نبرات عشوائية.. وصراخ لا أعلمُ مقصده، أصوات متداخلة ونواحٌ أليم يمزق أحشاء المكان.. أسحل جثتي في الممر بقسوة وكأن ثقل الدنيا نائم على كتفي.

أرى أحدهم يبكي بغزارة جرح.. وتلك تضرب على رأسها، وهذا الشاب يلطم على وجهه يرثي أخاه بكلمات مبعثرة لم أفهم معناها بوضوح تام.

دخلت الى غرفة كُتب على بابها ممنوع الدخول، ولكن روحي تأبى المنع وتسرح في فضاءٍ لا نهاية له، الغرفة مربعة الشكل، في منتصفها سرير ترقد عليه جثة ضعيفة الهيكل وعلى رأسه أكثر من ثلاثة أشخاص يرتدون زيّاً أخضر وبأيدهم سكاكين وأدوات غريبة يغرسونها في رأس هذا الانسان، وفجأة نادى أحدهم "للأسف فقدنا المريض".

قطعوا جميع الأسلاك التي كانت توصل بين الأجهزة والمريض.. وغطوا وجهه بملاءةٍ بيضاء، خرجت الممرضة بهدوء تام وملامح الحزن مرسومة على وجهها.. فاستقبلها أهل المريض بعيون حائرة ينتظرون خبر يطفىء لهيبهم المشتعل.. ولكن أتاهم جواب غير ما كانوا يتمنون: "لقد فعلنا كل ما في وسعنا ولكن.. صبركم الله".. وغادرت الممر بسرعة كبيرة.. وكأنها لا تريد أن ترى الحزن الذي خلفته بعد هذا الخبر الفاجع.

سقطت الأم على الارض فاقدة وعيها من شدة الصدمة.. وبقيت الأخت مصدومة تنظر في فراغ الوجع محاولة استيعاب الخبر.. والخال يحاول أن يحمل أخته التي تبعثرت في منتصف الممر.. ولكني ما تحملت المنظر فحاولت أن أغادر بسرعة.. دون أن انظر الى الفاجعة تلك.

نزلت الى الطابق السفلي برهبةٍ أليمة، محاولاً نسيان ما رأيته للتو.. سمعت من خلف بابٍ أبيض كلام طبيب يتحدث مع شخص عن حالةِ مريضٍ صعبة.. يدندن الطبيب بأقل من مهلهِ "لا تقلق سيكون بخير، سنفعل كل ما في وسعنا.. فقط ادعوا له بالشفاء" مررت من جانب الغرفة بهدوء ورفعت رأسي الى السماء التي كانت مرئيّة بالنسبة لي على الرغم من وجود السقف! ودعوت له بالشفاء العاجل.

بعد وهلة من الوقت خلف الممر الذي يفصل بين الصالة الاولى والثانية وجدت أمّاً هرمة يهلّل وجهها فرحاً، إقتربت منها بسرعة لأنسى الفواجع التي مرت عليّ.. أسمعهم يستبشرون ويشكرون الله.. دخلت الغرفة لأكون أقرب من الحدث.. فوجدت المرأة التي ترقد على السرير الأبيض تحاول تحريك أصابعها النحيلة.. من الواضح عادت إليها الروح بعد يأس اليم، نعم.. سمعت الممرضة تبشر اهلها بعودتها المحمودة الى الحياة من جديد.

إبتسمتُ إبتسامة عميقة وشكرت ربي والفرحة غامرة محياي، أصبحت أطوف بين ممرات المكان.. انظر الى هذا وذاك، وفجأة! سألت نفسي عن ما يحدث حولي! أين انا؟ ولماذا قدماي لا يقاومان الجاذبية؟! ماذا افعل في المشفى بين هؤلاء المرضى! لماذا لا أرى صورتي معكوسة في هذه المرآة التي امامي!.

الأسئلة كانت تهز جثتي الفارغة.. والخوف سيطر عليّ بالكامل! حاولت أن اهدأ.. لأسترجع تركيزي واستوعب ما يدور حولي.. حسنا حسنا، البارحة خرجت من بيتي لأذهب الى المقهى وبعدها! وبعدها؟!! حادث!! نعم تعرضت لحادث سير.

