قصة التصدق بالخاتم

مازلنا في رحاب الأيام الولائية النورانية في هذا الشهر المبارك، ومنها أنه يُصادف يوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة ذكرى تصدُّق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه أثناء صلاته، ونظراً لأهمية هذه الذكرى، وأنها من أعظم أدلة الولاية العلوية، بما انطوت عليه من مفاهيم واضحة، ومضامين إيمانية لها أبعادها ودلالاتها العميقة التي أنزل الله تعالى فيها آية الولاية وفرض فيها طاعة أمير المؤمنين الإمام علي (ع) على المسلمين حيث قال عزّ وجلّ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (سورة المائدة، الآية: 56)

فما هي قصة نزول هذه الآية الكريمة؟ وما هي دلائلها؟ وكيف استفدنا منها مسألة الولاية؟

أطال العلماء والمفسرون البحث حول هذه الآية المباركة، وتجاهلها أهل الزيغ والنصب وحاولوا لي عنق كل الروايات الواردة في شأن نزولها، وتحديد الشخص الوحيد التي نزلت فيه، وحاله الذي كان عليها ليكون الحال أبلغ في المقال، فالحال من صاحب الصدقة، ولكن المقال نزل من ربه من فوق عرشه نزل به جبرائيل على رسول الله (ص) فيُكبِّر الرسول الأعظم (ص) تكبيرة نصر على هذا الفضل الكبير الذي نزل عليه يؤيد ما في قلبه الكبير.

فالمسألة ليس بنفس تلك الصدقة التي تصدَّق بها أمير المؤمنين (ع) على ذاك الفقير الذي جاء يسأل في مسجد النبي الأكرم (ص)، وربما السائل كان ملاكاً من ملائكة الرحمن العظام، ولكن المسألة هي مسألة بيان هذا المنصب الرفيع المتمثِّل بالقيادة والوصية والإمامة بعد الرسول الأعظم (ص) وإرادة الله تعالى في ذلك، إذ أن مسألة الإمامة وهي صنو النبوة لا شأن ولا طاقة للبشر فيها إلا الرضا والإيمان والطاعة والتسليم المطلق لإرادته تعالى في تعيينها وتحديد صاحبها، بل هي لا شأن للرسول الأكرم (ص) فيها بل هي من مختصات الباري تعالى، الذي يخلق ويختار لهذا المنصب الخطير أهل الطاعة، والطهارة إذ أنه منذ الأزل قانونه في ذلك: (لا ينال عهدي الظالمون) كما أكَّد ذلك لخليله إبراهيم (ع) بطل التوحيد.

أسباب نزول الآية الكريمة

من فاتحة القول عند البحث في تفسير أي آية كريمة علينا أن نعرف تاريخ الآية وهو ما اصطلح عليه علماء المسلمين بأسباب النزول لمعرفة الأجواء والظروف التي نزلت فيها الآية ومنه ننطلق لمعرفة الأطياف والمعاني والانعكاسات الاجتماعية والدروس المستفادة من الآية، والبحث يكتمل عندما يتفق كل علماء المدارس الإسلامية لا سيما التيارين الشهر بينها السنة والشيعة يكون الأثر المتفق عليه من المتواترات، ولا أقل من المشهورات المتفق عليها لتكون الآية أقوى بالدلالة التي تدور حولها.

في تفسير البرهان

يروي السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان، وغاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قول الله عز وجل: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، قال: إن رهطاً من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلَّام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن صوريا فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا نبي الله إن موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمَنْ وصيَّك يا رسول الله؟ ومَنْ وَلِيَّنَا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة و هم راكعون).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا فقاموا وأتوا المسجد فإذا سائل خارج فقال (صلى الله عليه وآله): يا سائل هل أعطاك أحدٌ شيئاً؟ قال: نعم هذا الخاتم قال: مَنْ أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يُصلي، قال: على أيِّ حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً؛ فكبَّر النبي (صلى الله عليه وآله) وكبَّر أهل المسجد؛ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): عليٌّ وليكم بعدي قالوا: رضينا بالله رباً، و بمحمد نبياً، وبعليٍّ بن أبي طالب ولياً، فأنزل الله عز وجل: (ومن يتول الله ورسوله و الذين آمنوا - فإن حزب الله هم الغالبون)

