مذ أن أرخى (العام 61هـ) سدوله المضمخة بالدم الزاكي لآخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، والشيعة يستقبلون العام الجديد بحزن وأسى، فـ(إِنَّ لِقَتْل الْحسين حرارة في قلُوب المؤمنين لا تَبْرَدُ أَبداً)، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

روى ابن عباس قال: كان الحسين في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال جبرئيل: أتحبّه؟ فقال: (كيف لا اُحبّه وهو ثمرة فؤادي). فقال: إنّ أُمّتك ستقتله.

وروى أنس بن الحارث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (إنّ ابني هذا _وأشار إلى الحسين_ يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره).

إن الحزن على الإمام السبط ليس فقط بدافع العاطفة الإنسانية التي تتماهى _فطرياً_ مع كل مظلوم، فكيف بمقتول عطشاً وغربة ونحراً، بل الحزن عليه أيضاً بدافع الاقتداء برسول الله، وقد بكى ولده الحسين.

جاء في (مسند أحمد بن حنبل):

(عن عبد الله بن نجى عن أبيه إنه سار مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفين، فنادى عليّ: (اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات). قلت: وماذا.

قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم وعيناه تفيضان قلت: (يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان). قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات). قال: فقال جبريل: "هل لك إلى أن أشمك من تربته".

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): قلت نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا). هذا الحديث صححه العلامة أحمد شاكر فى تخريج المسند وصححه الألباني.

وحباً لرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسبطه الشهيد (عليه السلام)، فإنه ومع كل عام جديد، تتجدد أحزان كربلاء وتتسع جغرافية الأسى على مصيبة عاشوراء، فأينما يولي المرء وجهه، نحو شرق الأرض أو غربها، سيرى سواداً وحزناً، يجد وقد حلّ المحرّم الحرام، وقد حلّ معه مصرع الإمام الشهيد وأهله وأصحابه.

في كل محرم وصفر يقيم الحسينيون مجالس العزاء في مساجدهم وحسينياتهم وبيوتهم، وبأشكال متنوعة تلفت الأنظار وتقرع باب كل ضمير حي.

ومع كل عام جديد، ينتصر دم الحسين، فدمه سيظل يتدفق في عروق المؤمنين والأحرار وأصحاب النفوس الأبية، وما ذاك إلا من مصاديق كلمة سيدة كربلاء، الحوراء زينب (عليها السلام): (فوالله لا تمحو ذكرنا).

وفي ذكرى عاشوراء، تتجدد الآمال وتتحفز الهمم لتغيير الحال إلى حال أحسن، فإن عاشوراء دعوة متجددة الى العمل على التغيير والإصلاح، لبناء حاضر كريم ومستقبل أكثر إيماناً وسلاماً وفضيلة وازدهاراً، لما يبثه هذا الشهر من قيم سامية وبيلة في نفوس الناس. يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده):

"ينبغي تعظيم شعائر سيد الشهداء (عليه السلام) بشكل أوعى وأحسن وأبهى وأجمل وأرقى"، وإن "حب الإمام الحسين يستتبع العمل الصالح، فينبغي توسيع دائرة الاستفادة من محرّم الحرام ومعنوياته الهائلة ومبادئه النبيلة وأهدافه السامية لخدمة الإنسانية، وتحقيق السلام والرفاه في العالم".

من رسالة عاشوراء

ويقول الإمام الشيرازي: من رسالة عاشوراء، إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة، وهذا هو ما كان يهدفه الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته وشهادته، وذلك لأن الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ونطق به قرآنه، وبلّغه رسوله (صلى الله عليه وآله)، وضحّى من أجله أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء، هو الدين الكامل، والقانون الشامل، الذي باستطاعته وفي كل عصر وزمان أن يسعد الإنسان، والمجتمع البشري، ويضمن له التقدم والرقي، والتطلع والازدهار.

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووصيّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، صوّرا أيام ولايتهما الظاهرية القليلة، عن الإسلام أفضل صورة من الحرية والاستشارية، وتطبيق العدالة وأداء الحقوق الفردية والاجتماعية.

ولكن لما نزا على كرسي الحكم بنو أمية، تشدّقوا بالإسلام، وهتفوا به ظاهراً، بينما قد اتخذوه مهجوراً في الواقع، وطبقوا أحكام الجاهلية، وحكموا بما يحلو لهم من نزعاتهم الرومية، فإن أصلهم رومي سبباً ونسباً، وفكراً ومعتقداً، وأحيوا كل ما أمكنهم مما أماته الإسلام، وأماتوا كل ما استطاعوا مما أحياه الإسلام، فارجعوا عاصمة الإسلام إلى الشام عاصمة الروم، وأعادوا الحكم إلى السلطنة والوراثة كما كان عليه الرومان، وغيّروا وبدّلوا، وعكسوا عن أعمالهم العدوانية التي كانوا يضفون عليها اسم الإسلام، صورة مشوّهة عن الإسلام، ووجهة مموهة منه، وذلك بغية طمسه وهجره، بحيث أنه لو لم يتدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، لمحوه من الوجود، ولاجتثّوه من الجذور، ولأكلوا عليه وشربوا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1