حسب العقد المبرم بين المواطن الفرد من جهة وبين الحكومة والسلطة من جهة اخرى، فإن هناك تنازلات معينة للفرد يتم الاتفاق عليها وفق ضوابط محددة سلفا، مقابل أن ينال الفرد مزايا معينة وتعهدات أساسية من الحكومة تحفظ كرامته وتحمي حياته وتوفر له الحماية التامة وشروط الحياة المتطورة والرفاهية، ومن بين أهم الحقوق التي يمبغي أن تحفظها الدولة والحكومة لمواطنيها هي الحقوق الثقافية، فهل هناك حقوق ثقافية موجودة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية؟.

وقبل ذلك ماذا نعني بالحقوق الثقافية؟، اننا نعرف الحقوق السياسية ومنها حقوق الحريات، واحترام الرأي، وحرية التعبير، وحيرة الانتخاب، كل هذه الحقوق المتفق عليها، ضمن العقد المبرم بين السلطة والمواطن معروفة ومتفق عليها، حيث تتوزع حقوق الانسان على ميادين متعددة، سياسية اجتماعية وفكرية وغيرها، حيث تعد الحقوق الثقافية من الامور الاساسية في حياة الانسان، وهي حالة شائعة يمكن ملاحظتها في معظم المجتمعات والدول التي تتميز بتداخل الثقافات وتنوعها، واعتماد المجتمع على جملة من القيم التي ينبغي أن تحميها السلطة، حيث تدخل من ضمنها الحقوق الثقافية التي ينبغي أن توفرها الحكومات لشعوبها.

واستنادا الى هذا الاتفاق المبرم بين السلطة والشعب، فإن من حق الفرد أن يطرح أفكاره بغض النظر عن الثقافة التي يؤمن بها أو ينتمي إليها، على أن لا ينطوي ذلك على مساس بحريات الآخرين وخياراتهم الثقافية، وللفرد أن ينشر ما يؤمن به بأية لغة يختارها، لاسيما اللغة الأم، كما تنص المادة خامسا من إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي التي تؤكد على أن الحقوق الثقافية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان التي هي حقوق عالمية ومتلازمة ومتكافلة. ويقتضي ازدهار التنوع المبدع الإعمال الكامل للحقوق الثقافية كما حُددت في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المادتين 13 و 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبناء على ذلك ينبغي أن يتمتع كل شخص بالقدرة على التعبير عن نفسه وإبداع أعماله ونشرها باللغة التي يختارها، وخاصة بلغته الأصلية.

فائدة مزدوجة للطرفين

ليس الفرد وحده سوف يحقق فائدة معينة في المجال الثقافي، بل في الغالب تكون الفائدة ذات تأثير مزدوج، يحقق الفائدة للطرفين الشعب والدولة، فعندما تسعى الحكومة الى تحقيق هذا الهدف، وتقوم بحماية الحقوق الثقافية للفرد، وتحميها وتطورها، انما تحقق بذلك جملة من الاهداف ذات التأثير المزدوج، فعندما يتم حماية الحقوق الثقافية للشعب، فالدولة سوف تكون ازاء مجتمع مثقف متطور واع.

ولهذا سوف تكون ادارتها للدولة افضل واكثر نجاحا مما لو كان الشعب اقل فهما وتطبيقا لحقوقه الثقافية، لذلك من الملاحظ أن التجمعات الاجتماعية المتنوعة في ثقافاتها، تتسم برؤى سليمة ومتنوعة من حيث أساليب التفكير وأنماط الحياة، فكلما تنوعت الثقافات في المجتمع الواحد، كلما أصبح أكثر قدرة على الابداع والتطور، وهنا يظهر دور الدولة ونظامها السياسي بجلاء، حيث الإسهام الفاعل في تعميق النهج الفكري الثقافي المتحرر بين الجميع، وفق ضوابط تأخذ مضامينها وتحديداتها من أصول الثقافات ومشتركاتها الكثيرة.