في تفسير الألوسي

ويقول السيد الآلوسي في تفسيره: غالب الأخباريين على أنها نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فقد أخرج الحاكم، وابن مردويه، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متصل قال: "أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس وأن قومنا لما رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وصدقناه رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشقَّ ذلك علينا، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): إنما وليكم الله ورسوله، ثم إنه (صلى الله عليه وآله) خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم خاتم من فضة، فقال: مَنْ أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم، وأومأ إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): على أي حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع، فكبَّر النبي (صلى الله عليه وآله) ثم تلا هذه الآية) (تفسير الألوسي (5/ 28)

ورواية أخرى في الآية الكريمة

ونأخذ رواية أخرى رواها الحاكم الحسكاني عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى يوماً بأصحابه صلاة الظهر وانصرف هو وأصحابه فلم يبقَ في المسجد غير علي قائماً يصلي بين الظهر والعصر، إذ دخل المسجد فقير من فقراء المسلمين، فلم يرَ في المسجد أحداً خلا علياً، فأقبل نحوه فقال: يا ولي الله بالذي تصلي له أن تتصدق عليَّ بما أمكنك، وله خاتم عقيق يماني أحمر كان يلبسه في الصلاة في يمينه، فمدَّ يده فوضعها على ظهره وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له، ومضى، وهبط جبرئيل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: فقد باهى الله بك ملائكته اليوم، اقرأ: (إنَّمَا وَليّكم اللّه وَرَسوله) (شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني النيسابوري 1 / 212)

فبهذه النصوص ومن مصادرها المختلفة نعلم أن مسألة الولاية كانت بالخصوص والنصوص لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ولذا تستغرب إذا قرأت عن تواتر تلك الأحاديث الخاصة بولاية ولي الله الأعظم (ع)، الموصوفة في هذه الآية الكريمة، والمنصوب صاحبها في يوم غدير خم، مع مبايعة كل الحجيج الذين كانوا مع رسول الله (ص) وهم يزيدون عن مئة وعشرين ألف، بايعوا جميعاً – إلا الذي سأل العذاب فجاءه سريعاً فخرَّ صريعاً – وباركوا وهنؤوا سيدهم ومولاهم وقال عبد الله بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب له يومها: " بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى".

وفي يوم الغدير وفي خطبة الرسول الأعظم (ص) أشار إلى هذه الآية الكريمة بقوله: (معاشر الناس، وما قصرت فيما بلغت، ولا قعدت عن تبليغ ما أنزله، وأنا أبين لكم سبب هذه الآية: إن جبرئيل (ع) هبط إليَّ مراراً ثلاثاً، فأمرني عن السَّلام ربِّ السَّلام، أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود: أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ووليكم بعد الله ورسوله نزل بذلك آية هي: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ) وعلي بن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله تعالى في كل حال). (عيد الغدير أعظم الأعياد في الإسلام، السيد محمد الشيرازي: ص15)

وهذا تفسير ونصٌّ من رسول الله (ص) بتسمية الإمام علي بن أبي طالب (ع) للولاية، وأنه (الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع)، دون غيره من الخلق أجمعين، وحديث الغدير وخطبته من الأحاديث المتواترة كما يذهب الكثير من علماء العامة، كما يقول أبو الخير شمس الدِّين محمد بن محمد بن محمد الجزري الشافعي في حديث الغدير: "تواتر عن أمير المؤمنين علي (عليه السَّلام)، وهو - أي حديث الغدير- متواتر أيضاً عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، رواه الجم الغفير، ولا عبرة بمَنْ حاول تضعيفه ممَنْ لا إطلاع له في هذا العلم، فقد ورد مرفوعاً عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وزيد بن أرقم، وبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وحبشي بن جنادة، وسمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت" (أسنى المطالب: 47)

ويقول حجة الإسلام الغزالي: "أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: (مَنْ كنتُ مولاه فعلي مولاه، …) فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى، فهذا تسليم، ورضى، وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة …" (سر العالمين وكشف ما في الدارين للغزالي: 10)

ولقد صرّح بتواتر حديث الغدير جماعة آخرين من علماء السنة منهم: شمس الدِّين محمد بن محمد بن الجزري الشافعي في كتابه (أسنى المطالب: ص 47)، والقسطلاني في (شرح المواهب اللدنية: 7 / 13)، و القاسم بن محمد المنصور بالله في كتابه (هداية العقول إلى غاية السؤول في علم الأصول: 2/ 45)، ويأتيك جاهل بالجهل المركب من نجد وأتباع قرن الشيطان ليُنكر الحديث من أصله وينفيه من التاريخ، ويُهرِّج ويُمرِّج على العوام ويصول ويجول بجهل عجيب وغريب يُضحك الثكلى.

