وأحاطت بالإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) عدّة من المسؤوليات الدينية والواجبات الاجتماعية وغيرها، فحفّزته إلى الثورة ودفعته إلى التضحية والفداء، وهذه بعضها:

1 ـ المسؤولية الدينيّة، 2 ـ المسؤولية الاجتماعيّة، 3 ـ إقامة الحجّة عليه، 4 ـ حماية الإسلام، 5 ـ صيانة الخلافة، 6 ـ تحرير إرادة الأُمّة، 7 ـ تحرير اقتصاد الأُمّة، 8 ـ المظالم الاجتماعية، 9 ـ المظالم الهائلة على الشيعة، 10 ـ محو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام)، 11 ـ تدمير القِيَم الإسلاميّة، 12 ـ انهيار المجتمع.

13 ـ الدفاع عن حقوقه:

وانبرى الإمام الحُسين (عليه السّلام) للجهاد دفاعاً عن حقوقه التي نهبها الاُمويّون واغتصبوها، وأهمها ـ فيما نحسب ـ ما يلي:

1 ـ الخلافة:

وآمن الإمام الحُسين (عليه السّلام) كأبيه أنّ العترة الطاهرة أولى بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأحقّ بمركزه مِنْ غيرهم؛ لأنّهم أهل بيت النّبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بهم فتح الله وبهم ختم ـ على حدّ تعبيره ـ وقد طبع على هذا الشعور وهو في غضون الصبا. فقد انطلق إلى عمر وكان على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصاح به: «انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك».

ولمْ ينفرد الإمام الحُسين بهذا الشعور، وإنّما كان سائداً عند أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام)، فهم يرون أنّ الخلافة مِنْ حقوقهم؛ لأنّهم ألصق الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأكثرهم وعياً لأهدافه.

وهناك شيء آخر جدير بالاهتمام وهو أنّ الحُسين (عليه السّلام) كان هو الخليفة الشرعي بمقتضى معاهدة الصلح التي تمّ الاتفاق عليها، فقد جاء في بنودها: ليس لمعاوية أنْ يعهد بالأمر إلى أحد مِنْ بعده، والأمر بعده للحسن، فإنْ حدث به حدث فالأمر للحُسين (1).

وعلى هذا فلمْ تكن بيعة يزيد شرعية. فلمْ يخرج الإمام الحُسين (عليه السّلام) على إمام مِن أئمّة المسلمين كما يذهب لذلك بعض ذوي النزعات الاُمويّة، وإنّما خرج (عليه السّلام) على ظالم مغتصب لحقّه.

2 ـ الخُمس:

والخمس حقّ مفروض لأهل البيت (عليهم السّلام) نصّ عليه القرآن وتواترت به السنّة، ولكنّ الحكومات السابقة تناهبته فلمْ تؤدِ لهمْ منه شيئاً؛ لشلّ حركة المقاومة عند العلويين، وقد أشار الإمام الحُسين (عليه السّلام) إلى ذلك في حديثه مع أبي هرّة الذي نهاه عن الخروج على بني أُميّة، فقال (عليه السّلام) له:

«ويحك أبا هرة! إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت».

وأكبر الظنّ أنّ المال الذي أخذته بنو أُميّة منه هو الخمس، وقد أعلن ذلك دعبل الخزاعي في رائعته التي انشدها أمام الرضا (عليه السّلام) في خراسان بقوله:

أرى فيئهمْ في غيرِهم متقسّماً

وأيديهمْ مِنْ فيئهِمْ صفراتِ

والتاع الإمام الرضا (عليه السّلام) فجعل يقلّب يديه وهو يقول: «إنّها والله لصفرات». وقد أقضّ مضاجع العلويين منعهم من الخمس؛ باعتباره أحد المصادر الرئيسية لحياتهم الاقتصادية.

ولعلّ الإمام الحُسين قد استهدف بنهضته ارجاع هذا الحقّ السليب لأهل البيت (عليهم السّلام).

