"اعمل لدنيا كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".

الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام

ورد هذا الحديث في مصادر عدّة مروياً عن أمير المؤمنين، عليه السلام، بيد أن الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في كتابه؛ "فقه المستقبل" يستند الى مصادر حديث موثّقة بعائديته الى الامام الحسن، عليه السلام، وفي كل الاحوال، يؤكد لنا أهل البيت، عليهم السلام، مبكراً عن أهمية التفكير الواسع البعيد المدى خارج نطاق الحاضر، والحياة الآنية، وأن تكون العلاقة تكاملية ومتوازنة بين الحاضر والمستقبل.

و رغم أن الجميع؛ من مثقفين ومتعلمين، وحتى غير المتعلمين يقرون بأهمية التفكير بالمستقبل كونه نوعاً من الاستشعار الفطري بأهمية التنبؤ، أو التحسّب بما ستؤول اليه الأيام من ارتفاع الاسعار –مثلاً- أو احتمال فقدان فرصة العمل، أو التفكير بالذرية منذ الايام الاولى من الزواج، أو التحسّب لأزمات صحية كالتي اجتاحت العالم بعنوان "كوفيد19"، مع كل هذا نلاحظ الصدمات المتتالية بالمستقبل في الحال الحاضر، كما لو أننا لم نكن نفكر بشيء اسمه "المستقبل"، وإنما نعيش اللحظة الراهنة على طول الخط.

اين تكمن المشكلة في هذه الحالة الغريبة التي نعيشها، ونخصّ بالذكر بلادنا الاسلامية، وفي المقدمة؛ العراق، يستمرئ الازمات الواحدة تلو الاخرى، رغم شدتها وآثارها السيئة على الجميع؟

في بلادنا العديد من مراكز الابحاث والدراسات المعنية بالمستقبل يفترض أنها تستتشرف المستقبل وتقدم رؤى واحتمالات لما سيحصل على أسس علمية ومعطيات من الواقع، بيد أن المشكلة في عدم انعكاس هذا الجهد العلمي على واقع الشعوب المأزومة في كل شيء، و يعزو العاملون في هذا المجال السبب في تجاهل الحكومات لما يقدمونه من رؤى وتوقعات، او عدم الاعتماد عليها في رسم السياسات ووضع الخطط، علماً أن الحكومات عادة تعتمد مستشارين ضمن ملاكها الوظيفي، يفترض أنهم يقدمون رؤى و افكار في المجالات والتخصصات المختلفة، وربما يشترك الفريقان في المسؤولية عن فشل تلك الرؤى المستقبلية من الحد في ظهور الازمات والكوارث المفاجئة، وفي كتابه "فقه المستقبل" يشير سماحته الى ثلاث عوامل لها مدخلية في هذا الفشل:

الاول: عدم وجود أهداف كبيرة في الأفق لتتم على ضوئها صناعة المستقبل، "الاهداف الكبيرة تتجلى في حاجات المستقبل الواسعة، بينما تظهر الاهداف الصغيرة في حاجات الانسان المؤقتة"، فعندما يكون التفكير بالاوضاع الراهنة والانغماس في المشاكل المتشابكة في اسبابها وعواملها، تدفع المعنيين للتفكير في الطريقة للخلاص من تلكم المشاكل الآنية في وقتها، ثم تحقيق انجاز على المدى المنظور تحتفي به الناس، ولا أدلّ على هذا من إخفاقات التعليم في العراق –مثلاً- فبدلاً من التفكير الواسع في كيفية الارتقاء بمستوى التعليم بشكل عام (المدرسة والجامعة)، نلاحظ التخبط في كيفية إنهاء العام الدراسي المنكوب، وإيصال الطالب الى درجة النجاح بغض النظر عما تعلمه وحصل عليه، وربما يكون المبرر؛ (كوفيد19) بيد أن التفكير والتطلع الى آفاق المستقبل فيما يتعلق بالتعليم الالكتروني المعمول به في كثير من الدول المتقدمة والنامية كان من شأنه تجنّب الطلاب؛ صغاراً وكباراً الآثار الوخيمة التي واجهوهها بعد عام ونيف تقريباً على ذلك التاريخ، عندما تعطلت المدارس والجامعات، وتعذرت الدراسة الحضورية تحسباً للعدوى، ثم فرض التعليم الالكتروني بشكل صادم مسبباً مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية جديدة على العوائل العراقية المأزومة بالاساس من سوء الخدمات، وفي مقدمتها؛ الكهرباء وخدمة الانترنت.

