(الله تعالى هو الذي فوّض الإمام الحسين صلوات الله عليه للثورة ضدّ الطغيان) المرجع الشيرازي.

ما سرّ بقاء الثورة الحسينية متوهجة على مدى الدهور؟، يتساءل كثيرون ويكررون هذا السؤال، منهم مسلمون وآخرون من أديان أخرى، ويسألون أيضا لماذا تأثّر ثوار العالم المبرزون بهذا الثائر وبمبادئه العظيمة وانتصاره للقيم الإنسانية، فقد تأثر به غاندي زعيم الثورة الهندية التي هزمت الاحتلال البريطاني بما يعرف بثورة (الملح)، وبالمبادئ الغاندية التي اتخذت من اللاعنف طريقا كفاحيا لها، وانتصر ثوار آخرون استلهموا مبادئ الحسين (ع).

أسئلة أخرى لا يزال يتردد صداها في عالمنا إلى الآن، لماذا يخشى الحكام الطغاة الإمام الحسين عليه السلام، ولماذا يسعى هؤلاء وحكوماتهم إلى محاربة الفكر الحسيني ومحاصرته، ومطاردة كل من يؤيد هذه الثورة الفكرية الأخلاقية الحقوقية الرافضة للظلم بكل أشكاله؟

هناك دعوة معلنة لانتزاع حق الإمام الحسين عليه السلام ممن سلبوه، وهؤلاء هم يزيد وكل من وقف معه في تدمير الإسلام، وحرفه عن الجادة الصواب التي سار عليها الإسلام منذ بزوغ الرسالة النبوية، وصار كل حاكم طاغية عدوّا للنهضة الحسينية، فطيلة أكثر من 1400 سنة مضت، لا تزال الحكومات اللاشرعية ترتعب من مجرد ذكر الإمام الحسين (ع).

وقد تفنن الطغاة على مر التاريخ في أساليب محو النهضة الفكرية الحقوقية الحسينية، وبالغوا كثيرا في محاربتها، واخترعوا شتى أدوات وأساليب وطرق التعذيب لكل من يتبع الإمام الحسين عليه السلام ويؤيده، لكن الثوار يزدادون يوما بعد آخر، والمدّ النضالي ضد الظلم يتصاعد مع الزمن، وما كان لهذا التأييد العظيم أن يستمر ويتضاعف لو لا عظَمَة وصحة مبادئ النهضة الحسينية الهادفة إلى كنس الفساد من جذوره، وردع الفاسدين، وتنظيف الواقع الإسلامي والعالمي من أدران المسؤولين الفاسدين المجبولين على ظلم الناس.

نهضة فكرية مبدئية تنتصر للإنسان

نهضة الإمام الحسين بدأت وقامت ضد الفساد أولا، وهدفت إلى تغيير هذا الواقع المكبّل بالفساد، واستمرت إلى يومنا هذا على هذا المنوال، لأنها نهضة انتصرت ولا زالت تنتصر للإنسان، وترفض إلحاق الظلم به، وتردع كل من تسوّل له نفسه التعدّي على حقوق الإنسان، ولذلك خرج الحسين (ع) ضد يزيد لكي يغير الواقع الفاسد ويضع حدا له، فما أحوجنا اليوم إلى نهضة حسينية تجذّ الفساد من الجذور.

هذا ما أكّده سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي في قوله (إنّ المقصود من جملة (الثائر بحقّك) في زيارة – الإمام الحسين عليه السلام- هو إحداث التغيير ضدّ الواقع الفاسد وليس بمعنى الثورة المتعارفة اليوم. ولقد كان في زمن الإمام الحسين صلوات الله عليه، نظاماً فاسداً وهو نظام يزيد، وكان على الإمام الحسين صلوات الله عليه أن يغير هذا النظام الفاسد).

لقد كانت السلوكيات الفاسدة شائعة في عهد يزيد، بل حرص هو ومن يحمي عرشه في ذلك الوقت على نشر الفساد الاجتماعي بأشكاله المتعددة، حتى بات النسيج الاجتماعي مهلهلا متفسخا يفتك به الانحلال، وتراجعت التعاليم الإسلامية حتى بلغت التعتيم التام، والإهمال، وعدم التأثير في العلاقات والتعاملات الاجتماعية والعملية بين أفراد المجتمع الإسلامي.

