التعاطف مع الآخرين، تعني القدرة الفطرية على الاستيعاب والفهم والتجاوب والتفاعل مع الآخرين ومراعاة مشاعرهم وعواطفهم، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الأزمات والمحن والشدائد ودعمهم -ماديًا ومعنويًا- والإحساس بآلامهم وأوجاعهم وأحزانهم، وكأنّها هي آلامنا وأوجاعنا وأحزاننا.

هذه المواقف الإنسانية العظيمة تعتبر عاملاً مهمًا جدًا من عوامل الترابط الاجتماعي، لابد أن تتجسّد في واقعنا الحياتي، في كل لحظة من اللحظات وفي كل وقت من الأوقات، عندها نصبح بالفعل قد حققنا الهدف الأسمى "التعاطف والتراحم والمواساة ".

استمعوا إلى ما يقوله الإمام جعفر الصادق (ع) إذ يقول: "يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل (رحماء بينهم) متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" (1)، وقال أيضا (ع): " اتقوا الله تعالى، وكونوا أخوة بررة، متحابين في الله تعالى، متواصلين، متراحمين.. تزاوروا، وتذاكروا أمرنا وأحيوه.." (2).

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: قال رسول الله (ص): "من سعى لمريض في حاجة قضاها أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.. فقال رجل من الأنصار: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فإن كان المريض من أهل بيته، أوليس ذلك أعظم أجرًا.. إذا سعى في حاجة أهل بيته قال: نعم" (3).

فالتعاطف والتراحم والمواساة هو أن نتصور -دائمًا- ونضع أنفسنا في مكان الآخر وكيفية التعامل معه، اسأل نفسك: هل تفي بوعدٍ لزيارة إنسان مريض تعرفه أو جريح أصيب بحادثٍ مؤلمٍ وهو بأمس الحاجة إلى التعاطف والتآزر والكلمة الطيبة والوقوف بجانبه في أيام الشدة والمحنة والدعاء له بالشفاء العاجل؟؟؟ هل ينبغي عليك أن تجرح أحدًا من زملائك حتى لو كان من غير طائفتك ومذهبك وتقوم أنت بتحقيره واستهزائه أمام الآخرين؟؟؟ هل تتذكر العناء والتعب الذي تبذله أنت في عملك ولكن لا أحد يكافئك ولو بالكلمة الطيبة؟؟؟ أسئلة كثيرة نسمعها كل يوم في حياتنا ويتباين فيها الناس تباينًا كبيرًا.

إن التعاطف والتراحم والمواساة يعتمد على قراءة الآخرين من خلال التعامل معهم لا من خلال انتماءاتهم القبلية والعشائرية أو الطائفية والمذهبية... وعندما تتدخل النظرة النمطية السلبية تنعدم القراءة السليمة ويصبح الإنسان متجنيًا قي قراءته للآخرين، وقد نهانا الله تعالى أن نحمّل شخصًا أخطاء قومه لمجرد انتمائه إليهم، قال تعالى: {ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى} (4)، وأمرنا بالعدل والإنصاف في حكمنا على الآخرين وفي تقييمنا لهم حتى لو كانوا -أعداء مخالفين- قال تعالى: {ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوى} (5).

إن المجتمع الواعي يحمل رسالة (مبادئ وقيـم عالية) رسالة ليست طائفية أو مذهبية أو عنصرية أو حزبية أو قومية، مجتمع لا يفكر في أنانيته ومصلحته الضيقة، ويستقوي على المجتمعات الأخرى وينتصر عليها ويجعلها ضعيفةً هـشةً، لكي يعيش أفضل منها عيشةً رفاهيةً، بل يحمل قضيةً مستضعفي العالم ويتضامن معهم ويواسيهم في الأزمات والشدائد ويندفع نحو تحرير الإنسان من الجهل والعصبية والكراهية، ومن نوازع الحقد والحسد والبغضاء والنزاعات الداخلية، ويسعى –دائمًا– إلى بناء الأرض وليس إلى خرابها ودمارها، ويحاول في السيطرة على موارد الطبيعة وثرواتها ليستخدمها استخدامًا مناسبًا ويوزعها توزيعًا عادلاً.

وإن الإنسان الواعي الذي يجيد التعاطف والمواساة مع الآخرين يجذبهم إليه ويجعلهم في صفه ويتخذهم إخوانًا له -بدلاً- من أن يكونوا عليه أعداء حاقدين ومبغضين، فالناس -عادةً- يبحثون عمّن يتعاطف معهم ويشارك همومهم وأحزانهم وآلامهم وأوجاعهم.

هناك قصص كثيرة تتحدث عن التعاطف مع الآخرين ويمكننا أن نستلهم منها الدروس والتجارب والعبر والفوائد في الحياة، قصص ربما تكون أكثر واقعية -فعلاً- من القصص التي لا يمكن نسيانها -أبدًا–، فعلى سبيل المثال فإن أبناء وإخوان وأصحاب الإمام الحسين (ع) الذين ضرّجوا بدمائهم في واقعة كربلاء الأليمة كان كل واحد منهم يمثل في أفق التوحيد والإيمان، فقد كان بعض أصحاب الإمام الحسين (ع) أصحابـًا للنبي (ص) من مثل حبيب بن مظاهر الأسدي الذي أوتي علم المنايا والبلايا، ومن مثل مسلم بن عوسجة الذي كان فقيهًا وعالمـًا من العلماء العظام ولقد قتل هؤلاء الواحد تلو الآخر، ومع ذلك فإن وجه أبي عبدا لله (ع) كان يزداد إشراقـًا رغم أن قلبه كان يتفطّر ألمًا عليهم، وبعد أن أكمل (ع) مهمته قبض قبضة من تراب كربلاء ووضـع جبهته الشريفة علـيه وقال: "صبرًا على قضائك يا رب لا إله سواك يا غياث المستغيثين.. مالي رب سواك ولا معبود غيرك" (6).

ونحن إذا رأينا اليوم.. أن الناس يقدّرون أبا عبد الله الحسين (ع) ويعظّمونه ويبكون عليه، وإذا رأيناهم يحملون إلينا في كل شهر محرم موسمًا جديدًا وميمونـًا من ذكراه المبارك لأنّه كان أبـًا للأحرار وثائرًا من أجل إحياء الدين وإقامة العدالة الإلهية وبث روح القـيم القرآنية في الأمة الإسلامية، وهذه هي سر بقاء ملحمة كربلاء الخالدة التي لم ولن نرى في التاريخ، ملحمةً أشدّ فظاعةً وإيلامـًا وحزنـًا منهـا، حتى مضى هذا المـثل في التاريخ: "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله" (7).

.......................................
الهوامش والمصادر:
1- الشيخ محمد الكليني، أصول الكـافي: 175/ 2، الحديث (4).
2- الشيخ محمد الكليني، أصول الكـافي: 175/2، الحديث (1).
3- الشيخ محمد الصدوق، من لا يحضره الفـقـيه: (4/6 1).
4- سورة الأنعام – الآية (164).
5- سورة المائدة – الآية (8).
6- السيد عبد الرزّاق المقرّم، مقتل الإمام الحسين (ع): (357).
7- السيد محمد تقي المدرسي. الإمام الحسين (ع) قدوة الصدّيقين: (112).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0