يوم الاثنين (27) رجب قبل الهجرة بثلاثة عشر عاماً، وبعد عام الفيل بأربعين عاماً، وفي 610م

مقدمة نورانية

الحديث عن النور هو الحديث عن أول خلق الله، وأعظم وأشرف خلقه منذ الخلق الأول، حيث أنه ورد في الحديث النوراني المعروف والمشهور عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ؟ فَقَالَ: (نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اَللَّهُ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ). (بحار الأنوار: ج۱۵ ص۲4)

فهذا المخلوق المعظَّم والمكرَّم الذي خلقه الله من نور ذاته، ثم خلق منه وزيره وصنوه وأخاه ووصيه وخليفته أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو الذي يمثِّل كل خير في هذه الحياة حسب منطوق الرواية النبوية الأولى، لأن كل الروايات تؤكد أن ما خلق الله من النور الأول إلا نور الولي الأعظم (عليه السلام)، وهذا واضح وجلي في الواقع الذي عرفناه وعشناه منذ أن وعينا على هذه الدنيا وأن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) يمثل الخير والنور كله في هذه الحياة.

ولذا فإننا نرى في التاريخ المشوَّه الذي وصلنا بعض النتف والمعلومات التي تؤكد وتؤيد أن وجود علي بن أبي طالب كان امتداداً لوجود محمد بن عبد الله، ولا فرق بينهما إلا سبتاً من الدَّهر، وهو ثلاثون عاماً، وكما أن محمداً تربَّى في بيت وحجر عظيم العرب ومؤمن قريش عمَّه أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب، فإن علياً تربَّى في بيت وحجر ابن عمِّه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فكانت الأدوار متكاملة في سبيل وصول كل من الشخصيتين إلى الكمال الذي يؤهلها لحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال ورفضن حملها، وحملها الإنسان الكامل محمد بن عبد الله وهي الرسالة الخاتمة (الإسلام).

ولا بدَّ لكل قائد ومسؤول أو عظيم من مساعد له في حمل الأعباء والأثقال ويكون عضده ويده وساعده ووليه ونصيره ووارثه في رسالته، والمثل العربي يقول: (يد واحدة لا تصفِّق)، والحياة كلها خلقت بزوجين اثنين، فكل شيء له يدين، أو جناحين، أو عينين، أو أذنين، وهكذا فإن المسؤولية والرسالة لا بدَّ من وجود نبي ورسول يحمل الرسالة، ووصي وإمام يفسرها ويؤولها بعد أن تكتمل، وهذه هي قصة المبعث الشَّريف وتكامل الأدوار بين النبي محمد بن عبد الله، والولي علي بن عبد مناف وكان ذلك في 27 رجب الأصب عام أربعين بعد الفيل، فكان عمر النبي أربعون عاماً، وعمر الوصي عشر سنوات حين نزل ملاك الوحي والرحمة عليهما في غار حراء الكائن في جبل النور، فتكامل نور السماء مع نور الأرض، ونور القرآن الحكيم، مع نور النبي والوصي وانبعثت الرسالة الخاتمة من ذلك الغار وبدأت مسيرة التكامل الرسالي بالنزول القرآني وتربية الوصي أولاً ثم تربية الأمة على وقع آيات القرآن وسوره النورانية المباركة.

معالم تربوية للوصي

فالإنسان عندما يصل إلى هذه النشأة الأرضية السفلى (دنيا) فإنه يحتاج إلى رعاية في صغره حتى يشتد ويقوى وإلى تربية في شبابه حتى يسير وفق مهاج الرب الذي رسمه له ليعود إلى المحل والمكان الذي نزل منه وهبط منه مع أبيه آدم وأمه حواء (عليهما السلام) ولذا كل رسالات السماء هي رسالة واحدة مضمونها تربوي، وهدفها الهداية، ووسيلتها العبادة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)

فالرب الذي خلق هذا الإنسان وكرَّمه أراد له أن يكون في جوار قدسه لا أن يكون ملعونا مطروداً من رحمته كإبليس الذي لعنه وطرده بسبب سوء فعله ومعصيه واستكباره عن قبول أمر الله والسلوك في طريق الهداية، ولذا كانت التربية من أهم وأعظم واجبات الأنبياء والرسل الكرام ثم الآباء والأمهات، وأنجع وسيلة وأنفعها للتنشئة هي التربية بالقدوة الحسنة، والأسوة الراقية ولذا قال سبحانه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)، (الممتحنة: 4)، ثم قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21)، وذلك لما لهذا الأسلوب من أثر كبير على الطفل.