الثاني: الانكفاء على الذات والانغلاق على الافكار الموروثة والقوالب الثابتة في الحياة، وهذا ما تجاوزه الغربيون منذ القرن التاسع عشر عندما غيروا قوالب التفكير المستقبلي "فتقدموا أشواطاً سريعة في الصناعة والزراعة والتقنية، بينما كانت الدول الاسلامية، كالعثمانية والقاجارية تعيش في سبات عميق".

الدولتان الكبيرتان كانتا تحكمان مساحة شاسعة من العالم، ولهما قدرات هائلة، وكان المعنيون في ايران وتركيا آنذاك يتصورون أن قوتهم العسكرية والاقتصادية تغنيهم عن التطلع الى ما يخبيه المستقبل لهم، وما تزال هذه العقلية سائدة في بعض الدول في المنطقة، فهي تعتقد أن المال كفيل بضمان مستقبل سعيد للنظام السياسي الحاكم، بينما الرؤية المستقبلية الدقيقة هي التي تضمن سلامة القدرات المادية والبشرية في الحال الحاضر من الضياع.

الثالث: الجهل بالحقائق، يؤدي الى رؤى غير صحيحة عن المستقبل، "فاللازم معرفة المستقبل بكل أبعاده وأجزاءه وجزئياته، فبدون المعرفة لا يستطيع الانسان أن يحسن التخطيط للمستقبل"، وهذه المعرفة تأتي بدراسة الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والانسانية بشكل دقيق، وعدم القفز على الحقائق او تجاهلها بأي ذريعة كانت، وإلا فان المصير لن يكون سوى سوق البلد والناس الى طريق مسدود يصطدمون بحقائق كانت غائبة عنهم، كما حصل في ايران عندما أصرّ القادة هناك على تحديد النسل منذ ثمانينات القرن الماضي، في وقت كان التعداد السكاني يبلغ حوالي 36مليون نسمة، وكانت ايران تُعد من الدولة الغنية بالنفط والغاز والمعادن والاراضي الزراعية الخصبة والموقع الاستراتيجي على الخليج، مع كل هذا كان النظام السياسي والمسؤولين المعنيين، يوصون بتحديد النسل بناءً على رؤية عدوها صحيحة بأن البلد متجه نحو زيادة سكانية تحول دون نجاح مشاريع التنمية الاقتصادية، ولكن؛ نتيجة هذه الرؤية المستقبلية أن أظهر نفس القادة الايرانيين اليوم، وبعد خمسة وثلاثين عاماً –جيل كامل- ندمهم على ذلك القرار بما يؤكد خطأ تلك الرؤية عندما بدأت الشيخوخة تكتسح ملامح المجتمع الايراني مع تراجع خطير ومقلق لنسبة الشباب بسبب قلّة المواليد، والنتيجة الأكثر خطورة؛ عزوف الغالبية العظمى من الشباب والشابات عن الزواج لصعوبة الوضع المعيشي والغلاء والتضخم الاقتصادي الفضيع، لاسيما في السنوات الاخيرة.

المسؤولون في ايران يعدون كل شيء مصدراً للثروة والقوة الاقتصادية من معادن ومزارع، وبحار وأنهار، وآبار نفط وغاز، ما عدا الشباب! في حين تنظر الدول المتطلعة الى النمو والتطور، الى شريحة الشباب كأهم مصدر للقوة والاقتدار، تحولهم الى جيوش من العلماء والباحثين والمبدعين، الى جانب تأمين المصانع والمعامل والمؤسسات الانتاجية والخدمية باليد العاملة المحلية بدلاً من الاعتماد على اليد العاملة المستوردة ومشاكلها في الاندماج واختلاف الثقافات وغيرها كثير.

