لازلتُ أتذكّر كلمات التحذير المخيفة التي أطلقتها أمي بوجه أختي حين طلبت الأخيرة الطلاق من زوجها الكسول الذي لا يحب العمل ولا يعبأ بمسؤولية البيت، قالت لها أمي بالحرف الواحد: (امرأة بلا رجل لا تساوي شيئاً)، وقد رأيت بعيني ذلك الخوف من المصير المجهول الذي اشتعل في عينيّ أختي، وبان في ارتجاف جسدها، وتراجعها الفوري عن طلبها.

في مجتمعاتنا الشرقية معظم الناس تظن أن المرأة بلا رجل لا قيمة لحياتها، وهذا الكلام يتحدث به الرجال والنساء أيضا، فحتى المرأة تقول عن نفسها أنها صفر على الشمال من دون رجل، ولم أسمع طيلة حياتي بالعكس، أي أنني لم أسمع يوما أحدهم يقول (الرجل من دون المرأة لا يساوي شيئا)، مع أنها حقيقة لمستها بنفسي ووجدتها في واقعنا الاجتماعي.

في سوق الخضار القريب من منطقتنا السكنية، هنالك الكثير من الباعة، من بينهم نساء، كنتُ أتردد على هذا السوق بشكل يومي تقريبا، أتسوَّق ما تحتاجه العائلة بحسب توصيات وطلبات زوجتي، هناك رجل كهل (عرفت فيما بعد بأنه بلا امرأة) كان يبيع معظم أنواع الفواكه ويُكثر من الموز، معه طفل شاحب الوجه رثّ الملابس يساعده في البيع، كان الرجل يضع بضاعته على طاولة من الخشب، ويفتح سماعة مكبرة للصوت تعلن عن أسعار الفواكه في رتابة وسأم تلحقه بجميع المشترين.

بالقرب من بائع الفواكه هذا، توجد امرأة أرملة تعرض للناس بضاعتها المتكونة من الفجل والكرفس والمعدنوس والكرّاث والنعناع والريحان وغيره دون مكبرة صوت، ومعها طفل لم يبلغ العاشرة بعد، يساعدها في بعض الأمور البسيطة، ومما لاحظته أن بائعة الخضرة كانت أكثر تنظيما ونظافة وشطارة من الرجل، فبضاعتها نظيفة نضرة ومكان البيع نظيف منظّم، وهندامها لا ينمّ عن امرأة جاهلة، والأكثر من ذلك طفلها، فقد كان غاية في الجمال والنظافة.

الفارق كبير بين بائعة الخضرة وبائع الفواكه في كل شيء، بدءاً من ترتيب محل البيع، ونظافة المعروض، وأسلوب التعامل، وليس انتهاءً بالصدق مع المشترين، ونتيجة لزياراتي المتكررة لهذا السوق وارتيادي له منذ سنوات، ربطتني علاقة أخوية طيبة مع بائعة الخضرة، ثم مع بائع الفواكه أيضا بعد أن غشَّني في إحدى المرات وكرّر غشه لي.

فقد طلبتْ مني زوجتي أن أجلب الموز مع اللوازم الأخرى، فأتيت إلى البائع الكهل غير المنظَّم، وطلبت منه 2 كيلو من الموز، ثم ذهبت إلى بائعة الخضرة واشتريت منها ما نحتاجه، ثم عدت إلى بائع الموز وسلمتهُ المبلغ المطلوب، حملتُ المواد وتوجّهتُ إلى البيت، حين وصلت دخلتُ مباشرة إلى المطبخ، ووضعت المشتريات على الطاولة، هرعت زوجتي كعادتها إلى أكياس النايلون وبدأت تتفحص المشتريات كي تتأكد من جودتها.

ظهرت بوادر السرور عليها وهي تقلِّب باقات الخضرة النظيفة اللامعة، وحين فتحت كيس الموز، صرخت بصوت مقهور (لقد غشَّك بائع الموز)، وأخرجتْ عددا من ثمرات الموز الفاسدة التي بدتْ سوداء تبعث برائحة مزعجة، اعتذرتُ لزوجتي وأخبرتها بأنني وثقتُ بالبائع ولم أتفحّص الموز من بعده.

في اليوم التالي دخلتُ السوق وذهبت مباشرة إلى بائع الموز وطلبت منه (2) كيلو وتركته ذاهبا كعادتي إلى بائعة الخضرة، فرأيتُ طفلها الجميل بتسريحته الرائعة كأنه مستعد للذهاب إلى المدرسة، كنتُ غالبا ألاطفهُ فأزلتُ الحواجز بيننا، حتى أمه كانت عفوية تماما، فربطت بيننا علاقة أخوية صادقة، حين عدتُ إلى بائع الموز سلّمني كيس النايلون مغلقاً، فطلبتُ منه أن يفتح الكيس، تساءل باستغراب: لماذا؟

فتحتهُ بنفسي وتفحصتُ ثمرات الموز واحدة بعد أخرى، واكتشفت أنه غشني مرة أخرى، فغضبتُ عليه وعاتبته بشدة، وسألتهُ بصورة مباشرة، لماذا تغش الآخرين، هذا رزقكَ ورزق أطفالك لا يجوز أن تغش فيه أحداً، فأجابني بصوت مخذول:

- ماذا أفعل التاجر هو الذي يغشني؟؟

قلت له:

- إذا غشك التاجر تعالج ذلك بغش الناس؟؟

ثم أشرتُ له نحو بائعة الخضرة وقلتُ له بصريح العبارة (عليك أن تتعلَّم من هذه المرأة)، وحين سألني (ماذا أتعلّمُ منها)، فقلتُ له: (تعلَّمْ منها كلّ شيء)....

بعد أسابيع من التخطيط، وبسعي متواصل مني، أقنعتُ بائعة الخضرة الأرملة بالزواج من بائع الموز، في البداية رفضتْ بقوة، وأكدت لي من دون تردّد إنه (غير مرتَّب)، لكنني واصلتُ سعيي بعد أن عرفتُ سريرة الرجل بائع الفواكه، فهو في حقيقتهِ رجل طيب ويحب الخير للجميع.

بعد شهرين تمّ زواجهما، وانتقلا إلى دكان أكبر في السوق، وصار رزقهما واحداً، وبقيتُ أتردّد عليهما كلّما سنحت لي الفرصة، لكن الأمر الذي أذهلني أن ذلك الرجل الفوضوي غير المنظّم والغشّاش، قد تحوّل إلى شخص آخر تماما، فقد تغيّر شكله وملبسه وأسلوب تعامله مع الناس، وصار يشبه كثيرا زوجته بائعة الخضرة.

لقد كانت تنقصه المرأة، فالرجل بلا امرأة معرَّض للضياع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12