الشخصية المتسرعة، من أكثر الشخصيات التي تخطئ في تقدير الأحداث ومعرفتها، وهي غالبا من ما تعطي الأمور والنتائج أكبر من حجمها بكثير، والتسرّع في تقدير المواقف والنتائج، مشكلة يعاني منها من لا يحمل أخاه (على سبعين محملاً)، ويظن به السوء مسبقاً.

هناك صديق لي أستطيع أن أصف شخصيته بهذا الوصف، أي أنه من النوع المتسرّع والشكاك، وهو من نوع الرجال الذين يتوقعون السوء من الآخرين دائما، وكثيرا ما حضرت بعض المواقف المتسرعة له، فهو يتهم الآخرين بلا مقدمات، وينعتهم بصفات لا يستحقونها، منهم من يردّ الصاع بالصاعين وتحدث مشادّة قد تصل إلى مستوى خطير، ومنهم من يهضم المشكلة ويتعامل معها بهدوء، فيمتص غضب هذا الصديق ويجعله يندم ندما كبيرا عندما يكتشف إنه على خطأ، وإنه ألصق التهم الباطلة بالآخرين.

ما هو علاج مشكلة صديقي صاحب الشخصية المتسرعة، التسرع هو طبع قد يصعب التخلص منه، ولكن كيف نتعامل معه، أوى أن علاج المواقف المتشنجة مقابلتها بالكلمة الطيبة، فهي السحر العجيب الذي يُبطل موجات الغضب العارم الذي يصدر من أي إنسان، أما إذا قابلنا الغضب المتسرّع بغضب يتساوى معه بالحجم والسرعة، فسنكون أمام معركة ومشكلة قد تتطور إلى نتائج تحرق بنيرانها الأخضر واليابس!.

لذلك هناك سحر غريب للكلمة الطيبة، خصوصا إذا اقترنت مع الابتسامة النابعة من القلب.. أقول هذا الكلام لأنني استمعت لوقائع حادثة جديدة حصلت مع صديقي الذي يتسرع دائما باتهام الآخرين بالإساءة له.. وقد حكى لي الحادثة بالتفصيل...

قال لي صديقي ذي الشخصية المتسرعة:

كان هناك احد الأشخاص قد أساء لي كثيرا، وكانت عندي قدرة كافية لتحطيمه، فقد وصلتني أخبار كثيرة وخطيرة تقول بأنه يسيء لشخصي وينشر إساءاته العديدة على الجميع دون تفكير بعواقب ما يفعله ضدي، ومع كل خبر جديد يصلني عبر آخرين وشاة، كان حقدي يزداد عليه أضعافا، وكنت أراقب الأمر من بعيد لبعيد، ودمي يفور في شراييني امتعاضا وقهرا من إساءات ذلك الشخص لي، وعندما كان يسألني أحدهم، لماذا لا ترد إساءة فلان، أهمل الأمر وكأنّه لا يهمني إطلاقا، لكنني أثور كالبركان من الداخل وغضبي يتراكم عليه حتى أنني أخطط كثيرا مع نفسي بكيفية القضاء عليه....

هكذا بدأت الكراهية تنمو في أعماقي على ذلك الشخص حتى أصبحت جبلا من الغضب المسعور، حتى أنني في بعض الأحيان أشعر أن نيران غضبي عليه تكاد تحرق قلبي، وأخيرا نفذ صبري تماما، ولم يخطر في بالي أن أفاتح أحدا مكن أخوتي بالأمر، ولم أشاور أحدا فيه، وقد قررت لوحدي أن أبحث عن ذلك الشخص الذي يسيء لي كي أضع حداً لإساءاتهِ، حتى لو تطلب الأمر أن أحطمهُ بشكل تام أنا قادرٌ على ذلك، وقد خططت لهذا فعلا، بسبب ما كان ينقله لي الوشاة عن ذلك الشخص وما يتقوّل به عني بسوء لا يمكن احتماله....

بحثت عن الشخص أياما وأسابيع، درتُ في الشوارع والساحات، وسألت عن الأماكن التي يتواجد فيها، حتى عثرت عليه جالسا في مقهى شعبي، مشغولاً بسيل من الأحاديث المتلاحقة، حتى أنني كنت أرى لسانه من بعيد وهو يتحرك كثيرا في جميع الاتجاهات لكن بسبب ضجيج الجالسين في المقهى، لم أكن أسمع صوته المتواصل وهو يقص على الجالسين حكايات وأحداث كلها كذب في كذب هكذا توقعتها بيني وبين نفسي، مما زاد من حقدي وغضبي عليه، وقد تخيّلتُ وتوقعتُ بأنّ جميع ما كان يتفوّه به هو عبارة عن كلام يتعلق بي ويسيء إليّ!.

حينما وصلتُ إلى المكان الذي يجلس فيه، ألقيتُ تحيتي على الجميع ومن بينهم الشخص المسيء لي، صمت الجميع فجأة وهبّوا للقائي وحيوني وطالسوني يداً بيد، إلّا ذلك الشخص الذي كنت أظن به سوءاً، فقد انتظر أن ينتهي الجميع من استقبالي، لينهض أخيرا من مكانه فاتحا ذراعيه لي مع ابتسامةٍ لن أنساها ما حييت، وكلمة حبٍ وتقديرٍ لا يزال وقع حروفها يرنّ في سمعي إلى الآن............

خرجت كلماته الطيبة كأنها ماء بارد أطفأ نيران غضبي وحقدي عليه، ومنذ ذلك اللقاء الوحيد بيني وبين الرجل، لم أعد أعاني من خيالي وتصوراته الكثيرة، ولا من أولئك الوشاة الذين يجيدون نقل الأخبار والتقوّلات الكاذبة، ويتفننون في وضع الحطب على النار دائما وأبدا....

خرجتُ من المقهى وأنا أحتفظ في ذاكرتي تلك الكلمات الطيبة للرجل الذي امتص غضبي وكل تصوّراتي الخاطئة، وحفرَ ابتسامته في ذاكرتي وقلبي إلى الأبد، وجعلني لا أفكر لحظة واحدة بأنه يمكنُ أن يسيء لي أو لغيري!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0