14 ـ الأمر بالمعروف:

ومِنْ أوكد الأسباب التي ثار مِنْ أجلها أبيّ الضيم (عليه السّلام) إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنّهما مِنْ مقوّمات هذا الدين، والإمام بالدرجة الأولى مسؤول عنهما.

وقد أدلى (عليه السّلام) بذلك في وصيته لأخيه ابن الحنفيّة التي أعلن فيها عن أسباب خروجه على يزيد، فقال (عليه السّلام): «إنّي لمْ أخرج أشِرَاً ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي؛ أريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

لقد انطلق (عليه السّلام) إلى ميادين الجهاد ليقيم هذا الصرح الشامخ الذي بُنيت عليه الحياة الكريمة في الإسلام، وقد انهارت دعائمه أيّام الحكم الاُموي، فقد أصبح المعروف في عهدهم منكراً والمنكر معروفاً، وقد

أنكر عليهم الإمام في كثير مِن المواقف، والتي كان مِنها خطابه الرائع أمام المهاجرين والأنصار، فقد شجب فيه تخاذلهم عن نصرة الحقّ ودحض الباطل وإيثارهم للعافية.

وممّا قاله (عليه السّلام) في هذا المجال أمام أصحابه وأهل بيته يوم الطفّ: «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه».

لقد آثر الموت على الحياة؛ لأنّه يرى الحقّ قد تلاشى والباطل قد استشرى.

15 ـ إماتة البدع:

وعمد الحكم الاُموي إلى نشر البدع بين المسلمين، التي لمْ يقصد منها إلاّ محق الإسلام وإلحاق الهزيمة به. وقد أشار الإمام (عليه السّلام) إلى ذلك في رسالة بعثها لأهل البصرة، يقول (عليه السّلام): «فإنّ السنّة قد اُميتت، والبدعة قد اُحييت» (2).

لقد ثار (عليه السّلام) ليقضي على البدع الجاهلية التي تبنّاها الأمويون، ويحيي سنّة جدّه التي أماتوها، فكانت نهضته الخالدة مِنْ أجل إماتة الجاهلية ونشر راية الإسلام.

16 ـ العهد النّبوي:

واستشف النّبي (صلّى الله عليه وآله) مِنْ وراء الغيب ما يُمْنى به الإسلام مِن الأخطار الهائلة على أيدي الاُمويِّين، وإنّه لا يمكن بأيّ حالٍ تجديد رسالته وتخليد مبادئه إلاّ بتضحية ولده الإمام الحُسين (عليه السّلام)؛ فإنّه هو الذي يكون الدرع الواقي لصيانة الإسلام، فعهد إليه بالتضحية والفداء.

وقد أدلى الحُسين بذلك حينما عدله المشفقون عليه مِن الخروج إلى العراق، فقال (عليه السّلام) لهم: «أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأمرٍ وأنا ماضٍ إليه».

ويقول المؤرّخون: إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) كان قد نعى الحُسين إلى المسلمين وأحاطهم علماً بشهادته وما يعانيه مِنْ أهوال المصائب، وكان ـ باستمرار ـ يتفجّع عليه ويلعن قاتله، وكذلك أخبر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بشهادته وما يجري عليه، وقد ذكرنا في الحلقة الأولى مِنْ هذا الكتاب الأخبار المتواترة بذلك.

وكان الإمام الحُسين (عليه السّلام) على علم وثيق بما يجري عليه، فقد سمع ذلك مِنْ جدّه وأبيه وقد أيقن بالشهادة، ولمْ يكن له أيّ أمل في الحياة، فمشى إلى الموت بعزم وتصميم امتثالاً لأمر جدّه الذي عهد إليه بذلك.

17 ـ العزة والكرامة:

ومِنْ أوثق الأسباب التي ثار مِنْ أجلها أبو الأحرار هو العزّة والكرامة، ققد أراد الاُمويّون إرغامه على الذلّ والخنوع، فأبى إلاّ أنْ يعيش عزيزاً تحت ظلال السيوف والرماح، وقد أعلن سلام الله عليه ذلك يوم الطفّ بقوله: «ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله، ونفوسٌ أبيّة وأنوفٌ حميّة مِنْ أنْ نؤثرَ طاعة اللئام على مصارع الكرام». وقال (عليه السّلام): «لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».

