جاء في معنى السياسة، أنها تدبير عقلاني وتحكم في تسيير الأمور وتحقيق المصالح، هذا التدبير يعني الخطوات العملية للقرار السياسي، ولكن قبل خطوة التدبير، هناك خطوة التفكير ومزاياه الكبيرة اذا كان تفكيرا عميقا، يبحث في ماهية خطوات صنع القرار، وما هي مضامينه، ثم أين تكمن احتمالات الخطأ والضعف والوهن، وما هي السبل التي تعالج ذلك، وبعد غربلة شديدة تقوم على التفكير السياسي العلمي، يتم اتخاذ هذا القرار او ذاك، فالسياسة عملية معقدة وصعبة وتنطوي على توازنات وقواعد للعبة متَّفق عليها، ولا يصح تجاوزها.

في العراق ماذا يحدث الآن، وما هي الخطوات العلمية والعملية في التدبير والتفكير السياسي لإدارة البلد، لماذا لم يتمكن العاملون في الساحة السياسية العراقية حتى الآن من وضع قواعد سليمة للعبة؟، ومتى يمكن الخروج من دوّامة الفوضى التي يعيشها البلد نتيجة للخروج المستمر عن تلك القواعد؟، ثم لماذا كلما تقدمنا خطوة او خطوتين الى الامام، نجد أنفسنا بعد حين في المربع الأول نفسه لننطلق من جديد، ونعود مرة اخرى للمربع نفسه؟؟!، من يقف وراء هذه الحركة المكوكية؟؟، ولماذا لم يستند قادتنا الى التفكير السياسي العميق، حتى يتخلصون من سطحية العمل السياسي المنفلت؟.

إن التفكير السياسي ينبني على معطيات موضوعية وحدسية ايضا، كون السياسة تحتاج الى الذكاء والعلمية في اتخاذ الخطوات الصحيحة، ولما يغيب التشاور الجماعي بين السياسيين، خاصة أن المتابع للعمل السياسي في العراق، يستطيع أن يكتشف بسرعة ومن دون عناء او ذكاء كبير، أن ساستنا جيدون في تدبير الوقيعة للآخر وإسقاطه أرضا!، وعندما ينهض الاخير ويشتدّ عوده يبدأ بموجة قوية للقصاص ممن أسقطوه؟!، هذه الاساليب التي لا نخطئ اذا قلنا انها غبية وهمجية، لا يمكن أن تبني دولة، ولا يمكن أن تسهم في رسم سياسة قادرة على وضع حد للدمار الذي يتعرض له العراق.

إننا بوضوح العبارة، وأعني بذلك ساستنا، بارعون في نشر الفوضى، وتدمير البناء السابق، فنحن للأسف لا نعترف بقانون التراكم ولا نعمل به، وغالبا ما يبدأ السياسي العراقي - اذا تسلمّ مسؤولية ما في الحكومة او الدولة- من الصفر!! ليهدّم كل الذي بناه المسؤول الذي سبقه، نكاية به او بالحزب والكتلة التي ينتمي إليها، فضلا عن بناء خلية محكمة من المؤيدين له حتى لو كانت افعاله وقراراته خاطئة، ولهذا يتساءل الشارع العراقي، لماذا كانت بداية رئيس الوزراء حيدر العبادي جيدة سياسيا؟؟ هل كان التفكير السياسي العميق هو المفتاح الصحيح الذي فتح الابواب المعلقة، لقد تحرك العبادي وحكومته نحو الخارج فنجح، وتحرك في الميدان الداخلي، وبدأ خطوات جريئة في مكافحة الفساد، كانت ثمرتها الانتصارات التي تحققت على الارض ضد داعش والارهاب، ما الذي حديث لكي (نكبو) مرة أخرى، لماذا عادت التفجيرات لتهدر دماء الابرياء مرة اخرى، لماذا بدأنا نسمع عن (سبايكرات) جديدة؟؟، هل غاب التفكير والتدبير السياسي المدروس؟ وهل فشل السياسيون مجددا في اعتماد قانون التراكم لوضع الركائز القوية والصحيحة للعمل السياسي؟.

بعض المراقبين يذهب الى أن العيب يكمن فعلا في التفكير السياسي للقادة!، وبعضهم يلاحظ إهمال المشورة وتغييبها، ومن ثم اعتماد العقل السياسي الفردي!، ولكن هل تصح العودة الى الفردية، وتراجع الدور الجماعي في الاستشارة، وهل تكمن الحلول في الاستبداد؟؟، لاشك مثل هذا التساؤل يُثار بين حين وآخر، ولكن نحن لسنا بحاجة الى الفردية وقد جربناها عقودا في قمة المرارة، إننا لا نزال نصطلي بنيران تلك السنوات المريرة وإن أصبحت الآن بعيدة عنا، ولكن نحن لا نبالغ اذا قلنا، أن ما نعيشه الآن من فوضى، ومن ارتباك سياسي، ومن غياب لمؤسسات الدولة وغياب للتفكير العميق، ما هو إلا نتاج واضح لتلك العقود التي غاب فيها العقل والتفكير السياسي العميق.

ما هو المطلوب من ساستنا الآن، وأي الخطوات يمكنها أن تنتشل البلاد من دمار الفوضى والتداخل العجيب في ساحة العمل السياسي، لاشك أن العلل كثيرة، يعرفها المعنيون جيدا، فتعدد المصالح وتضاربها، وتصارع الارادات والحسابات الدولية والاقليمية التي تتحرك فوق الارض العراقية، تحتاج بالفعل الى منظومة قوية ومركّزة للتفكير السياسي العميق، القائم على الخبرة والبناء التراكمي، وترسيخ قواعد اللعبة، وعدم الخروج من إطارها مطلقا، وهذا لا يمكن تثبيته بطبيعة الحال، إلا اذا اتفق السياسيون على نظام عمل سياسي واضح، يتعامل مع جميع الازمات بحكمة وهدوء وقوة في ذات الوقت.

وهذا يستدعي جملة من الخطوات الاجرائية التي لامناص من التمسك بها، والالتزام بخطوطها، وعدم الخروج عليها، ولابد أن يكون التفكير السياسي العميق قيّما عليها وراعيا لها، ومن هذه المقترحات التي تساعد على ضبط الإيقاع السياسي في العراق ما يلي:

- النقطة الاساسية معرفة قواعد اللعبة بصورة دقيقة، لكل من تعنيه هذه المعرفة السياسيين، وترسيخها وتطويرها في نفس الوقت.

- اعتماد التفكير السياسي العميق بديلا عن التفكير السطحي المتسرع، القائم على مصلحة الذات قبل اي شيء آخر.

- استثمار مزايا هذا النوع من التفكير من خلال الاستفادة من التجارب السابقة على مستوى العراق والدول الاخرى.

- دراسة الاوضاع الداخلية بعقلية ثاقبة، ووضع خارطة طريق للخروج من دوامة الفوضى الراهنة.

- إيجاد البديل عما يحدث من حالات استنزاف لموارد البلد البشرية والطبيعية، وهذا من مسؤولية الحكومة والجهات المعنية فيها.

- تعميق أواصر الثقة بين الاحزاب والكتل السياسية حتى التي تعد من الفرقاء والمختلفين.

- الابتعاد القاطع عن السياسة الذيلية، وبناء الشخصية السياسية القوية للعراق.

- أهمية تعميق وعي صانع القرار، والتحلي بالفهم السياسي العميق.

- لملمة الشمل السياسي، وإعلان حالة الحرص على الأرض والعرض والثروات، وتحريك مجسات الجماهير بكل السبل المتاحة في الاتجاه المصيري الصحيح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0