غمرني حزن عميق خلَّف بداخلي يأسا شديدا وكأني استوعبت وجودي في هذا المكان.. أصبحت كالمجنون ألفّ في ممرات المشفى ابحث عن نفسي.. يميناً ويسارا.. وحتى في غرفة الموتى، ولكن لا فائدة.. أين أنا اذا؟!! لا وجود لي هنا.. أصبحت أتلوى ألما من خوفي وحيرتي.. حاولت أن اخرج نفسي من هذا المكان بينما أندب عمري الذي ذهب هباء منثورا.. كنت حائرا لا اعرف مصيري هل أنا نائم وكل ما يحدث حولي هو مجرد حلم.. ام انا ميت؟!.

اذا بالفعل ميت.. بأي وجه سأقابل الله بقبائح أفعالي ام بكثرة تقصيري؟! لمْ أقف على سجادة صلاتي طول عمري الخمسة والعشرين.. وكنت اقضي وقتي باللهو والابتعاد عن شرع الله والدين، كنت طائشا ومتهورا.. كيف سأقابل الله.. لا اريد ان اموت.. لا اريد، اريد ان اعود الى الحياة لأعمل صالحا.. لا أريد ان ادخل النار، الهي ارحمني.. فقدت نفسي واعصابي أصبحت اضرب على رأسي دون وعي ولكن لا احد يسمع نواحي، كل من يمر من جانبي لا يسمعني ولا يراني حتى.. حينها تأكدت بأني لست بحلم!.

انه واقع.. واقعي التعيس، انتهت حياتي ولا اعلم ماذا ينتظرني من عقاب.. أصبحت اجر نفسي بخيبة وندم، وأنا افكر بأنني في اي لحظة سأنتقل الى دار الآخرة بوجهٍ كظيم، وكأن هذه الأفكار ضربة صاعقة هدمتني، اقولها وانا اموت خوفا وحزنا، ها قد انسدت أبواب الرحمة في وجهي وها قد أتت الساعة وانا في غفلتي.. كم من شخصٍ ضحكت عليه بصفقات كاذبة واخذت امواله زورا.. وكم من ناسٍ اتهمتم ظلما بأمور لم يفعلوها وكان لي فيهم مصلحة شخصية.. آهٍ عليّ... وا حسرتاه على ما فعلت في نفسي، بينما كنت أتلوع من الذنب سمعت نحيب بكاء من نهاية الممر السفلي.. جذبني اليه دون ارادتي، فقدت السيطرة على حركتي انجرفت الى الصوت بسرعة كبيرة.. فوجدت نفسي امام إمرأة ذات وقار عظيم.. تبكي بحرقةٍ أليمة.. رفعت رأسها فلمحت وجهها.. انها امي؟!!.

نعم امي! وذاك الذي يسند رأسه الى الحائط هو اخي!.

ماذا يفعلان هنا.. ولماذا يبكيان وينحبان بهذه الطريقة؟! اقتربت منهما لأعرف ما يحدث.. سألت ما بكما!؟ ولكن لا مجيب، عيونهما على الفاصل الزجاجي ذاك.. يا ترى من يوجد خلف هذا الزجاج؟! أسرعت لأشاهد الشخص النائم على السرير خلف الفاصل الزجاجي.. فإذا بالصدمة.. كصفعة قوية ضربت وجنة روحي.. لان ذلك الشخص النائم في غرفة الانعاش هو "أنا"!!.

حينها.. فهمت كل شيء.. اقترب الطبيب من اخي واخبره بخطورة حالتي وان الحادث الذي تعرضت اليه فقدت على اثره الكثير من الدم، كما ان هنالك نزف داخلي في رأسي.

كان الخبر صعبا على أهلي.. وزادهم اشتعالا، عرفت حينها بأن امل بقائي على قيد الحياة بات قليلاً جدا.. ولا حيلة بيد امي غير البكاء والدعاء.. إذاً بعد لحظات سأودع هذه الحياة.. بعدها لن ارى اهلي وناسي.. لن استيقظ على صوت امي الدافيء ولن أرى وجه أخي بعد الان! أمي.. سامحيني على كل شيء فلربما لم أكن بارا بكِ.. اخي.. اعذرني لاني لم استطع ان أساعدك في حمل المسؤولية معك بعد وفاة والدي، وكنت ولدا طائشا.