لقد عانق الموت بثغر باسم في سبيل إبائه وعزّته، وضحّى بكلّ شيء مِنْ أجل حريته وكرامته.

18 ـ غدر الاُمويِّين وفتكهم:

وأيقن الإمام الحُسين (عليه السّلام) أنّ الاُمويِّين لا يتركونه، ولا تكفّ أيديهم عن الغدر والفتك به حتّى لو سالمهم وبايعهم، وذلك لما يلي:

1 ـ إنّ الإمام كان ألمع شخصية في العالم الإسلامي، وقد عقد له المسلمون في دخائل نفوسهم خالص الودّ والولاء؛ لأنّه حفيد نبيّهم وسيد شباب أهل الجنّة، ومِن الطبيعي أنّه لا يروق للأمويين وجود شخصية تتمتّع بنفوذ قوي ومكانة مرموقة في جميع الأوساط، فإنّها تشكّل خطراً على سلطانهم وملكهم.

2 ـ إنّ الاُمويِّين كانوا حاقدين على النّبي (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه وترهم في واقعة بدر وألحق بهم الهزيمة والعار، وكان يزيد يترقّب الفرص للانتقام مِنْ أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ ليأخذ ثاراث بدر منهم.

ويقول الرواة إنّه كان يقول:

لستُ مِنْ خندفَ إنْ لمْ أنتقمْ

مِنْ بني أحمدَ ما كان فعلْ

ولمّا استوفى ثاره وروّى أحقاده بإبادتهم، أخذ يترنّم ويقول:

قد قتلنا القرمَ مِنْ ساداتهمْ

وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ

3 ـ إنّ الاُمويِّين قد عُرِفُوا بالغدر ونقض العهود؛ فقد صالح الحسن معاوية، وسلّم إليه الخلافة ومع ذلك فقد غدر معاوية به فدسّ إليه سمّاً فقتله، وأعطوا الأمان لمسلم بن عقيل فخانوا به.

وقد ذكرنا في البحوث السابقة مجموعة من الشخصيات التي اغتالها معاوية خشية منهم.

وقد أعلن الإمام الحُسين (عليه السّلام) أنّ بني أُميّة لا يتركونه. يقول (عليه السّلام) لأخيه محمّد بن الحنفيّة: «لو دخلت في جحر هامة مِنْ هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقتلوني».

وقال (عليه السّلام) لجعفر بن سليمان الضبعي: «والله، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة ـ يعني قلبه الشريف ـ مِنْ جوفي». واختار (عليه السّلام) أنْ يعلن الحرب ويموت ميتة كريمة تهزّ عروشهم، وتقضي على جبروتهم وطغيانهم.

هذه بعض الأسباب التي حفّزت أبا الأحرار إلى الثورة على حكم يزيد.

رأيٌ رخيص:

ووصف جماعة مِن المتعصّبين لبني أُميّة خروج الإمام على يزيد بأنّه كان مِنْ أجل المُلْك والظفر بخيرات البلاد، وهذا الرأي ينمّ عن حقدهم على الإمام بما أحرزه مِن الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة التي لمْ يظفر بمثل معطياتها أيّ مصلح اجتماعي في الأرض، وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة الحسينيّة وعدم الوقوف على أسبابها.

لقد كان الإمام على يقين بإخفاق ثورته في الميادين العسكرية؛ لأنّ خصمه كان يدعمه جند مكثّف اُولوا قوّة واُولوا بأس شديد، وهو لمْ تكن عنده أيّة قوّة عسكرية ليحصل على المُلْك، ولو كان المُلْك غايته كما يقولون لعاد إلى الحجاز، أو مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل وانقلاب الكوفة عليه، ويعمل حينئذ مِنْ جديد على ضمان غايته ونجاح مهمّته. لقد كان الإمام (عليه السّلام) على علم بأنّ الأوضاع السائدة كلّها كانت في صالح بني أُميّة، وليس منها ممّا يدعمه أو يعود لصالحه.

