛ لأن الدنيا متغيرة، وليست ثابتة، وهي أشبه بأرض رخوة تبتلع الإنسان وهو لا يدري. فمن تعلّق قلبه بالمتغيرات المادية عاش قلقًا دائمًا، وسيطر عليه الاضطراب المستمر.

لذلك نلاحظ أن الإنسان المعاصر، مع توافر أسباب الراحة وكثرة الموارد، أصبح أقل قناعة وأكثر طلبًا للمزيد. لا يقف عند حاجاته، بل يندفع نحو الكماليات، والمظاهر، والتراكم، حتى تتحول الحياة إلى سباق لا نهاية له.

وربما كان الإنسان البسيط في أزمنة سابقة قنوعًا زاهدًا، يكتفي بالأشياء التي تقوم بها حياته، أما اليوم فكلما كثرت أسباب الترف ضعفت القناعة، وكلما ازدادت الموارد ازداد الشعور بالنقص، وكلما امتلك الإنسان شيئًا تطلع إلى غيره.

وهكذا يفقد الإنسان معنى الإحساس بالحياة. فالإنسان لا يشبع من الأشياء؛ فما إن يشتري شيئًا، كسيارة أو حاجة كمالية لا يحتاجها، وإنما يريد منها أن يعطي صورة أمام الناس، حتى يكتشف بعد قليل أنها لا تشبعه، فيريد أكبر منها وأعظم.

هذا كله لا يمنح الإنسان إحساسًا حقيقيًا بالحياة؛ لأن الإحساس بالحياة يتحقق عندما يكون عنده وعي بوجوده، وارتباط بمعناه، ومعرفة بغاياته في هذه الدنيا.

ثالثًا: القلق والاكتئاب وفقدان الطمأنينة

إن الإنسان الذي يعيش هذا القلق المادي، تتولد فيه في النهاية حالة من الاكتئاب. واليوم أصبح الاكتئاب مرضًا ووباءً واسعًا بين الناس؛ تراهم في ظاهرهم يملكون أشياء كثيرة، لكنهم في الداخل مغمومون، مهمومون، قلقون، مكتئبون.

وهذا يفسر لنا لماذا ترى الإنسان اليوم آمنًا في ظاهره، لا ينقصه شيء من أسباب الراحة، لكنه في داخله خائف لا يدري ماذا سيحدث غدًا. جسمه مرتاح، لكن روحه متعبة. عنده كثير من الترفيه، وقليل من الطمأنينة. يركب السيارة، ويأكل الطعام الوفير، ويلبس اللباس الحسن، لكنه لا يملك اطمئنانًا للمستقبل؛ لأن المادة لا تعطي هذا الاطمئنان، بل قد تبث فيه القلق، ثم تقوده إلى الكآبة.

قال الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

كلما ابتعد الإنسان عن الله ازدادت همومه وغمومه، وازداد قلقه وشكه. فالإنسان المادي، إذا تأملنا بعض نماذجه في المجتمع، نلاحظ أنه كلما جعل المادة محورًا لحياته ضعفت عقائده، وزادت شكوكه، وهذا ـ والعياذ بالله ـ من أسوأ الأمراض التي يُبتلى بها الإنسان.

أما الإنسان الذي تكون روحيته ومعنوياته وعقيدته أقوى، وتكون ماديته محدودة، ويعيش الكفاف، ولا يبحث عن الكماليات الزائدة، فإنك تراه أكثر استقرارًا وسكينة؛ لأن الطمأنينة لا تأتي من كثرة الأشياء، بل من ذكر الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا تتولد عند الإنسان المادي حالة من التفكير العدمي؛ فيقول: نعيش دنيانا فقط، ولا فائدة من الحياة، ولا جدوى من الوجود. فيقع في الإحباط، واليأس، والاستسلام، والخوف من الواقع.

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية/24.

وهذا (الظن المقصود منه الشك) من أخطر الأمراض التي يُبتلى بها الإنسان؛ لأن الأزمة النفسية قد تقوده إلى أزمة عقائدية ومعنوية، وفقدان الشعور بالارتياح الداخلي. والسبب أنه يعيش للدنيا فقط، وكلما ارتبط الإنسان بالدنيا بوصفها الغاية النهائية، وابتعد عن الآخرة، ازدادت مشاكله النفسية والروحية والمعنوية، لان تعلق بالمتغير الزائل وترك الثابت الابدي.

