في مرحلة معينة من (عمري الكتابي) عشتُ حالةً ليست خاصة بي كما أظن، أسميتها في حينها (الشحن القرائي)، وهي تتلخص بالتالي: حين أقرأ نصّاً أدبيا، قصيدة، قصة، أو رواية وأتفاعل مع أحداثها وأبطالها، وأخرجُ منها بحصيلة جيدة في جانبيّ الفائدة والمتعة، سرعان ما أهبُّ نحو الورقة والقلم لأكتب قصيدة أو قصة أو استهلال رواية، إذ كانت القراءة تمنحني شحنة مضاعفة للكتابة، وكنتُ في بعض الأحيان أجد تأثيرا لهذه الشخصية أو تلك في كتاباتي، كما حدث لي مع رواية (حبة قمح) للروائي الكيني (نغوغي وا ثيونغو).

من المؤكَّد أنكم ككتّاب عشتم هذه الحالة، أو مررتم بمثلها في مرحلة ما من رحلتكم مع الكتابة، ماذا يعني لكم هذا؟، هل هو تأثير القراءة ينعكس على مواهبكم، ويحثّكم على الكتابة الفورية، أم ماذا؟، أنا أظن أن القراءة لها تأثير ذو نوعين، الأول آني يدفع نحو كتابة نص فوري، والثاني مؤجّل إلى وقت لم يأتِ بعد.

هذا يعني أنّ فعل القراءة سوف يؤثر بنا، ويدفعنا للكتابة في جميع الأحوال، وهو أمر جرّبته وعايشتهُ بنفسي، فهل يعني ذلك أن القراءة هي التي تدفع إلى الكتابة وتصنع الكاتب، أم هنالك محفزّات وأدوات أخرى تشترك مع القراءة في صناعة الكاتب أو المؤلِّف؟

هناك من يقلل تأثير القراءة على الكتّاب، ويذهب هؤلاء إلى أسباب أخرى أهم، مثل نوع التجارب التي يعيشها الإنسان بنفسه، ويسعى لتحويلها إلى أفكار وصور وأحداث مكتوبة، فهل تكفي التجربة التي نعيشها، لكتابة رواية أو قصة أو أفكار معينة، أم هي القراءة التي تمنحنا أفكارا وأحداثا لم نعشها بأنفسنا؟

هناك من يجزم بأولوية دور القراءة في صناعة الكاتب، وآخر يرجّح كفة التجربة التي يعيشها الكاتب، ثم يحوّلها إلى نص سردي أو شعري أو حتى مسرحي، وهناك قسم ثالث يذهب إلى الجمع بين الاثنين في التأثير والصناعة، أي أنهم يقولون إن محصلة القراءة ومحصلة التجربة تمتزجان، لنستخلص منهما منجزاً أو مؤلَّفاً كتابياً.

إذا كانت الكتابة تعتمد على القراءة أو التجربة أو كليهما، فما هو دور الموهبة والمؤهلات الأخرى، ثم أين هو دور الدافع للكتابة والقراءة، بمعنى لماذا تكتب، ولماذا تقرأ؟؟

في الإجابة عن الأسئلة المطروحة أقول، إن الموهبة ومؤهلات الإنسان الأخرى، تقف في الصدارة من بين المحفزات والأدوات الأخرى، فإن حضرت القراءة والتجربة وغابت الموهبة، هل يمكن إنتاج منجز إبداعي مهم؟، بالطبع هذا محال، وإذا عكسنا السؤال وقلنا، إن حضرت الموهبة وغابت القراءة والتجربة، فما هي النتيجة؟، إنها مشابهة للجواب الأول أعلاه.

في كل الأحول نحن نحتاج لإكمال المنجز الكتابي النافر، إلى (الثلاث)، الموهبة، القراءة، التجربة، وهذا أمر مفروغ منه، وغياب أحد الثلاثة يعني إخراج منجز أدبي ناقص، فغياب القراءة يعني غياب الأفكار المهمة التي هي مزيج من الفكر الذاتي للكاتب، ومن حصيلة الأفكار التي اكتسبها من الفعل القرائي.

