يوماً بعد يوم تزداد ضرورات التحديث والعصرنة في مجتمعاتنا بعد هبوب رياح التغيرات الكبيرة على أجواء العالم مخلّفة فراغات كبيرة ومعقدة صدمت المجتمعات البشرية بشكل عام وعالمنا الإسلامي بشكل خاص. فمع استمرار وجود البنيات التحتية القديمة وعدم تطورها وتكاملها مع التغييرات العالمية المتصاعدة تصبح أسس التخلف متجذرة بشكل أكبر وأصعب في قواعد الفكر والعمل.

ويمكن القول أن التناقض الكبير بين مظاهر التحديث الشكلي وبقاء جوهر التخلف قد ولًد صدمة كبيرة أدت إلى انتزاع أسس الأصالة والثبات في المبادئ الأساسية للحضارة الإسلامية، والدخول في متاهة العصر المتقدم والضياع في دوامات الانخراط في مظاهر الحضارة الحديثة.

فقد سبب التحديث الشكلي للمجتمعات صدمات كبيرة كانت نتيجة حتمية للانفصام بين تطور الشكل وتخلف الجوهر مخلفة ازدواجية متناقضة ضاعت فيما بينها الهوية والأصل والأساس، وكان المولود مجرد استنساخ مقلّد بصورة سيئة عن الحضارة الغربية، ولا يبعد القول أن حقيقة المظاهر السلبية التي اجتاحت مجتمعاتنا مثل العنف والتطرف والتفكك والتبعية ما هي إلا نتيجة للصدمات النفسية والفكرية التي صاحبت هذه الازدواجية حيث عجز الفرد عن استيعاب التطور بشكل واع متفهم يهضم الواقع الخارجي بصورة منطقية فيستطيع أن يؤقلم سلوكه بصورة متوازنة وبرؤية حقيقية لا تخدعها المظاهر.

ولكن الذي حصل أن الصدمات الحضارية استطاعت أن تؤسس لنفسها وجوداً متميزاً في منطقة الفراغ بين الجوهر والمظهر، لتساهم في وجود جديد ينمو بعشوائية مستمرة بعيداً عن النمو الطبيعي للمجتمع والفرد فكرياً واجتماعياً وحضارياً. هذا النمو العشوائي يمكن أن نشبهه بوضوح بتلك المدن الكبيرة في بلادنا التي اجتاحها التطور الأعمى فأصبحت تمتد بشكل فوضوي كبير راسمة لوحة سوريالية لمدن غامضة ضاعت بين الماضي والحاضر ولا تعرف ماذا يجري في داخلها وخارجها.

هذه العشوائية تداخلت في معظم مناحي الحياة لتنمو بشكل متضخم يشبه إلى حد بعيد التضخم الاقتصادي في خطوطه المتقاطعة والمتناثرة عبر بنية اقتصادية متبعثرة منتجة غيوماً سوداء من الغازات السامة أصبحت المتنفس الوحيد الذي يعطي الحياة لأجساد غالبتها الصدمات الحضارية فاستسلمت لقدر الانفصام وقبلت التمتع بجماليات المظاهر الحديثة للحياة الجديدة.

كيف يمكن لنا أن نتنفس من سموم ما تنتجه الحضارة الغربية ونستهلك ما يبقى من موائدهم مصفقين لإبداعاتهم وحالمين بأبطالهم؟، إلا إذا كان الانتزاع حقيقياً من وجودنا الجوهري، وهذا يعني بشكل واضح إننا تحولنا إلى أشكال هامشية من الوجود الفقير الذي لايطمح لشيء إلا أن يرى حركة الحضارة الحديثة وتطورها عبر امواج الاطباق المبثوثة بالأقمار الصناعية، فيعزّي نفسه عبر التلذذ بالمشاهدة والاكتفاء بالمراقبة.

لا يمكن لأي مجتمع أو إنسان أن يقبل بجمالية المظهر ويتشدق به، ويتغاضى عن الوضع المزري الذي تشبع به جوهره وداخله، فمع عقم الجوهر وترقق الأسس البنيوية لوجوده يصبح الشكل مجرد هيكل آيل للسقوط وشبح يفتقر إلى تشكله الخارجي.