قال الله تعالى:

(وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

أما إذا نظر إلى الدنيا بوصفها طريقًا، واقترب من الآخرة بمعاني التقوى والورع والإيمان والعمل الصالح، ازداد استقراره النفسي وطمأنينته الروحية ويقينه.

قال الله تعالى:

(فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) الأعراف/35.

فالإنسان يعيش الحياة الحقيقية عندما يعيش للآخرة، ويستهدف الآخرة، ولا يجعل الدنيا كل همه. وليس معنى ذلك أن يترك الدنيا وينعزل عنها؛ فنحن نعيش في الدنيا، ونعمل فيها، ونبني ونزرع ونخدم، ولكن لا ينبغي أن تصبح الدنيا كل الهم، بل يكون الهم الأساسي هو الآخرة.

وهذا الإنسان، في الواقع، هو الذي يعيش الحياة؛ لأنه يعيش مطمئن القلب.

رابعًا: الراحة النفسية ليست في امتلاك الأشياء

هنا تظهر معادلة تعبر عن التناقض الذي تخلقه الأوهام، فالإنسان يعمل من اجل ان يحصل على المال، ليبني البيوت، ويشتري المقتنيات، لكي يعيش مرتاحًا. لكنه قد يغفل عن أن الراحة الحقيقية هي راحة النفس، سواء امتلك الأشياء أم لم يمتلكها.

بعض الناس يملكون المال ووسائل الراحة، لكنهم مطمئنون؛ لأن هذه الأشياء عندهم مجرد وسيلة، وليست غاية ولا هدفًا. وبعض الناس لا يملكون كثيرًا من المظاهر، ومع ذلك يعيشون مستقرين وساكني النفس. وفي المقابل، هناك من يملكون الكثير، لكنهم لا يجدون السكينة، وهذه هي الأزمة الحقيقية.

لذلك عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن هذه القضية في كلمته العظيمة:

«فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا».

فعندما وقعت قضية عاشوراء، واستولى الأمويون على السلطة، كان كثير من الناس قد جعلوا الحياة المادية هدفهم الأعلى، لكنها في حقيقتها كانت موتًا وظلامًا. فجاء الإمام الحسين عليه السلام بهذه الكلمات البسيطة العميقة ليشرح لنا معنى الحياة ومعنى الموت.

ما معنى «برمًا»؟

البرم هو ضيق النفس من حياة فقدت معناها. إنه الملل الداخلي الذي ينخر الإنسان عندما ينفصل عن الغاية. فالإنسان لا يشبع من الدنيا إذا جعلها هدفًا نهائيًا، بل يبقى يطلب المزيد ليغطي فراغه، فيشتري ويكدّس ويراكم، لكنه لا يصل إلى السكينة.

فالإنسان الذي يعيش مع الظالمين والفاسقين، ويترنح في أجواء الفساد والشهوات والذنوب، يعيش حياة بلا معنى. والملل هنا ليس حالة عابرة، بل هو موت معنوي؛ لأن الحياة الحقيقية السعيدة هي الحياة التي فيها معنى، وغاية وسمو وارتقاء، ومعرفة الإنسان بمعنى وجوده الحقيقي، وتوثيق ارتباطه بالله سبحانه وتعالى.

لذلك فإن الحياة مع الظالمين هي برم؛ لأنها حياة يفتقد الإنسان فيها معانيه الكبرى. فالظالم ينشر الكآبة والفسق والمجون، ويفجر الشهوات والذنوب، وبالنتيجة يفقد الإنسان في كل ذلك معاني الحياة.

وهذا ما أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يؤكد عليه: إذا تركتم الطريق الإلهي، وذهبتم خلف الطغاة، صارت حياتكم بلا معنى. فالحياة ليست مجرد وجود إنسان يتنفس، بل هي غايات كبيرة وسامية تحرك الإنسان نحو الآخرة؛ فالآخرة هي الهدف الحقيقي، والغاية الحقيقية.

حيث قال (عليه السلام): (ويحكم، يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون).

