فــرهـــاد الــهـيـــان/ترجمة: عباس كاظم

تواجه الحكومات والأنظمة بجميع أنواعها عادة حالات خاصة تضطر فيها إلى إعلان حالة الطوارئ، تلجأ إليها الدولة عندما تمر بأزمة حادة، وخاصة في فترات وقوع الكوارث الطبيعية كالسيول والزلازل، أو غير الطبيعية كالحروب والانقلابات العسكرية والثورات، وتصبح إدارة البلاد غير ممكنة بالطرق الاعتيادية، وبإعلان حالة الطوارئ تتجاوز الدولة الكثير من الحقوق المشروعة للمواطن والحريات التي أقرتها القوانين الموضوعة، لتتصرف وفق ما تقتضيه المصلحة العامة وما ترتئيه الدولة دون الرجوع إلى تلك القوانين.

ولعلّ أهم هذه الظروف الاستثنائية التي تشهدها أغلب البلاد هي ظروف الأزمات السياسية التي تعصف بها، والسبب في ذلك تصاعد الاختلافات والتناحرات السياسية بين الدول من جهة، وبينها وبين المعارضة من جهة أخرى، وتتمثل هذه الاختلافات تارة بالاغتيالات السياسية والانفجارات وممارسة شتى أنواع العنف الأخرى، وتارة أخرى بشن الحروب والهجوم المسلح العسكري من قبل دولة على أخرى، وفي بعض الأحيان تبرز بشكل مظاهرات واضطرابات داخلية أو القيام بانقلابات عسكرية داخل مؤسسات النظام القائم.

تعلن الدول حالة الطوارئ فوراً عندما تواجه مثل هذه الأزمات، وتعطي لنفسها الحق باستخدام شتى الوسائل المناسبة والممكنة لاحتواء الأزمة، بحجة إعادة النظام والاستقرار وتأمين المصالح العامة..

واللجوء إلى الأحكام العرفية وبسط يد العسكر في إدارة البلاد، واحد من الوسائل التي تتخذها السلطات للقضاء على الفوضى والاضطرابات وحينها تخضع البلاد لقوانين ومقررات عسكرية تسمح للعسكر في أن:

1- يفتشوا المنازل دون إذن مسبق.

2- يمنعوا المواطنين من السكن في المحلات التي يقطنونها ويرحلوهم عنها.

3- يمنعوا تجمع أكثر من ثلاثة أشخاص.

4- يقيموا المحاكمات الميدانية وعلى ضوئها يُحكم على المعتقلين وتنفذ فيهم الأحكام الصادرة.

5- يضعوا الحواجز على الطرقات وفي المحلات السكنية ليسيطروا بواسطتها على حركة الناس.

6- يعطلوا إصدار الجرائد والمجلات أو يخضعونها لرقابة مشددة.

7- يحلّوا المجالس الشعبية والنيابية والقوة التشريعية ويمنعوا أي نوع من أنواع الانتخابات.

لا تختلف الأنظمة بوضع هذه الإجراءات موضع التنفيذ، أياً كان نوعها دستورية برلمانية أو شمولية استبدادية، إلا بفارق بسيط هو أن الحكومات الديمقراطية تشرع تلك الإجراءات عن طريق آراء ممثلي الشعب في البرلمان؛ أي القوة التشريعية، بينما يتم اتخاذ مثل هذه الإجراءات في الحكومات الاستبدادية من قبل الملك أو رئيس الجمهورية أو رئيس القوة التنفيذية.

ولذلك احتوت قوانين ودساتير جميع الدول على مواد قانونية تعالج الحالات الطارئة عليها وتعترف بها بصورة رسمية.

الدستور الدائم الألماني

عبّر الدستور الدائم الألماني عن الحالة غير الاعتيادية بـ(الوضع الاضطراري)، فأعطت المادة 81 من هذا الدستور للمستشار الألماني في الأوضاع الاضطرارية صلاحيات واسعة، ففي حالة عدم المصادقة على أطروحاته في المجلس النيابي وعدم حصوله على أكثرية الآراء للاستمرار في الحكومة، فإن القانون يعطيه الحق بحل المجلس، وليس عليه تقديم استقالته أو التفاهم مع بعض ممثلي الشعب لتحقيق الأكثرية اللازمة لديمومة الحكومة، وإذا امتنع المجلس النيابي عن المصادقة على اللوائح والقوانين اللازمة التي يطرحها رئيس الحكومة، فإن القانون يسمح له (إعلان حالة الطوارئ التشريعية) ويرجع في مصادقة القوانين إلى مجلس ممثلي المحافظات والولايات والمقاطعات للمصادقة عليها وتنفيذها.. تستمر هذه الحالة طبقاً للقانون المذكور مدة ستة أشهر قابلة للتمديد لفترة ستة أشهر أخرى.

الدستور الفرنسي:

تعطي المادة 16 من الدستور الدائم الفرنسي رئيس الجمهورية صلاحية الحاكم المطلق في حالة تعرض البلاد إلى الطوارئ، ويتمتع بموجب هذه المادة بصلاحيات القوى الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) فيمكنه أن يقرر ما يشاء، تشمل حالة الطوارئ الاستثنائية هذه الحوادث التي قد تهدد أركان الجمهورية الفرنسية وتعرض استقلال البلاد ووحدة أراضيها للخطر، فلا يمكن للدولة أن تتعهد بالتزاماتها الدولية إلا عن طريق إعلان حالة الطوارئ.

وفي هذه الحالة فإن على رئيس الدولة أن يسلك كافة السبل المؤدية إلى إنقاذ بلده وإخراجه من الأزمة بأمان وفقاً لتشخيصه الخاص، مدة حكومة الطوارئ أيضاً يحددها الرئيس، وله أن يمددها للفترة التي يشاء وإلى أمد غير محدود.