ولذا أخذ النبي محمد وصيه وابن عمه علي من حضن أمه وأبيه ليربيه هو وينشئه كما يريد الله تعالى له وهنا يكمن السِّر التاريخي الذي تحدًّث عنه كل مَنْ كتب وأرَّخ لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) إلا أنهم قالوا: كان ذلك لأن أبا طالب فقيراً ومملقاً وكثير العيال، وقال: (أَنَّ قُرَيْشاً أَصَابَتْهَا أَزْمَةٌ وَقَحْطٌ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِعَمَّيْهِ حَمْزَةَ وَاَلْعَبَّاسِ: (أَ لاَ نَحْمِلُ ثِقْلَ أَبِي طَالِبٍ فِي هَذَا اَلْمَحْلِ)، فَجَاءُوا إِلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ وُلْدَهُ لِيَكْفُوهُ أَمْرَهُمْ فَقَالَ: دَعُوا لِي عَقِيلاً وَخُذُوا مَنْ شِئْتُمْ وَكَانَ شَدِيدَ اَلْحُبِّ لِعَقِيلٍ فَأَخَذَ اَلْعَبَّاسُ طَالِباً، وَأَخَذَ حَمْزَةُ جَعْفَراً، وَأَخَذَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَلِيّاً وَقَالَ لَهُمْ: (قَدِ اِخْتَرْتُ مَنِ اِخْتَارَهُ اَللَّهُ لِي عَلَيْكُمْ عَلِيّاً). (بحار الأنوار: ج۳۸ ص۲۵4)

فجاء ابن أخيه محمد وأخذ من عنده علي ليضمَّه إليه ولكنه قال كلمة يتناقلها العلماء دون أن يفهموا معناها وهي: (قَدِ اِخْتَرْتُ مَنِ اِخْتَارَهُ اَللَّهُ لِي عَلَيْكُمْ عَلِيّاً)، فالأمر جاء من الله وهذه خيرة الله لهذا الفتى علماً أن أمه الكريمة كانت تقول عنه منذ ولادته قَالَ لِي: (اِجْعَلِي مَهْدَهُ بِقُرْبِ فِرَاشِي)، وَكَانَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَلِي أَكْثَرَ تَرْبِيَتِهِ وَكَانَ يُطَهِّرُ عَلِيّاً فِي وَقْتِ غَسْلِهِ، وَيُوْجِرُهُ اَللَّبَنَ عِنْدَ شُرْبِهِ، وَيُحَرِّكُ مَهْدَهُ عِنْدَ نَوْمِهِ، وَيُنَاغِيهِ فِي يَقَظَتِهِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَيَقُولُ: (هَذَا أَخِي، وَوَلِيِّي، وَنَاصِرِي، وَصَفِيِّي، وَذُخْرِي، وَكَهْفِي، وَصِهْرِي، وَوَصِيِّي، وَزَوْجُ كَرِيمَتِي، وَأَمِينِي عَلَى وَصِيَّتِي، وَخَلِيفَتِي، وَكَانَ يَحْمِلُهُ دَائِماً، وَيَطُوفُ بِهِ جِبَالَ مَكَّةَ، وَشِعَابَهَا، وَأَوْدِيَتَهَا). (كشف الغمة: ج۱ ص60)

وأي شيء هذا يعني إلا التربية والرِّعاية والحفظ والحماية ثم التعليم وهذا ما حكاه وقصَّه ووصفه بدقة عجيبة الإمام علي (عليه السلام) أمير البلاغية والفصاحة والبيان بقوله في خطبته القاصعة حيث يقول: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ وَاَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَأَنَا وَلِيدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ.. وَلَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ، وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ). (نهج البلاغة: خ 192)