خامسًا: الظلم والطغيان وصناعة الشك

من هنا نصل إلى معنى آخر: لماذا يعيش الإنسان الشك؟

إن العيش مع الظالمين والطغاة يؤدي إلى ترسيخ التشكيك، وصناعة الانحرافات العقائدية؛ لأن الظالم والطاغية يريد دائمًا أن يبرر شرعيته وسلطته، فيختلق الأفكار المنحرفة، ويغسل أدمغة الناس، ويرسخ فيهم ما يخدم بقاءه.

وهكذا كان الطواغيت. يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث عن فرعون:

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).

أي إن فرعون لم يجعل لشعبه قيمة، وتلاعب بهم، وبأفكارهم وعقائدهم، حتى جعلهم يعبدونه إلهًا. هذا هو معنى الاستخفاف؛ أن يسيطر الطاغية على وعي الناس، ويستعبدهم باستلاب اراداتهم، ويستبد بهم فيطيعونه.

وبالنتيجة كانوا قومًا فاسقين، أي خارجين عن طاعة الله. ويمكن أن نفهم أن طغيان فرعون وسيطرته عليهم كان نتيجة فسقهم وبعدهم عن الله، كما يمكن أن نفهم أنهم بطاعتهم لفرعون صاروا قومًا فاسقين. وهذا الفسق يتوالد ويكبر في ظل النظام الطاغي والمستبد؛ لأنه لا يسمح بالإصلاح، بل يصنع انحرافًا متضخما، ويمزج الحق بالباطل، وينشر الضلال بين الناس.

فالطغاة لا يحكمون الناس بالقوة فقط، بل يحكمونهم بالخوف. وهذا الخوف هو الذي يجعل الناس في النهاية يشعرون بالقلق، ويفقدون الطمأنينة، ليسهل التحكم بهم.

وقد تختلق بعض الحكومات أزمات معينة؛ كإخفاء مادة غذائية، أو مواد الطاقة، أو بعض الضرورات من الأسواق، لكي تخلق حالة من القلق عند الناس. وحين يقلق الناس يصبحون خائفين غير آمنين، وعندئذ يسهل إخضاعهم والسيطرة عليهم.

وهذا هو أسلوب المستبدين والطغاة؛ فإذا خاف الإنسان استكان وخضع، وصار من السهل التحكم به عندما تُسلب منه الطمأنينة والشعور بالأمن والأمان.

وهذا معنى قول الإمام الحسين عليه السلام:

«والحياة مع الظالمين إلا برمًا».

سادسًا: الشك الفوضوي وغرور الإنسان المعاصر

من أسباب الانحراف والفسق الذي ذكره القرآن الكريم هو أن المجتمع صار عنده غرور؛ لأنه امتلك الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، ودخل الجامعة فأصبح اكاديميا، وقرأ بعض المسائل والقضايا فاصبح مثقفا، فتولدت لديه حالة من الشك الفوضوي. صار بعض الناس يعتبر نفسه فوق ما جاء به الدين، وبدأ يشكك بالمعتقدات الدينية، ويريد أن يمشي به على طريقته الخاصة.

وهذا شكل من أشكال الشك الفوضوي. فالإنسان قد يسأل من أجل التعلم والاستزادة، وهذا حسن. أما أن يجادل في الله بغير علم، ويخاصم الحق بلا أصل ولا أساس، فهذه مشكلة خطيرة.

قال الله تعالى:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ).

وهذه أزمة؛ إذ يصبح الإنسان أعمى البصيرة. فالشك الفوضوي لا يقود إلى جواب، بل يؤدي إلى مزيد من الشك، ثم الشك، ثم الشك، حتى لا يصل صاحبه إلى نتيجة.

ومن هنا نفهم إحدى مشكلات التفكير الذي ينفصل عن طريق الله سبحانه وتعالى؛ فعندما يريد الإنسان أن يتخذ طريقًا غير طريق الله عز وجل، وأن يستقل عن الدين، ويظن أنه بمجرد امتلاك بعض المصطلحات والكلمات يستطيع أن يجد الجواب بنفسه، فإنه لا يصل إلى اليقين، بل يصبح ضالًا مضلًا.

هذه هي مشكلة من يريد أن يناقش في كل شيء من دون أصل، وأساس، ومن دون رجوع إلى القرآن الكريم، وإلى الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.

قال الله تعالى:

(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).

