المكان: ساحة التحرير

الوقت: بعد ظهيرة الجمعة

مكانٌ أثيرٌ على النفوس، حجَّت إليه جماهير المنتفضين من كل أرجاء البلاد، صبغته شبابية، عيون ترنو بعيون الأمل إلى الحرية والعتق من شلّة الفساد، القلوب عامرة بالإيمان والإصرار والانتظار لنبأ سوف يكون أول ثمرة لتضحيات الشباب.

العيون ترنو إلى السماء، حمائم بيضاء تحلّق عاليا، قلوب تخفق برهبة وتنتظر ما يزيح عنها أحزان شهداء الناصرية والنجف وكل شهداء ثورة تشرين على طغيان السلطة، الشباب قلوبهم تخفق بتوجس، تتقاذفهم أمواج من الخوف والترقّب، تدور بينهم حوارات صامتة، وأخرى بأصوات عالية مبحوحة من كثرة الصراخ على مدى أسابيع متواصلة من المطالبات، بالعدل والإنصاف وإحقاق الحق والكّف عن هدر الموارد البشرية والطبيعية للعراق.

شابّان بلغا سقف الثلاثين من عمريهما، يتقابلان في جلسة تحت سماء صافية وأرض تغلي من تحتهما:

الأول: هل سمعت خطاب المرجعية قبل ساعة من الآن؟

الثاني: طبعا سمعتها.

الأول: أظن أنها كالعادة لا تشير إلى الخطوات المطلوبة مباشرة؟

الثاني: بالعكس كل خطابات المرجعية لا تحتاج إلى تفاسير لأنها واضحة.

الأول: ولكن هناك من يفسرها بغير ما تذهب إليه، أليس كذلك؟

الثاني: أظنّك تعني أصحاب السلطة والمصالح غير المشروعة؟

الأول: وهل هناك غيرهم، إنهم يفسرون الكلام مثلما يشتهون وبما يتماشى مع ما يريدون.

الثاني: لذلك أتمنى أن تكون الخطب المرجعية غير قابلة للتأويل والتفسير وتذهب إلى ما مطلوب مباشرة.

الأول: لكنَّ المرجعية لن توجّه أوامر ملزمة، هذا ليس هدفها ولا نهجها، هي تعلمنا حرية الرأي والعقلانية، فكيف تريدها تأمر بتحقيق ما تراه، إنّ من يؤمن بالمرجعية حقاً سيعرف فورا ما المطلوب منه، أما الحاكم الظالم أو أصحاب السلطة والمصالح الزائفة، فإنهم يتحايلون ويراوغون ويسوّفون كلّ شيء حتى تبقى مصالحهم قائمة على حساب الناس.

الثاني: أنا لا أختلف معك، كلانا نؤمن بأن المرجعية تقول رأيها، وتنصح، ولا تلزم أحدا بما ترتئي، لكنّها تعوّل على حقيقة ما في قلوب الناس، وهل يؤمنون بها أم لا، حتى أصحاب السلطة مشمولون بهذا الأمر، فالمرجعية لا تلزم أصحاب السلطة باتخاذ إجراء محدّد، لكنها لا تسكت عن الانتهاكات والأخطاء، فتشير إليها بوضوح وتنبّه عليها، ليس هذا فحسب بل إنها تقترح الحلول وتحث على الذهاب إليها، ولكن كما تعرف، هناك ممّن يُمسك بالسلطة والقوة والنفوذ والمال، لا يريد أن يتخلى عنها لأنه ذاق حلوها ولا يريد يتذوّق مرّها.

الأول: وهل هناك شيء مرّ في السلطة؟؟

الثاني: لا توجد سلطة إلا وتحمل معها مرارتها، وقد تكون قاتلة!

الأول: ما أراه في أصحاب السلطة أنهم يتنعّمون بالأموال والقوة، فأين المرارة في ذلك؟

الثاني: المرارة تبدأ وتنمو وتتّسع عندما تنزلق السلطة من علياء العدل والإنصاف إلى منحدر الظلم والتعسّف والغدر.

الأول: وكيف أو لماذا تنحدر السلطة من عليائها إلى المنحدر أو إلى الحضيض؟

الثاني: بوادر الانحدار تبدأ بـ (الحاكم الفرد) وتفرّده واختصار الصلاحيات كلها في شخصهِ، واعتناقه (السلطة) كدين ومبدأ وحياة، لكنه سيقول شيئا ويفعل نقيضه، يَعِدُ الناس بالمساواة ولا يعمل بها، يدّعي بأنه (عادل) ولا ولن يعدل، نفسه تلعب به كما تلعب الريح بريشة، يأخذه هواه إلى ما يرغب، لا يردعه حرام، ولا يوقفه دم، لا يخيفهُ ظلم، هنا تبدأ عملية الانحدار وتتسارع لتصل به قاع الحضيض!.

الأول: وهذا ما تحدّثت به المرجعية وحذرت منه، ودعت أصحاب السلطة مرارا وتكرار إلى التنبّه، لكن هذه الدعوات لم تُطرَح بصيغة أمر، ولم يتم توجيهها لشخص بعينه واسمه.

الثاني: كما أخبرتك المرجعية كما علّمتنا وعودتنا، بأنها لا توجّه أوامر، بل خيارات ونصائح، وتترك لنا اتخاذ ما يفيدنا ويناسبنا كي نعمل به.

الأول: وما الهدف من ذلك، لما لا تذكر الأشخاص بأسمائهم، وتوجّه لهم أوامرها مباشرة؟

الثاني: المرجعية تريد أن تعلمنا أسلوب الاختيار وليس الأمر، تريد أن تزرع فينا ثقافة حرية الاختيار.

الأول: حتى في أشد التعقيدات والظروف الحرجة، يبقى أسلوب المرجعية طرح الخيارات؟؟

الثاني: نعم، المرجعية ترفض التسلّط وترفض لغة الأوامر، لكنها تمنحك طريقا واضحا وسالكا، ويمكنك أن تسير فيه إذا أردتَ صالحكَ وصالح من معك، ولك أن تسير في طريق آخر، المرجعية لا تمنعك لكنها تنصحكَ وتحذّرك، وعليك أنت مسؤولية الاختيار.

الأول: وهل يفهم الناس هذا الأسلوب المرجعي؟

الثاني: من يؤمن سيفهم سريعاً، ومن لا يؤمن لا يريد أن يفهم ويذهب إلى التفسيرات المتناقضة والتبريرات التي تغلق بصره وبصيرته عن الطريق الصحيح.

عند هذه النقطة، انتهى هذا الحوار بعد أن ضجّت ساحة التحرير بصراخ وهدير عالٍ متواصل، وانتشرت كالنار في الهشيم أنباء عن حصادِ أول لرحلة الجماهير المعتصمة في ساحة التحرير، والقادم أفضل، فيما يؤكد الجميع أن حفظ العراق هو الهدف الأول والأخير....

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4