فحديث الغدير عند علماء الحديث حديث متواتر لا شك ولا ريب فيه، وصاحبه، ورائده، والذي رفع رسول الله (ص) يده حتى بانَ بياض إبطيهما كان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) وليس أحد غيرهم من العالمين، فهو صاحب الولاية العظمى في آية التصدق بالخاتم، وهو صاحب البيعة الغديرية المباركة، ولا أحد يُنكره إلا أهل العناد وقاتل الله العناد، والنواصب قديماً وحديثاً قطعان الظلام الصهيووهابية المجرمة الذين لا يعرفون من الدِّين إلا ابن تيمية وأتباعه كابن عبد الوهاب الذي سقاهم من بوله وبول الجمل إلى أن أعماهم وأصمَّهم وأضلَّهم وأغواهم.

الولاية والأمارة لصاحب الغدير

فالإنصاف والحقيقة تقول: بأن الله سبحانه لا ولم يترك عباده بلا حجة له عليهم، ورسول الله (ص) حاشاه أن يترك امته هملاً – كما قالت تلك المرأة للخليفة وهو يموت: أوصِ ولا تترك الأمة هملاً – بل ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، كما يروون في الصحاح: (وعظَنا رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ) مَوعظةً ذَرَفَتْ منها العيونُ ووجِلَتْ منها القلوبُ فقلنا: يا رسولَ اللهِ إنَّ هذه لموعِظَةَ مُوَدِّعٍ فماذا تعهَدُ إلينا؟

فقال: تركتُكم على البيضاءِ ليلِها كنهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالِكٌ، ومن يَعِشْ منكم فسَيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرَفتُم من سُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ المهدِيِّينَ الرَّاشدينَ) (أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144)

ولكن هذه الأمة تركت المحجة البيضاء وتبعت رجال قريش الذين أرادوا السلطة والحكم وغفلوا عن الدين وأحكامه التي ستضيِّع الأمة من بعدهم، لا سيما حين آلت السلطة إلى أبناء الشجرة الملعون في القرآن، بعد اثني عشرة سنة فقط، وحوَّلوها إلى ملك عضوض بعد ثلاثين سنة باستيلاء معاوية بن هند الهنود آكلة الكبود على مقاليد السلطة في الأمة الإسلامية وهي محرَّمة عليه وهو خارج منها ولا يموت عليها بل لا يموت إلا ويلبس الصليب كما في الروايات والنصوص الواردة عن رسول الله (ص) فيه.

فالأمير هو الذي يختاره الله، ويُنصِّبه رسول الله (ص) وليس مَنْ يدَّعي الأمارة، حتى ولو كان أحقر من الحقير كيزيد ومروان الوزغ وغيرهما من أمثالهما، فعن أمير المؤمنين(ع) قال: (أنه جاء إليه رجل فقال له: يا أبا الحسن، إنك تدَّعي أمير المؤمنين، فمَنْ أمَّرك عليهم؟

قال: الله عز وجل أمرني عليهم.

فجاء الرجل إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، أ يصدق عليٌّ فيما يقول: إن الله أمّره على خلقه؟

فغضب النبي (ص) ثم قال: إن علياً أمير المؤمنين بولاية من الله عز وجل، عقدها له فوق عرشه، وأشهد على ذلك ملائكته، إن علياً خليفةُ الله، وحُجةُ الله، وإنه لإمام المسلمين، طاعته مقرونة بطاعة الله، ومعصيته مقرونة بمعصية الله، فمَنْ جهله فقد جهلني، ومَنْ عرفه فقد عرفني، ومَنْ أنكر إمامته فقد أنكر نبوتي، ومَنْ جحد إمرته فقد جحد رسالتي، ومَنْ دفع فضله فقد تنقَّصني، ومَنْ قاتله فقد قاتلني، ومَنْ سبَّه فقد سبَّني؛ لأنه مني خُلق من طينتي، وهو زوج فاطمة ابنتي، وأبو ولدي الحسن والحسين، ثم قال (ص): أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه، أعداؤنا أعداء الله، وأولياؤنا أولياء الله) (عيد الغدير أعظم الأعياد في الإسلام: السيد محمد الشيرازي: ص 43، بحار الأنوار: ج36 ص227)

هذا هو الحق الصريح، في مسألة الولاية والنص الرباني في القرآن الحكم، والتفسير العلمي والعملي من الرسول الكريم (ص) لكيلا يدع مجالاً لقائل أو متقوِّل على الله ورسوله، ولكن الحق مرٌّ، واتباعه أمر صعب إلا على القلوب الطاهرة النقية التي ملئت إيماناً ويقيناً.

جعلنا الله من أهل الولاية وثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

18