كانت الصلاة موجودة في زمن يزيد، وتؤدى في أماكن العبادة، وكان الصوم كفريضة إسلامية موجودة، لكن المشكلة العصيبة أنها لم تعد فرائض تقوّم الناس وتحافظ على نظافة القلوب وتحمي القيم من الانحدار، فقد كان الإسلام موجودا بالاسم فقط، إنه أداء لسلوكيات عبادية شكلية لا تدخل في العمق الإيماني الذي يصقل سلوك الإنسان ويصونه من الانحراف.

العبادة إذن كانت تؤدى بطريقة شكلية في عهد يزيد، لأن الفساد كان ينخر النسيج المجتمعي، وهذا ما سعى إليه يزيد وزبانيته، لقد اختفت الأخلاق الإسلامية وضمرت التعاملات الإنسانية حدّ الغياب والتلاشي، وشاع الفساد بصورة مرعبة، وتم تحييد القيم والتعاليم والفرائض الإسلامية، فغاب تأثيرها على الناس وعجزت عن مكافحة الانحلال والمجون والفساد الأخلاقي والسياسي.

(إذن، كانت العبادات موجودة في زمن يزيد لكن الذي لم يكن موجودا هو الإنسانية والأخلاق الإسلامية، ولذلك نقرأ في الزيارة عبارة (الثائر بحقّك) وعلينا إيصال هذه القضية إلى العالم أجمع). هذا ما قاله سماحة المرجع الشيرازي، وأشار بقوة إلى وجوب نشر هذه القضية وتوضيحها بصورة دقيقة لكل من لا يعرفها من المسلمين، بل وإيضاحها للعالم أجمع.

تغيير الواقع في ضوء ثقافة عاشوراء

وما لهفة المسلمين اليوم، واندفاعهم الإيماني الراسخ والكبير، لإحياء مراسيم عاشوراء، إلا إصرارا منهم على التمسك بالنهضة الحسينية المباركة، والاهتداء بها والانطلاق في ضوئها لمكافحة الواقع الفاسد الذي يحاصر المسلمين من قبل حكومات وحكام ينتمون للإمام الحسين لفظا، ويخشونه واقعا لأنهم لم يلتزموا بالأهداف الحسينية كونهم يلهثون وراء مغانمهم بعد أن أغرتهم السلطة.

أهم مرتكز قامت عليه ثورة الإمام الحسين عليه السلام، هو مرتكز تغيير الواقع الفاسد، وإعادة القيم والتعاليم الإسلامية إلى سابق تأثيرها إبان الرسالة النبوية، وفي عهد الإمام علي عليه السلام، حيث العدل، العفو، الإنصاف، التقوى، التعاون، التسامح، التكافل، هذه كلها فيم أشاعها الإسلام فكرا وتطبيقا في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وفي حكومة الإمام علي عليه السلام.

الإمام الحسين أراد أن يعيد هذه القيم النبوية والعلوية إلى واقع المسلمين بعد أن عاث يزيد فسادا بذلك الواقع، وجرّده من القيم الأخلاقية، ومسخه بالمجون والانحلال والظلم، فالهدف الحسيني كان ولا يزال وسوف يبقى هو تغيير الواقع نحو الأفضل بما يتناسب وقيمة الإنسان ومكانته وحرمته وكرامته.

(لقد أراد الإمام الحسين صلوات الله عليه أن يعيد الناس إلى السيرة النبويّة وإلى سيرة الإمام علي صلوات الله عليه، وأراد تغيير الواقع). هذا ما قاله المرجع الديني السيد صادق الشيرازي. وطالب سماحته مرارا وتكرارا بأن يتمسك المسلمون بهذه القيم العظيمة من خلال تمسكهم بمبادئ النهضة الحسينية وإحياء مراسيم عاشوراء كي تبقى الشعائر مشعلا متوهجا يهتدي به الثائرون على الفساد ورموزه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0