هذا الإنسان الطاغي بعلمه، الذي يجادل في الله بغير علم، يعيش نوعًا من الطغيان المعرفي. وهذا الطغيان يجعله أعمى، فلا يرى الحقيقة؛ يعيش الحيرة والضلالة والتردد والخيبة ولا يصل إلى نتيجة.

وقوله تعالى: (يَعْمَهُونَ) يعني أنهم لا يبصرون الطريق، ولا يمتلكون البصيرة حيث تحجبهم غشاوة الشك الفوضى عن المعرفة والحقيقة.

وقال الله تعالى أيضًا: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).

فالسكران يشبه المجنون الذي حجب عنه عقله وبصيرته. وكذلك هؤلاء المشككون فوضويًا، يكونون كالسكارى الغائبة عقولهم، لانهم يريدون أن يناقشوا في كل شيء من دون بنية واسس واصول علمية ومعرفية صالحة .

فالإنسان الذي يخرج عن هذه الأصول يصبح في النهاية مشككًا لا يرى طريقه، ويفتقد البصيرة في حياته، ولا يصل إلى النتيجة المطلوبة.

الإمام الحسين عليه السلام طريق الخلاص من الشك والقلق

نحن نحتاج إلى الإمام الحسين عليه السلام؛ لأنه يزرع فينا اليقين، ولذلك هو طريق الخلاص من الشك والقلق. لذلك عندما نحيي ذكرى عاشوراء، لابد أن يكون هدفنا زرع الطمأنينة في قلوبنا من خلال التمسك بالإمام الحسين عليه السلام، والاستمداد منه، وأن نكون في حركة نهضوية متبصرة؛ حركة معرفة وتحرر ومحاسبة للنفس وتحمل للمسؤولية في حياتنا. وهذا يجعلنا نصبح في حالة اليقين.

فكيف يمكن أن نحصل على هذا اليقين من خلال الإمام الحسين عليه السلام؟

إن الإمام الحسين عليه السلام يُرجع الإنسان إلى العقل، ويحرره من أغلال المادية، واستعباد الطغاة، وعبودية الشهوات، فيجعل هذا العقل منفتحًا على الهداية والفهم والوعي والذكر والتذكر.

وعندما يسير الإنسان في طريق الإمام الحسين عليه السلام، تسكن نفسه. لذلك نلاحظ أن كثيرًا من الناس في أيام عاشوراء يرتاحون نفسيًا؛ لأنهم يشعرون بالطمأنينة، وإن كانت معرفة بعضهم قليلة، وبعضهم متوسطة. أما الإنسان الذي يملك معرفة حقيقية، فإنه يستطيع أن يستزيد ويتزود من الطمأنينة واليقين كلما استزاد في معرفة الإمام الحسين عليه السلام.

وهنا نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: «حسين مني وأنا من حسين».

فمعناه أن الإمام الحسين عليه السلام هو امتداد الرسالة الذي حفظ معنى الإسلام من التحريف. فالحسين عليه السلام يقودنا إلى الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى اليقين والغايات. أما الطريق الآخر، الذي انحرف عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو يقود إلى الشك والفوضى والضلال.

ومن هنا، فإن المطلوب من الإنسان أن يحيي عاشوراء بوصفها فرصة لتغيير النفس، وتحرير العقل، وفتح القلب، واستعادة البصيرة، ومحاسبة الذات، وتحمل المسؤولية.

فالإمام الحسين عليه السلام لا يمنحنا ذكرى عابرة، بل يمنحنا معنى الحياة، ويعيدنا إلى الغاية، ويربطنا بالله سبحانه وتعالى، ويستنقذنا من الجهالة وحيرة الضلالة.

وفي الختام، نقرأ هذا الدعاء الذي هو استزادة في عملية بناء اليقين الحسيني عند الإنسان:

(اللهم اجعل يقيني أفضل اليقين، وانتهِ بنيّتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل اليقين الحسيني، وأن لا يحرمنا في الدنيا زيارته، وفي الآخرة شفاعته، وأن يرزقنا قلبًا ثابتًا، وعقلًا بصيرًا، وعملًا صالحًا، وموقفًا لا ذل فيه، ولا تردد ولا شك، بل يقينًا ثابتًا، وقلبًا منيرًا.

* هذه المقالة هي محاضرة بثت على قناة المهدي الفضائية

اضف تعليق