وهذا هو بالضبط تفسير ما قال (ع) أيضاً: (إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَدَّبَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَدَّبَنِي، وَأَنَا أُؤَدِّبُ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَأُوَرِّثُ اَلْأَدَبَ اَلْمُكَرَّمِينَ)، فالله تعالى أدَّب نبيَّه على مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال حتى كان (خُلُقهُ القرآن)، وهو أدَّب أمير المؤمنين على تلك الآداب الرَّبانية والأخلاق القرآنية حتى قال: (أنا القرآن الناطق)، ولم ولن يجرؤ أحد من الخلق جميعاً لا سيما الصحابة أن يدَّعي هذا الأمر.

مبعث النور ونزول القرآن

وفي السابع والعشرين من رجب الأصب نزل ملاك الوحي والرحمة بالنور والغبطة والفرح والبهجة والسرور على جبل النور وغاره حراء ولم يكن فيه إلا محمد وعلي يتعبدان على الطريقة والسُّنة التي ورثاها من جدِّهما إبراهيم الثاني عبد المطلب (عليه السلام)، حيث يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك أيضاً بقوله: (وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَيِ اَلْوَحْيِ وَاَلرِّسَالَةِ، وَأَشَمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ؟

فَقَالَ: هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ). (نهج البلاغة: خ192)

فالكلام واضح وضوح الشمس في رائعة النهار، لا لبس فيه حيث أنه يتحدَّث عن ثلاثة أشياء، واستخدام ثلاثة من الحواس الأساسية في الإنسان وهي النوافذ التي جعلها الله كوى يطل العقل منها على الواقع وهي:

1-(العين والرؤية) أَرَى نُورَيِ اَلْوَحْيِ وَاَلرِّسَالَةِ، وهل من حجة أكبر من رؤية الشيء بالعين المجرَّدة؟

2-(الأنف والشَّم)، وَأَشَمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ، ولا نعلم فحوى تلك الرائحة التي كان يشمها أمير المؤمنين (ع).

3-(الأذن والسمع)، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).

هذه الشواهد الحسيَّة التي صرَّح بها الإمام علي (ع) في تلك اللحظة وفي ذلك اليوم النوراني، وكما أننا يجب ألا نغفل الشهادة العظيمة لسيد الخلق وأشرف مخلوق وأكرم الخليقة محمد بن عبد له الله له حيث قال له: (إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ)، أي أنك تتمتَّع بكل الصفات والمزايا التي جعلها الله لي إلا مسألة واحدة ألا وهي النبوة ولكنه وصيه المنتجب، أي أنه كان منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي وبدء تنزل القرآن الحكيم شريكاً كاملاً بالرسالة فمحمد النبي والرسول الذي يتلقى الآيات والسور القرآنية الكريمة، وهو يقرأها ويعلمها تفسيراً وتأويلاً لوصيه علي (ع)، ثم يبلغها للأمة الإسلامية فكان النبي محمد هو القائد والرائد الأول عن تبليغ الدِّين الإسلامي العظيم، وعلي هو الوصي والإمام والولي والأمين عليه من بعده.

سلوني عن القرآن

وهذه الكلمة لم ولن يقولها أحد ويصدق فيها إلا أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب (ع) ربيب رسول الله الخاتم، حيث كان يقول: (سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَبَرَأَ اَلنَّسَمَةَ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِالتَّوْرَاةِ مِنْ أَهْلِ اَلتَّوْرَاةِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ بِالْإِنْجِيلِ مِنْ أَهْلِ اَلْإِنْجِيلِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرْآنِ، وَاَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَبَرَأَ اَلنَّسَمَةَ مَا مِنْ فِئَةٍ تَبْلُغُ ثَمَانِينَ رَجُلاً إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ [إِلاَّ] وَأَنَا عَارِفٌ بِقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا، وَسَلُونِي عَنِ اَلْقُرْآنِ فَإِنَّ فِي اَلْقُرْآنِ بَيَانَ كُلِّ شَيْءٍ، فِيهِ عِلْمُ اَلْأَوَّلِينَ وَاَلْآخِرِينَ، وَإِنَّ اَلْقُرْآنَ لَمْ يَدَعْ لِقَائِلٍ مَقَالاً (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللّٰهُ وَاَلرّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ)، لَيْسَ بِوَاحِدٍ رَسُولُ اَللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ] مِنْهُمْ أَعْلَمَهُ [عَلَّمَهُ] اَللَّهُ إِيَّاهُ فَعَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ثُمَّ لاَ تَزَالُ فِي عَقِبِنَا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ ثُمَّ قَرَأَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ (بَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ)، وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَاَلْعِلْمُ فِي عَقِبِنَا إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ). (كتاب سُليم: ج۲ ص۹4۱)