يقول ابن خلدون: إنّ هزيمة الحُسين كانت أمراً محتّماً؛ لأنّ الحُسين لمْ تكن له الشوكة التي تمكّنه مِنْ هزيمة الاُمويِّين؛ لأنّ عصبية مضر في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف في بني أُميّة، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه (3).

لقد كانت ثورة الإمام مِنْ أجل غاية لا يفكّر بها أولئك الذين فقدوا وعيهم واختيارهم، فقد كان خروجه على حكم يزيد مِنْ أجل حماية المُثُل الإسلاميّة والقِيَم الكريمة مِن الاُمويِّين الذين حملوا معول الهدم.

يقول بعض الكتاب المعاصرين: ويحقّ لنا أنْ نسأل ماذا كان هدف الحُسين (عليه السّلام)، وماذا كانت القضية التي يعمل مِنْ أجلها؟

أمّا لو كان هدفه شخصيّاً يتمثّل في رغبته في إسقاط يزيد ليتولّى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمع إليها، ما وجدنا فيه هذا الإصرار على التقدّم نحو الكوفة رغم وضوح تفرّق الناس مِنْ حوله، واستسلامهم لابن زياد وحملهم السلاح في أعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه.

إنّ أقصر الناس نظراً كان يدرك أنّ مصيره لنْ يختلف عمّا آل إليه فعله، ولو كان الحُسين بهذه المكانة مِنْ قصر النظر لعاد إلى مكّة ليعمل مِنْ جديد للوصول إلى منصب الخلافة. ولو كان هدفه في أول الأمر الوصول إلى منصب الخلافة ثمّ لمّا بلغه مصرع ابن عمّه وقرّروا صلة السفر للثأر مِنْ قاتليه ـ كما يزعم بعض الباحثين ـ استجابة لقضية أهله وأقاربه. لو كان هذا هدفه لأدرك أنّ جماعته التي خرجت معه للثأر وهي لا تزيد على التسعين؛ رجالاً ونساءً وأطفالاً، لنْ تصل إلى شيء مِنْ ذلك مِنْ دون أنْ يقضى على أفرادها جميعاً، وبغير أنْ يضحّي هو بنفسه ضحيّة رخيصة في ميدان الثأر.

ومِنْ ثمّ يكون مِنْ واجبه للثأر أنْ يرجع ليعيد تجميع صفوف أنصاره وأقربائه، ويتقدّم في الجمع العظيم مِن الغاصبين والموتورين.

فالقضية إذاً ليست قضية ثأر، والهدف ليس هدفاً شخصيّاً، وإنّما الأمر أمر الأُمّة، والقضية كانت للحقّ، والإقدام إقدام الفدائي الذي أراد أنْ يُضربَ المثل بنفسه في البذل والتضحية، ولمْ يكن إصرار الحُسين على التقدّم نحو الكوفة بعد ما علم مِنْ تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد إلاّ ليجعل مِنْ استشهاده علماً تلتفّ حوله القلّة التي كانت لا تزال تؤمن بالمُثُل، وتلتمس في القادة مَنْ يُنير لها طريق الجدّ في الكفاح، وتحريكاً لضمائر المتخاذلين القاعدين عن صيانة حقوقهم ورعاية صوالحهم.

وألمّ هذا القول بالواقع المشرق الذي ناضل مِنْ أجله الإمام الحُسين، فهو لمْ يستهدف أي مصلحة ذاتية، وإنّما استهدف مصلحة الأُمّة وصيانتها مِن الاُمويِّين.

* مقتبس من كتاب حياة الامام الحسين، دراسة وتحليل، لمؤلفه الشيخ باقر شريف القرشي

...................................
(1) حياة الإمام الحسن 2 / 288 الطعبة الثانية.
(2) تاريخ الطبري 6 / 200.
(3) المقدمة / 152.

اضف تعليق