كل واحد منا يدرك بفطرته وعقله وشعوره أن هناك غائية في هذا الوجود والنظام، فالفكر يحاول أن يرتب سلسلة افكاره للوصول إلى نتيجة وعلة وسبب يفسر هذا الوجود، فالنظام الفكري في حياتنا كلها قائم على وجود الغاية والعلة في هذا الكون والا فان العبثية لاتعني إلا انتهاء المبررات الجوهرية للكون والخلق.

وغائية الوجود تعني وتؤكد ان الإنسان في حركة دائبة ومستمرة لتحقيقها بصورة تصاعدية للوصول إلى الكمال الوجودي للبشر. والحركة الدائبة والسعي المستمر يعني بالضرورة وجود تجديد مستمر وتطور محتوم في حياة الفرد والا فإن عدم التجديد يعني بالضرورة انتفاء المبرر الغائي اذ لايستفيد الإنسان من تكرار حياته اليومية إلا العبثية وانطفاء شعلة الحياة فيه وسريان الاحباط في داخله. فمع الحركة والتجديد ينبعث الامل والطموح في داخل كل واحد منا ليتحول إلى سعي يومي من اجل سد الفراغ الكمالي في اعماقنا والوصول إلى الغايات المحتومة، يقول تعالى في كتابه الحكيم: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ).

إن تجديد الفكر واصلاحه هو أحد حتميات التطور الحركي المستمر اذ ان الفكر الجامد والساكن لا يستطيع ان يؤقلم نفسه مع التطور المستمر بتطويره الاستمراري لقراءاته الفكرية للعالم الخارجي واستخراج رؤى جديدة تساعده على الانسجام وحل مشاكله وقضاء حاجاته اليومية، وما التطور البشري المستمر لحد هذا اليوم إلا تلبية لهذه المقتضيات.

ذلك ان تطور ظروف الحياة والتغييرات الدائمة في هذا الكون المتحرك تفرض على الإنسان باستمرار ان يعيد تشكيل نظامه الفكري حتى يستطيع ان يتكيف مع التطور الحتمي الحاصل، ومعظم الازمات التي تعيشها المجتمعات ويخوضها الأفراد هي نتاج واضح لعدم وجود التكيف مع تطور الحياة لذا يصاب المجتمع بنكسة حضارية تقوده لرد فعل عنيف أو تقضي عليه باليأس والذهول.

لذلك لابد من توفير عناصر التجديد والتأمل فيها بشكل جيد حتى لا نخضع للصدمات الحضارية المؤلمة التي تعصف بنا في المستقبل كما هو حاصل اليوم.

القدرة على فهم الأحداث وتحليلها

من عناصر التجديد هو وجود القدرة على فهم الاحداث وهضمها وتحليلها في نظامنا الفكري من اجل الوصول إلى إدراك الترابط القائم بينها والحصول على نتيجة واضحة ومفهومة لما يجري في الخارج. فعندما لانفهم ما يجري في الخارج ونعجز عن إدراك الترابط تصبح الصدمة علينا قوية وغير قادرين على التكيف معها، ولعل ما حصل في حرب الخليج الثانية والتطورات الكبيرة التي افرزتها لازالت تفرض صدماتها علينا بحيث سلبت قدرتنا على التصرف وحل ازماتنا.

وعندما نفقد الروح التجديدية في حركة افكارنا نصبح عاجزين عن حل أزماتنا ونسير في حلقات مكررة ومفرغة تعيدنا إلى اول الطريق دائما مسببة لنا آلام ومآسي أكبر، لذلك فان رؤيتنا الحكيمة المتجددة تساعدنا كثيرا في استخراج أنفسنا من هذا الواقع.

إن أحد عوامل ركود الفكر واضمحلاله هو تلك الاحادية التي تغلف افكارنا وتعزلنا عن الوجود الآخر في المجتمع وتقسمنا إلى فرق متناحرة ومتحاربة دون التفكير ولو قليلا بمصالحنا المشتركة، ولكن التفكير التجديدي يخرج من الدوائر المغلقة ويفتح عيوننا على الخارج ويعطينا رؤية حكيمة في فهم العوامل المتغيرة، وان حياتنا السليمة لايمكن ان تتحقق إلا عبر الالمام بأهدافنا المشتركة وانها يمكن ان تتلاقى لانتشال انفسنا من الازمة.

التفكير الاجتماعي العام

لايمكن تحقيق التجديد الفكري عبر تأملات مجموعة من المثقفين تبقى محصورة في قنوات عقولهم الخاصة، التجديد الفكري يتحقق عندما يتحول إلى فلسفة اجتماعية عامة تستثير نهضة فكرية شاملة تؤدي إلى اقناع المجتمع بشكل ما بهذه الافكار المتنورة.

فما نحتاج إليه هو تطوير فلسفة اجتماعية عامة تقود إلى الاتفاق الجمعي على الطرق المشتركة والاهداف العامة للوصول إلى ايجاد نظام شامل يحقق التكيف والانسجام مع حركة الزمن. ولايمكن تحقيق الفلسفة العامة إلا بعد وجود الحوار الموضوعي والفعال بين النخب المفكرة لتحقيق الوعي الشامل.

