جمعني حوار بصديق غنيّ ومرفَّه، سألته عن كيفية جمعه لثروته وهل كان أبوه غني ويقف وراء هذه الثروة؟

تبسَّم صديقي وقال:

- على العكس من ذلك، فأنا جئتُ للدنيا في عائلة فقيرة، بالكاد تحصل على قوت يومها، أبي كان يعمل في إحدى دوائر الدولة وكان راتبه أقل مما تحتاجه العائلة.

قلتُ له:

- لكن ثروتك كبيرة، مع أنك تمنح مساعدات أسبوعية وشهرية لأيتام وعائلات متعففة، كيف أمكنك جمع وإدامة هذه الثروة؟

أطرقَ صديقي برأسه، ثم رفع بصره إلى الأعلى وأطلقه بعيداً في الأفق كأنه يحاول استرجاع ذكريات بعيدة ثم نظر في وجهي وقال:

- أول سبب لجمع الثروة، ولنجاح الإنسان ماديا ومعنويا هو (الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين)، وأكاد أجزم أنني لو لا هذا السبب لما استطعت أن أجمع دينارا واحدا من المال الحلال.

قلتُ له باستغراب:

- الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين هو الذي جمع لك كل هذه الثروة؟!

فأجاب:

- نعم هذا هو السبب الأهم، فحين تتعلم تحمّل المسؤولية وتقف إلى جانب الحق، سوف تكون قادرا على النجاح في كل المجالات، وأضاف قائلا:

سوف أقصّ عليك هذه الحكاية التي حدثت في طفولتي لكي تعرف مدى تأثير تحمل المسؤولية في دفع الناس نحو نجاح.. ثم واصل كلامه:

ذات ظهيرة وحين عدتُ من المدرسة المتوسطة، تسرَّبت إليّ أخبار مقتضبة عن نيّة أبي بالزواج من امرأة ثانية، صدمتني هذه الأخبار ودختُ بها رغم صغر سنّي (12 سنة)، لم أعرف ماذا أفعل في حينها، بدت لي أمي حزينة مكسورة الجناح، ولا أحد يمكن أن يساعدها في هذا الموقف الصعب، فأنا أكبر أولادها، ولا أمتلك حيلة للوقوف إلى جنبها، فقد كان أبي صارما وإذا وضع شيئا في رأسه لا أحد يستطيع منعه عن تنفيذه، وفي غمرة الحزن الذي أصاب العائلة كلها اتخذتُ قراراً أكبر من عمري وأكبر من قدرتي على تنفيذه، لكنني حسمت الأمر وقررتُ تنفيذهُ، (إنني سأترك بيت أبي إلى الأبد، وأعتمد على نفسي، طالما أنه تخلى عن أمي).

خرجتُ من البيت دون أن أحمل أي شيء معي، حتى هوية الأحوال المدنية (الجنسية)، لم أأخذها معي كأنني لا أريد شيئا من أب لا يفكر إلا بنفسه، في عصر ذلك اليوم وصلتُ مركز المدينة، قطعتُ مسافة طويلة مشيا على الأقدام، تجولتُ في شوارع مركز المدينة، لففتُ على دكاكينها ومطاعمها بحثا عن عمل، وكان أرباب العمل حين ينظرون إلى بنْيَتي الهزيلة يرفضون تشغيلي ويسخرون مني، إلى أن قادتني قدماي إلى مطعم صغير لبيع الكباب، صاحبه رجل أشيب وتبدو عليه الطيبة التي كانت تتدفقُ من عينية ومن كلماته الرقيقة، طلبتُ منه العمل معه في المطعم، فسألني هل لديك خبرة سابقة، أجبتُه بأنني سأحصل على رضاه والتجربة هي البرهان، وافق لكنه طلب مني هويتي الشخصية (الجنسية)، فأخبرته إنني لا أحملها معي، فرفض تشغيلي، لكنني لم أيأس، رجوتهُ كثيرا وأخبرته إنني بحاجة إلى هذا العمل لأنّ الشوارع سوف تكون مسكني، وافق الرجل لكنه طالبني بجلب الجنسية في أقرب فرصة.

أخبرني صاحب المطعم بالمجيء غدا مع صلاة الفجر، بدأ الغروب وظلمته المتدرجة تغزو المدينة، لم أكن في حينها أعرف إلى أين أذهب، وكيف سأقضي ساعات الليل الباردة، خطر في بالي العودة إلى البيت والمبيت فيه وجلب الجنسية والعودة فجرا للمطعم، لكنني رفضت هذه الفكرة واعتبرتها ضعفا مني، وأنها سوف تشجّع أبي على الزواج من امرأة غير أمي، بقيتُ أتجول في المدينة، كان الجوع كافرا بحق، والبرد حاصر جسدي الهزيل، لجأتُ إلى أحد المساجد، كان مغلقاً، اقترب الوقت من منتصف الليل، جلست عند باب المسجد، ورحتُ أتلفت يمينا وشمالا، بعض المارة كانوا ينظرون لي ويواصلون السير، قلّة منهم سألوني إذا كنت بحاجة لشيء، كنتُ أجيبهم بأنني بانتظار أبي، وكنتُ فعلا أتمنى أن يفكر بي أبي ويأتيني إلى هنا ويأخذني للبيت ويكفُّ عن فكرته الأنانية بالزواج من امرأة ثانية.

نمتُ عند باب المسجد بلا غطاء، عند الفجر كنت واقفا عند باب المطعم المغلق، جاء صاحب المطعم الذي فوجئ بي، وقال لي يبدو انك ملتزم جدا، أنا أحتاج لمثلك، وبدأ العمل في المطعم حتى ساعة متأخرة من النهار، وهكذا مضت ثلاثة أيام من العمل المضني حين فاجأني أبي صحبة عمي وأخي، فأخذني إلى صدره وهو يبكي ويقسم بأنه لن يتزوج من امرأة غير أمي.

أضاف صديقي قائلا: ذلك الموقف جعلني لن أقف مكتوف الأيدي أمام الظلم، وأعتمد على نفسي، وأشعر بالمسؤولية تجاه الجميع، وهذا الحرص على المسؤولية شجعني كي أسعى للعمل الشريف الذي يكافئني بأموال حلال أستحقها، وكنتُ في كل موقف أشعر فيه بالآخرين وأدافع عن حقوقهم وأساعدهم، يساعدني الله وأتقدم إلى أمام في عملي وأكسب احترام الناس.

أثنيتُ على صديقي كثيرا، وآمنتُ معه بقوة أن الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، هو الطريق لحياة ناجحة متفوقة معنوياً وماديا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

17