وفي رواية أخرى يقول (عليه السلام): (كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَجَابَنِي وَإِنْ فَنِيَتْ مَسَائِلِي اِبْتَدَأَنِي فَمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ فِي لَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ، وَلاَ سَمَاءٍ وَلاَ أَرْضٍ، وَلاَ دُنْيَا وَلاَ آخِرَةٍ، وَلاَ جَنَّةٍ وَلاَ نَارٍ، وَلاَ سَهْلٍ وَلاَ جَبَلٍ، وَلاَ ضِيَاءٍ وَلاَ ظُلْمَةٍ، إِلاَّ أَقْرَأَنِيهَا وَأَمْلاَهَا عَلَيَّ، وَكَتَبْتُهَا بِيَدِي، وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا، وَتَفْسِيرَهَا، وَمُحْكَمَهَا وَمُتَشَابِهَهَا، وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا، وَكَيْفَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَفِيمَنْ أُنْزِلَتْ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، دَعَا اَللَّهَ لِي أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْماً وَحِفْظاً، فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اَللَّهِ، وَلاَ عَلَى مَنْ أُنْزِلَتْ إِلاَّ أَمْلاَهُ عَلَيَّ). (بصائر الدرجات: ج۱ ص۱۹۸)

وأحاديث أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) كثيرة جداً في ذلك، حتى لا تدع مجالاً للشك والريب بأنه أمين الله على كتابه ووحيه، وبالتالي على دينه ورسالته، من بعد رسول الله (ص) فكان التنزيل والتبليغ لرسول الله محمد (ص)، والتفسير والتأويل لولي الله علي (ع)، فالشعاع والنور الذي انبعث والقرآن الذي انطلق من غار حراء في يوم المبعث الشريف كان من لحظتها مرسوماً إلهياً بينهما، ظهرت نتائجه وتأكدت قواعده على طول سنوات الرسالة ولكن كان عقد البيعة العامة من الأمة في يوم الغدير الأغر حيث بايعه الجميع حتى النساء ولكن نكثوا بيعته وانقلبوا على أعقابهم حباً للسلطة والرئاسة من رجال قريش المعروفين.

وفي هذه المناسبة العطرة نستذكر ذاك الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (رحمة الله عليه) وأدبه وشعره الراقي مثله، وقصيدته التي قالها في المبعث الشريف وعنوانها "مطلع النور" حيث يقول فيها:

نادى فما برح الخلود يردِّد .... والأرض تصغي والسماء تؤيِّدُ

أنا قد أتيت فيا منابر كبِّري .... لله فالنيران بعدي تخمدُ

أنا قد أتيت فليس يبقى ظالم ... أنا قد أتيت فكل عبد سيِّدُ

أنا صولة الأقدار حيث أقودها .... فلها ملائكة السماء تجنَّدُ

أنا آية لا الملحدون تنكبوا .... عنِّي ولا الأصنام بعدي تعبدُ

أنا كنت في صلصال آدم قبلةً .... إذ قال ربك للملائكة: اسجدوا

أنا بالعدالة سوف أنشئ أمة .... لا ظالم فيها ولا مستعبدُ

أنا سوف ألغي الجاهلية فالورى .... عندي سواء أبيض أو أسودُ

أنا بالقيامة شافع ومشفَّع .... وعلى الصِّراط مؤيَّد ومسدَّدُ

أنا سوف أفعل ما أقول وما أرى .... فخراً به فأنا النبي محمَّدُ

اضف تعليق