من هنا فإن مصلحة الدولة تكمن في حماية الحقوق الثقافية لمواطنيها، وليس المستفيد طرف واحد فقط، لذا تحرص الحكومات الديمقراطية على حماية الحقوق الثقافية للفرد، وتدعمها على نحو متواصل، وهذا ما أكده ايضا إعلان اليونسكو الذي سبق ذكره، كما نقرأ في النص التالي، لكل شخص الحق في تعليم وتدريب جيدين يحترمان هويته الثقافية احتراما كاملا. وينبغي أن يتمتع كل شخص بالقدرة على المشاركة في الحياة الثقافية التي يختارها وأن يمارس تقاليده الثقافية الخاصة، في الحدود التي يفرضها احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ان الدور الحكومي ينبغي أن يتضاعف في هذا المجال، وغالبا ما تكون الحصيلة شعب مثقف ومتطور، وهي نتيجة تصب في صالح الحكومة كما هو الحال بالنسبة للشعب، لذا ينبغي ان تقدم الدولة كل ما لديها من تسهيلات، وقدرات، تشجع فيها على معرفة الحقوق الثقافية وتطبيقها اذ ينبغي أن يتم التشجيع على تقارب الثقافات، فإن ذلك يؤكد حاجة العالم أجمع الى نشر القيم المشجعة للتنوع، ولن يتم ذلك من دون جهد كبير ومنظَّم على نحو جيد، تمثله جهود حكومات تربط بين التنمية والثقافة معا، فكلاهما يدعم الطرف الآخر، وينشر الوعي الفردي والجمعي في وقت واحد.

ومن الأفضل ان يكون هناك تعاونا عالميا في هذا المجال، أي عدم حصر الاهتمام بالحقوق الثقافية في مجال ضيق، او على نطاق دولة واحدة، وانما يجب أن يتم الشروع بهذا المجال على مستوى دول العالم أجمع، فالتنوع الثقافي ينبغي أن يكون منطلقا لمبادرات تصب في تعميق القيم الثقافية التي تقبل بالآخر ولا تلغيه، لذلك لابد أن تستحدث الدول مناسبات وفرصا لمد جسور الثقة ونشر ثقافة الحقوق بين عموم الناس.

ماهية الحقوق الثقافية

علما أن أي جهد في هذا المجال سوف يمثل فرصة من أجل تعميق مفهوم الفرد والشعب على نحو العموم كي يكون فاهما ومطلعا على ماهية الحقوق الثقافية وأهميتها كي نتعلم من ذلك يعلمنا كيف نعيش سوياً بشكل أفضل، لذلك ينبغي أن تستمر عموم المنظمات الحقوقية والثقافية لاداء دور مهم في زيادة وعي الناس للاطلاع على حقوقهم، وعلى مستوى مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، فانها تهتم بالحقوق بشكل عام عبر عدد من المركز البحثية ومنها مركز آدم الذي يهتم بقضايا الحقوق بكافة أنواعها.

فالأمر لا يتعلق بجهد الحكومة وحدها، ولا الجهد الفردي كي يكون مطلعا على ماهيو الحقوق الثقافية، على الرغم من اهمية ذلك، ولكن يبقى دور المنظمات المستقلة والمتخصصة له قصب السبق في تحقيق تطور عالمي في مجال فهم واستيعاب اهمية الحقوق الثقافية من قبل الطرفين، الدولة والمجتمع، لهذا السبب تدعو منظمة اليونسكو على نحو دائم ومستمر الى أهمية مضاعفة وعي الانسان بحقوقه الثقافية، وعدم السماح بالتجاوز عليها من الحكومة او سواها.

مع الحرص الدائم على زيادة الوعي الفردي والجمعي، بخصوص طبيعة العلاقة الماسة والضرورية بين الثقافة والتنمية وأهمية الدور الذي يجب أن تلعبه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في هذه العلاقة، وهذا الامر يتعلق بالدرجة الاولى بما تقدمه الحكومات من تسهيلات مادية ومعنوية، تساعد على حفظ الحقوق الثقافية للافراد والجماعات، مهما تعددت أو تنوعت، ولكن يبقى الدور المدني الفاعل في هذا المجال له الأهمية الكبرى في مجال مضاعفة وعي الناس والدفاع عن الحقوق الثقافية من الانتهاكات، لاسيما من لدن الانظمة السياسية المستبدة.

وفي الخلاصة ينبغي أن يكون هنالك عمل مبرمج لنشر ثقافة الحقوق، ومساعدة الناس عموما على فهمها واستيعابها، حتى تكون لديهم الرغبة في الدفاع عنها، فعندما يكون الانسان عارفا بمدى اهمية حقوقه الثقافية وما تقدمه له من مزايا، فإنه سوف يكون مستعدا للدفاع عنها، حتى لو دخل في حالة صراع مستمر مع الحكومة، وهذا بالضبط ما حدث بين الشعوب الواعية وبين حكومتها الفردية، لكن ارادة الشعب هي التي انتصرت في حمايتها لحقوقها الثقافية وصناعة الحياة الأفضل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0