فلايمكن استبعاد الناس من دائرة التجديد بدعوى عدم وجود الكفاءة الفكرية وهذا يدل على ان النخبة تفكر بانعزالية وبخطاب متعالي لايفهمه الناس، وبالتالي فإنها تساهم في تعقيد ازمة الفكر عندما تفصل المجتمع عن الاشتراك والوعي المشترك في تجديد الفكر، فالناس هم أدوات مؤثرة وهم جزء من السبب المشترك في تحقيق التعاون العام، والتفكير الخاص هو جزء من التفكير الاجتماعي العام وهو جزء يتشكل منه.

فالتعصب الفكري الذي يستبد بالبعض ويجعله محتكرا للحقيقة لايؤدي بنا للسير في الطريق الصحيح، إلا إذا ادركنا ان كل واحد منا هو جزء من ذلك العام المشترك وان كل له وجهة نظر محدودة لا تستطيع ان تحقق التكامل والتكافل إلا بالآخرين، وان قراءاتنا الخاصة تبقى قراءات متجزئة للعالم الخارجي إذا كانت بمعزل وانغلاق عن الآخرين وخصوصا إذا كانت متحيزة لمصالحها الخاصة فقط، فالتجديد الفعال هو الذي يجمع الكل في تصور مشترك عام لمشاكل وحاجات واهداف مشتركة.

ومن عناصر التجديد:

الاعتدال الفكري: اذ به يمكن تحقيق التوازن والقدرة على الاختيار الواعي للمعلومات الواردة وهضمها بشكل سليم، فالإفراط والتفريط فيه دلالة على عدم وجود بناء فكري متماسك قادر على احداث التجديد الفعال. فالتفريط هو تلك الاستهانة الجاهلة بدور الفكر وقدرته على قيادة الإنسان والمجتمع وبالتالي تضييعه في مقابل التركيز على المال او السلطة أو اللامبالاة.

والافراط هو التركيز الافراطي على الجوانب النظرية والفلسفية مع عدم وجود ارتباط متجانس مع الواقع الخارجي وبالتالي الوقوع في احلام واماني المدينة الفاضلة والنظريات الترفية والأفكار الخالية من الاهداف الحيوية الحقيقية. فالاعتدال يسير بالتجديد في الطريق السليم بإيجاد التوازن بين الداخل الفكري للفرد والعالم الخارجي.

الطموح الفكري: احد أسباب توقف الفكر عن التجديد هو ذلك الاقتناع المطلق بالفكر الخاص لفرد أو جماعة أو اتجاه وهذا يقود إلى غلق الابواب الفكرية ومنع التفكير وسد الاجتهاد ومنع التجديد. فالفرد إذا شعر بالاكتفاء وعدم حاجته للتكامل يتوقف طموحه الفكري ويبدأ بالتراجع والتخلف، وهذ هو مبدأ انهيار الحضارات وانحلالها.

التجديد هو طموح فكري مستمر بسعي لايكل للوصول إلى مستوى ارفع واعلى، وهو يعني ان الفرد لابد ان ينتزع من داخله ذلك الشعور المغلف بقداسة افكاره وصحتها المطلقة، ذلك الشعور يخالف ادنى نواميس الطبيعة وهو ان الإنسان خلق ضعيفا ناقصا غير قادر على الكمال المطلق. وعندما يشعر الإنسان في ذاته انه لم يصل بعد إلى مستوى يعطيه الاكتفاء المطلق يتحرك بسعي دائب وطموح ايجابي لتطوير افكاره وعلومه ومعارفه.

ان التواضع على العكس من ذلك فهو الاعتراف بالجهل والنقص وعدم الكمال، والطموح دليل على تواضع الإنسان بإمكانياته وانه بحاجة مستمرة للتطوير والتجديد، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): كفى بالمرء فضيلة ان ينقص نفسه. ويقول أحد المفكرين: نحن اليوم مصابون بتواضع في غير محله فالتواضع قديما حمل الإنسان على ان يرتاب في جهوده الأمر الذي قد يدفعه إلى ان يعمل بجهد أكبر لكن التواضع اليوم يجعل المرء يشك بأهدافه فيحمله إلى وقف العمل بالمرة.

وهناك الكثير من عناصر التجديد التي يمكن ان تساهم في تحريك الموجود الفكري لدينا من اجل تجديده وتطويره مثل، تحقيق حالات الانفتاح الإيجابي على الآخرين، وترسيخ روح النقد والانتقاد البناء في النفس، ونشر مبدأ الحوار بين مختلف الأفكار من اجل مزيد من النضج والنمو والابداع، ولاشك بأن مبدأ الحوار هو مبدأ أساسي وأصيل في الإسلام وعلى ذلك قامت دعوة القرآن الكريم ودارت مباحث النقاش والمحاججة مع الآخرين، وهو مبدأ يدل على عظمة الإسلام ومدى تقديره للإقناع الفكري الحر والانفتاح المتبادل مع الآخرين للوصول إلى مشترك متفق عليه.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 54-ذو القعدة 1421/شباط 2001-
الذي نشر تحت عنوان: انطباعات الإصلاح والتجديد الفكر اساسا

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء في الحياة بقدر
وسبب عز وجل الأسباب وطلب من الإنسان توخي الحذر
وبقدرة المحيي المميت يسر الماء من تحت الأرض لجذور الشجر
وأنزل الرزاق الوهاب الرحيم للبشر والزرع من السحاب الماء عبر المطر
أما من يأخذون الأمور بعبثية واستهتار فإنهم يدمرون مفردات الحياة ويحجبون أشعة الشمس وضوء القمر
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-27

مواضيع ذات صلة

0