هل المستقبل سياسيٌ فقط؟

الحكومات والانظمة السياسية تحثّ العلماء والخبراء على التطلع نحو المستقبل ذو البعد السياسي والتكهّن بالوضع الأمني والاجتماعي والاقتصادي المتعلق بالانتخابات و دوافع الناس نحو صناديق الاقتراع، و البحث في تصوراتهم وتقييمهم للحاكم، بينما تكون الرؤية المستقبلية معدومة فيما يتعلق بالتعليم والصحة والبيئة والتنمية الاقتصادية، وحتى السياسة الخارجية والعلاقات مع المحيط الاقليمي والدولي، في حين يفترض من التطلع نحو المستقبل أن يكون "في موقع تأثير رئيس على الحكومات"، يقول الامام الشيرازي.

إن الدول المتقدمة علمياً وصناعياً إنما حققت النجاح برؤاها وقراءتها المستقبلية للانسان والمجتمع، وما هو مستوى ذكائه؟ وكيف تنمو قدراته مع الزمن، وبأي مقدار؟ ثم احتساب الثروات والقدرات المادية مع القدرات البشرية، لذا نجد مخصصات وامتيازات المعلم في اليابان توازي مخصصات الوزير في الحكومة، كما نجد الاهتمام البالغ في التعليم في بلدان مثل المانيا التي تمكنت من خلال رؤيتها المستقبلية هذه لأن تعوّض معظم ما خسرته في الحرب العالمية الثانية، وتتحول الى إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

وفي أوج التقدم العلمي والتقني في الغرب كان العلماء يفكرون في مستقبل هذا التقدم، واحتمال تعرضه لعقبات في الطريق بسبب مشاكل العمال واستحقاقاتهم، من ضمان اجتماعي، و رواتب، ومخصصات، وتكاليف معيشية تثقل كاهل اصحاب المصانع والشركات التجارية، ففكروا في البديل للمستقبل وهو المكننة الشاملة للمصانع، وللشركات التجارية والمؤسسات العلمية والانتاجية والتعليمية تقديم جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) المدعوم فيما بعد بالشبكة العنكبوتية حول العالم ليصار الى الاستغناء التدريجي عن العامل البشري في الانتاج والعمل، حتى صناعة السيارات والطائرات، فضلا عن السلع الاستهلاكية، كلها باتت تنتج على يد الروبوت والاجهزة المبرمجة للعمل بدقة كاملة، وإن تسبب هذا في تفاقم مشكلة البطالة الموجودة اساساً في الدول الرأسمالية على مدى القرن الماضي.

إن التوازن والتنسيق بين مراكز أبحاث المستقبل بمختلف اختصاصاتها هو الحل في الحصول على رؤى متكاملة للمستقبل كما دعا الى هذه الفكرة الرائعة سماحة الامام الشيرازي "بضرورة تكاملية النظرة المستقبلية من مختلف الجهات، وبات بمقدور المستقبليين المختلفين ان يتصلوا بزملائهم في الحقول الأخرى، فكما أن الاقتصاد لا يستغني عن السياسة، والسياسة لا تستغني عن الاجتماع، هكذا في الحال الحاضر، كذلك الحال بالنسبة للمستقبل، فالاقتصاديون المستقبليون بحاجة الى الاجتماعيين المتسقبليين".

وهذا يعني انتاج رؤية دقيقة وشاملة للمستقبل بما يضمن سلامة المجتمع والأمة من أية مخاطر من أية جهة، وحماية الجميع من الاصطدام بمفاجآت المستقبل، فتصب أبحاث المستقبل في مصلحة جميع افراد المجتمع، ولن يكون التخطيط المستقبلي للانتاج السريع وقليل الكلفة على حساب الانسان (العامل) ليجد نفسه فجأة في الشارع بلا عمل ولا مورد مالي يغطي به نفقات أسرته، فأهل المصانع ضمنوا عدم توقف ارباحهم، بينما يفقد العامل قوت يومه.

اضف تعليق