يدور جدل دائم حول سؤال يتكرر دائما (منْ يصنع شخصية الإنسان؟)، كتب علماء الاجتماع كثيرا من الدراسات والمقالات والبحوث، وألَّفوا كتباً كثيرة في هذا المجال، منهم من أصاب، ومنهم منْ أخطأ، ومنهم من جمع بين الصحيح والخاطئ، رؤيةً وتحليلا.

ما يهمني من إثارة هذا السؤال مجدَّدا، هو دور الإنسان نفسه في صناعة شخصيته، وما مدى أو حجم هذا الدور، في الحقيقة أنا شخصيا مؤمن بأنّ الإنسان هو الذي يصنع شخصيته بالطريقة التي يخطط لها أو يحلم بها ويسعى إليها، وما تبقّى من عوامل فهي تساعده على بناء شخصية متميزة مبدعة ملتزمة منتِجة، أو يكون دور هذه العوامل عكسيّا، فتمنعه من بناء شخصية صالحة أو ناجحة، بحسب الأسرة والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

لي صديق ألتقي به كثيرا، إنهُ الصديق رقم 1، أو صديق العمْر، يمتلك عقلية متوقدة، وخيارات عديدة في التفكير، سألته السؤال العتيد (من يصنع شخصية الإنسان؟)، لم يُجبْ بشكل مباشر أو مقتضب، ولم يذهب إلى الحسم بكلمة نعم أو كلا، فقبل أن يجيب حكى لي قصة حدثت معه في أحد الأعياد الماضية.

بدأ يحكي لي حكايتهُ التي تقول:

كنتُ أتابع فلما عربيا في مقهى (أبو ياسين) بحي رمضان، في جيبي عشرة فلوس فقط، تكفي لتسديد الشاي الذي شربته مقابل الجلوس في المقهى، الدنيا ليل وغداً يوم عيد، وأنا لا أمتلك سوى هذه (العشرة فلوس)، فكرتُ أنني لن ادفعها لأبي ياسين القهوجي، حتى أستطيع غداً أركب الأرجوحة المنصوبة بين نخلتين شاهقتين في منطقة يكثر فيها النخيل وتحلو فيها الأعياد وتتصاعد في الأراجيح، ثم حلمتُ أنَّ جيبي يغصُّ بالفلوس فجأة، فكرتُ أن أشتري ملابس جديدة، وحذاءً لمّاعا، سأنثر الدراهم على أخوتي وأخواتي، سأركب في العربات التي تقودها الحمير أو الخيول أحيانا، سوف أطلق العنان لصوتي مع الأطفال في أول أيام العيد نردّدُ أهازيج الفرح، فجأة رأيت عين (أبو ياسين) تراقبني، تأكَّدتُ من وجود العشرة فلوس في راحة يدي، قبضتُ عليها بقوة، وتركتُ المقهى هارباً من الباب الخلفي، صرتُ بعيداً عن المقهى، لم يلاحقني أحد، هدأتْ أنفاسي، نظرتُ إلى السماء، كانت صافية مرصّعة بنجوم هادئة، فرحتُ لأنني أستطيع غدا أن أركبَ الأرجوحة، في الطريق رأيتُ أربعة مراهقين بعمري يشكّلون دائرة ويلعبون النرد مقابل خمسة أو عشرة فلوس، جلستُ معهم، قامرتُ بمبلغ الشاي، قلبي ينبضُ بخوف، رميتُ (حجر النرد) المكون من 12 نقطة، حصلتُ على 11 ورمى الآخرون أيضا، كنت الأعلى وفزتُ بأربع عشرات، أربعين فلساً، إنه مبلغ كبير، ولعبت مرة أخرى وأخرى، كنت الأعلى دائما، في عشر دقائق كسبتُ الكثير، قبضةُ يدي امتلأت بعشرات الفلوس، مع نفسي فكرتُ أن أكفَّ عن اللعب، خشيتُ من الأولاد الأربعة، ربما يطالبونني بالاستمرار، فجأة تركتُ اللعبَ معهم ونهضت بقوة، لم ينبسْ أحد بكلمة، أطلقتُ خطواتي إلى البيت، رنينُ القطع المعدنية في جيبي يبعث على الحبور، فرحٌ صاخب أيضا يجتاح قلبي، في دقائق قليلة أصبحتُ غنياً بلا جهد جهيد، غداً في أول أيام العيد سوف أكون أغنى الأطفال، وصلتُ بيتنا، طرقتُ الباب الحديد، لم يفتح لي أحد، سمعتُ صوتَ صراخٍ وضجيج، قفزتُ وعبرت سياج البيت، ركضتُ إلى الغرفة، وجدتُ أبي طريح الفراش يعاني من آلام مبرحة في البطن، خرجتُ مذعورا إلى الشارع، أتيت بسيارة أجرة (تكسي) ذهبنا بأبي إلى مستشفى الطوارئ، حقنوه بإبرة مخدِّرة، بعد نصف ساعة عدنا بسيارة الأجرة نفسها، وأفرغتُ جيبي تماماً و وضعتُ النقود كلَّها بيد السائق.. تذكرتُ الأرجوحة، وعرفتُ أنني لا أستطيع الصعود فيها غداً...

انتهت الحكاية وسألني صديقي: ماذا تستنج من هذه الحكاية؟

لقد ذهبت الأموال التي حصلتُ عليها بسرعة تفوق سرعة حصولي عليها، ما يأتي من الشيطان لا يدوم ولا يبقى طويلا، فطريقة حصولي على المال لم أذرف فيها نقطة عرق واحدة، ولم أبذل لها أي جهد عضلي أو فكري، من يحصل على المال بسرعة سيفقده بسرعة أكبر، هكذا تعلّمت هذا الدرس وآمنتُ به، أما من يتعب ويكدّ ويجتهد فإن المحصول سيكون وفيرا ويبقى معه كثيرا.

صديقي المراهق وعى الخطأ الذي وقع فيه مبكّرا، وقرّرَ منذُ صغره أن يبتعد عن الحصول على المال بلا جهد، كأنْ يحصل عليه بالسرقة مثلا، أو بالاختلاس أو المقامرة، لأنّ درس لعبة (النرد) علّمه منذ صغره، بأن المال الذي تحصل عليه بلا تعب، لن يبقى معك طويلا.

صديقي الآن يمتلك شخصية متميزة هو الذي بناها بجهده وذكائه، وإيمانه بأنَّ من يتعب ويسعى ويجتهد سيمتلك شخصية قوية ومحميّة من الأخطاء والزلل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0