أما غياب التجربة في كتابة النص الأدبي، فيعني أننا سوف نكون أمام نص خامل، أو ساذج، أو بارد، كل هذه الصفات وسواها، يمكن أن تقف وراء النص المكتوب بلا تجربة، وحين نأتي إلى غياب أو فقدان الكاتب للموهبة، فإننا سوف نكون أمام كلمات جامدة، خالية من الأفكار ومن سخون النص وفاعليته وتأثيره، بمعنى أن الموهبة هي الجامع المشترك بين القراءة والتجربة!!

إذاً سوف نستنج من ذلك، أن غياب الأفكار عن الرواية أو القصة، يعني فشلا لها، ولابد أن يطرح الكاتب سؤالا على نفسه، قبل أن يباشر بكتابة نصه، ما هي الأفكار الجديدة المتميزة التي سوف تقدمها للقارئ في هذه الرواية أو هذه القصة، أليس هذا السؤال يحمل أهميته الكبيرة؟ أم أن الكاتب يريد أن يكتب لمجرد الكتابة، أو لكي يُمنَح صفة أو تسمية كاتب؟؟

في حوار معي أجرته ثقافية جريدة الزوراء، طَرح المحاوِر الأستاذ أحمد الجنديل سؤالا ذكيّاً جاء فيه: يُقال هناك (روائي) وهناك (كاتب رواية)، كيف تنظر إلى هذا القول؟

فأجبته بالتالي: هذا سؤال مهم، أدخلني في دوّامة من التفكير المركَّز، والأسئلة من هذا النوع قد تكون نادرة، الروائي عنوان كبير له اشتراطات كبيرة، ولا يصح بل لا يجوز أن تُطلَق تسمية أو عنوان روائي على كاتب، إذا لم يكن مستحِقّا لهذا الشرف الإبداعي الكبير، أما كاتب الرواية فبإمكان أي اسم كانْ أن يسرد ما يود سرده وبأية طريقة كانت، ويدفع بهذا المسرود العادي إلى إحدى المطابع التي لا يهمّها سوى كسب المال، ويضع اسمه على الغلاف كي يقول لنفسه بأنه كاتب رواية، لذا فإن تسمية الروائي لها استحقاقات لا يمكن أن يصل إليها كاتب الرواية!، وأعني بذلك جديّة الأفكار التي تطرحها هذه الرواية أو تلك.

بمعنى أن الفيصل أو المعيار (من بين معايير أخرى) الذي تُقاس وفقاً له جودة الرواية أو رداءتها، ماهيّة الأفكار التي تطرحها، فالنص الأدبي بلا أفكار كالطعام بلا نكهة، تأكله ولا تستمتع به، كذلك قراءة النص الأدبي الخالي من الفكر، كأنك تقرأ ولا تستلذ ولا تستفيد ولا تستمتع، لأن الأفكار أو (نكهة النص، الرواية، القصة) تغيب، وبغيابها تغدو القراءة لا معنى لها لأنها بلا أفكار.

هناك من يعترض على مفردة الأفكار في النص الإبداعي، ويرى أنه غير ملزَم بذلك، لأنه لا يكتب مقالا علمياً، بل هو أمام فن روائي محكوم بجماليات ترقى فوق الأفكار، فأجيب هنا بأن الأعمال الروائية العظيمة هي تلك التي سرّبت الأفكار النادرة في قوالب فنية متفرّدة، كما في رواية (الشيخ والبحر) التي فازت بجوائز كثيرة أهمها جائزة نوبل، وهي للكاتب أرنست همنغواي، التي تنتهي إلى فكرة عميقة تقول (يمكن أن يُهزم الإنسان لكنهُ لا يُقهر).

اضف تعليق