لذا لا يمكن للتحديث أن يتحول إلى قضية فاعلة تحقق التطور الحضاري الطبيعي في حياتنا إلا بعد أن يستوعب كافة أجزاء النمو البشري وخصوصاً التحديث في الأسس والقواعد التي يمكن أن يقف عليها أي مجتمع متكامل ونامي في مسيرة طبيعية ومنطقية.

هناك قضيتان أساسيتان في برنامج التحديث المنطقي الذي يمكن أن تسير فيه حركة الإصلاح والتجديد:

القضية الأولى: إشكالية الحرية والانفكاك عن الاستعباد ورفع الاغلال والأصر.

القضية الثانية: وجود قنوات التماسك والبناء الاجتماعي عبر الحوار الذي يجمع قطاعات المجتمع في طريق التحديث والإصلاح.

الحوار بالعنف وعنف الحوار

كثيرة هي العقبات التي تقف أمام حركة الإصلاح ولكن عندما تتقاطع المصالح بشكل متنافر في المجتمع وتفتقد العقلانية في التعامل مع الآخر يصبح المجتمع في مهب التمزق والتفكك عبر الحوار بالعنف، وفي أدنى درجاته عنف الحوار. فالحوار بالعنف هو التعامل بين الأنداد والأضداد في مجتمع ضاقت صدور أفراده، فعجز عن استخدام لغة العقل والمنطق والتفاهم.

إن التحديث يعتمد بشكل أساسي على وجود حركة اجتماعية شاملة تشارك فيها القوى والجماعات بعد أن تصل إلى عقد واتفاق مشترك على أهداف واحدة تصب في إطار المصالح المشتركة للجميع.

ولكن البعض آثر أن يتخذ لنفسه بعداً أيديولوجياً مقدساً تحول فيه إلى محور مركزي يفرض على الجميع أن يستسلم له ويدين بأفكاره، فلا مجال حينئذٍ في محيطه التحزبي لوجود الآخر، ولو وجد فإنه قد خرج عن شرعية الأيديولوجية الواحدة. فالفرد أو الجماعة التي تحيط هالة مقدسة بأفكارها وأهدافها لا ترى إلا نفسها وكأن لا وجود لآخرين يعيشون في نفس المجتمع.

وكيف يمكن إصلاح مجتمع يعيش أفراده وجماعاته في جزر منعزلة قائمة على الانغلاق والجمود في الدوائر الذاتية؟!.

إن التحديث لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تحديث الأفكار والتحول إلى رؤى جديدة تفتح آفاقاً اخرى لعوالم خارج حدودنا فنرى الآخرين عبر عيون جديدة لم تسجن في زنزانتها الفكرية القديمة، فالتحديث الفكري يمكن أن يقودنا إلى فهم أفكار الآخرين عبر ايجاد التقارب النفسي أولاً، وإزالة الحواجز ومحاولة دراسة آرائهم بموضوعية، واستبعاد روح التحيز التي تحكم ذواتنا بتعصب مفرط.

والتحديث لا يتم إلا عبر إصلاح العقول التي صدئت من انغلاقها على نفسها، ورفضت الانفتاح على الآخرين.

والتحديث لا يتم إلا عبر إصلاح الأنفس التي تمزقت بالحقد والتعصّب الأعمى، فأصبح التطرف الجارف رمز لتفريطها وإفراطها الجاهلي.

إن الحوار المتبادل بين مختلف الفئات والأفكار والاتجاهات بشكل موضوعي يستمع فيه الجميع إلى الآخرين بوضوح وتفهّم يمكن أن يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد قنوات مشتركة تحقق التفاعل الاجتماعي الحيوي وترسم معالم الإصلاح والتحديث بشكل طبيعي مستمر على ملامح الأمة، وتنشئ أسساً متجذرة من التماسك والتلاحم والوحدة.

يقول تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا).

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 55- ذو الحـــجـــــــة1421هـ/آذار2001م
تحت عنوان: قضايا الإصلاح والتحديث.. الحرية والحوار

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1