اعذروني يا ناس لاني خدعتكم.. ليت الله يمنحني ثلاثين دقيقة لأعود الى الحياة وأتسامح مع الذين اكلت اموالهم بالباطل وخدعتهم وظلمتهم بكلامي وأفعالي، كم من فتاةٍ كانت فريستي وكم من فقير كان محل استهزائي، وصلت بنفسي لدرجة اني أصبحت اخجل من طلب الرحمة والمغفرة من الله.. وحتى إن غفر الله ذنبي وجهلي لن يغفر لي الناس ولن يتنازلوا عن حقهم.. ضربت على رأسي وسقطت على الارض ابكي دماً على حالي.. ولكن لا فائدة.

الهي رحمتك.. بينما كنت الطم على رأسي أتاني صوت هادئ "كفاك.. نحيبك وبكاؤك لن يجدي نفعا" انتفضت من مكاني وبسرعة سألته من انت.. قال لي "انا ذلك الشخص النائم على يسار سريرك، مثلك تماما حالتي ليست افضل من حالتك وقد يئسوا من حالتي وسينزعون عني كمام الاوكسيجين والأجهزة"، و كأنه زادني اشتعالاً فوق اشتعالي بكلامه هذا.

قلت له ما الحل ماذا افعل بمصيبتي انا نادم ولا اريد ان أقابل الله بصحيفة أعمال سوداء، الا من طريقة لي لأُكفر عن ذنبي والله لو عدت لبقيت خادما لله وعبدا مطيعا، رمقني بنظرة استهزاء وقال لي.. الجميع يقولون هذا عندما يكونوا في هكذا موقف، لا نجاة لك يا صديقي فحالتك خطيرة وأنت ميت لا محالة، بعد كلامه عدت الى نحيبي حينها.. الأفكار كانت تعتصر رأسي، حاولت ان اهدّئ من روعي قليلا.. فكرت مع نفسي، ان كنت قد طردت من رحمة الله وهذا بالطبع مستحيل لان رحمة الله واسعة ولا تنتهي لكنت قد متُّ في لحظة الحادث وكان مثواي جهنم وبئس المصير.

إذاً عليّ التوبة.. والتوسل، ولكن كيف فأنا خجلٌ لاني ما تضرعت لله يوما.. كيف سأطلب العفو منه الآن وبأي وجه سأقابل الله؟! وبعد قليل قال لي ذلك الواقف على يساري "لحظة، كلامك هذا ذكرني بشيخ كبير في السن كان يتكلم عن شفيع الأمة اسمه "الحسين" يقال ان للإنسان وسطاء عند الله، هم بصيرتنا ووسيلتنا اليه والحسين له منزلة وشأن عظيم عند الله.. "وقبل ان يكمل جملته خرجت من المشفى بسرعة البرق قاصداً مدينة الحسين (ع) التي تبعد عن محل اقامتي ملايين الكيلومترات، فقد كنت أعيش في دولة بعيدة عن معاني الاسلام تماما.. وقد تطبعت بطبائع أهلها وتقاليدها وابتعدت عن الدين وعن شرع الله.

طرت من نافذة الغرفة القريبة مني.. وبعد وهلة، وجدت نفسي امام قبة ذهبية تشع نورا وكأنها كوكب دري يوقد نورها ضياء الشمس.. وهناك رائحة زكية تنتشر في ارجاء المكان وكأنها رائحة الجنة، ركعت روحي نادمة وانهارت من الخضوع والبكاء عند عتبة الباب الشريفة، بعينين خجلتين توسلت وكشفت ندمي للحسين عليه السلام وانا أذوب خجلا وحسرة على أفعالي وعلى ماضٍ اسود خلفته نتيجة جهلي وأفعالي، بكامل ضعفي كنت اتوسل ليكون الحسين شفيعي عند الله.. ضربت وجهي ثم رفعت رأسي الى السماء وناديت بأعلى ترددات صوتي "يا مولاي.. ارحم ضعفي واستكانتي، فأنا عبدك الحقير النادم.. امنحني فرصة لأُكفّر عن ذنبي فأنت الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمتك كل شيء، الهي بجلالة الحسين...."

وما ان نطقت كلمتي تلك، حتى سمعت صوت امي، "الحمد لله على سلامتك يا فلذة كبدي.. ها قد تعدَّيْتَ مرحلة الخطر وبمعجزة من الله أذْهَلَت الأطباء، عدت إلينا سالما غانما.

فتحت عينيّ... ولازالت صورة القبة الذهبية محفورة في بؤبؤ ذاكرتي، بصوتٍ سكين وروحاني خرجت الحروف دون إرادة من لساني.. "يا شفيعي يا... ح س ي ن".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5