القوانين الأمريكية:

يتمتع رئيس الجمهورية الأمريكي في زمن الحرب بصلاحيات واسعة، وذلك طبقاً للقوانين المعمول بها في أمريكا، فيستطيع أن يصادر الأموال والممتلكات الخاصة من أي شخص كان لصالح العمليات العسكرية، وكذلك إصدار أوامر الاعتقال للمتهمين بصورة مباشرة، وهذا ما مارسه (روزفلت) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أبان الحرب العالمية الثانية، فلم يكتف بإصدار الأوامر باعتقال اليابانيين المقيمين في أمريكا، بل طالت أوامره حتى الأمريكيين الذين ينحدرون من أصل ياباني، وبعد ذلك بفترة قصيرة صادقت المحكمة العليا لصيانة الدستور والحريات على هذه الصلاحيات، وأعطتها الصفة القانونية والرسمية.

تسجل هذه الملاحظات والوقائع في دول ما فتئت ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان، وتؤكد على ذلك منذ ما يناهز مائتي عام، وقد دفعت بعضها ثمناً باهضاً وتعرضت إلى ضربات ماحقة طالت كياناتها السياسية، واتهمت أمام العالم بخرقها لحقوق الإنسان.

النظم الإسلامية:

قبل أن نتطرق إلى طريقة التعامل مع الأوضاع الاضطرارية أو حالة الطوارئ، من قبل حكام الدول الإسلامية، لا بد من الإشارة إلى الفرق الشاسع بين النظم الإسلامية الحاكمة التي كانت سائدة فيها والموجودة حالياً، وبين النظام الذي يصبو الإسلام إليه، والتعرف على حدود وأبعاد كل منهما، ذلك لأنه لا يوجد أي تشابه بين النظام الإسلامي في زمن رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) وما آلت إليه الحكومات التي تدعى إسلامية وقد تختلف جذرياً ومن جميع الأبعاد معه.

فالحكومتان العباسية والأموية كانتا من أسوأ النظم التي شهدتها البشرية وعرفها التاريخ، لأن هدف الحكام في هذه الأنظمة يتلخص في التسلط والاستبداد، ولم يتوان هؤلاء الحكام، من أجل الوصول إلى هذا الهدف، عن ارتكاب شتى صنوف الجرائم ومختلف أشكال التعذيب والسجن والإعدامات التي طالت حتى الأبرياء، وكانت من ممارساتهم العادية.

ولذلك فالمقصود من النظام الإسلامي إنما هو النظام الذي أقامه رسول الله (ص) والإمام علي (ع) وليس المقصود كل نظام أطلق على نفسه مثل هذا العنوان.

ومع أن حدود دولة الرسول (ص) وحكومته كانت تنحصر في منطقة جغرافية صغيرة تدعى المدينة المنورة، فإن الرسول (ص) لم يسلب أو يتغاض قط عن أي حق من حقوق الإنسان، ولم يصادر حق أي شخص بحجة الحفاظ على المصلحة العامة أو المصالح القومية العليا، كما يفعل الكثير من الحكام، فلم يعلن رسول الله(ص) (حالة الطوارئ) طيلة فترة حكمه، حتى عندما كان يتعرض إلى هجوم الأعداء والضغوط من قبل قوى الشرك والضلالة، ولم يعط لنفسه صلاحيات واسعة واستثنائية في أحلك الظروف.

وكذلك كانت حكومة الإمام علي(ع) الذي انتخبه الناس وبايعوه للخلافة ليصبح خليفة على المسلمين بإرادتهم، فلم يلجأ إلى إعلان (حالة الطوارئ) قط رغم كل المشاكل والمتاعب التي واجهها في زمن خلافته، بل على العكس من ذلك كرس احترام الحقوق المدنية للشعب، وأطلق لهم حرية العمل والانتخاب، وحرية ممارسة حياتهم بالطريقة التي يرغبون، فهو لم يستخدم أساليب الأعداء الذين تألبوا عليه في أصعب وأشد الأزمات السياسية التي عصفت بواقع الدولة الإسلامية، ولم يتمثل سلوكهم الشاذ، لكنه أصر على أسلوبه الخاص في سياسة البلاد، والقائم على أساس الحفاظ على مصالح الناس - المؤالف منهم والمخالف - وصيانة حقوقهم.

الإمام علي (ع) والناكثون:

ليس لنكث البيعة في العرف السياسي السائد للحكومات والأنظمة بشتى صورها غير معنى واحد، وهو العصيان والتوسل بالفوضى والاضطرابات من أجل إسقاط الحكومة القائمة، وتتعامل الحكومات عادة مع مثل هؤلاء بأشد أنواع القسوة وبلا رأفة ورحمة، من أجل قمع حركتهم ووأدها في المهد، لكن الإمام علياً(ع) لم يتعامل مع الناكثين لبيعته بهذا الأسلوب، فعندما انتخب الإمام للخلافة بإجماع المسلمين وإرادتهم الحرة، رفض البعض -من أمثال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن سلمة الأنصاري وغيرهم- مبايعة الإمام ورفعوا لواء المعارضة. كان يمكن للإمام(ع) آنذاك -خاصة والبلاد كانت تجتاز مرحلة عصيبة من الثورة والفوضى السياسية والاضطرابات الداخلية- أن يلجا لقانون الطوارئ، ويقضي عليهم بحجة إعادة الأمن والاستقرار وحفظ الصالح العام ويلغي أي دور لهم في المجتمع، ولكنه لم يفعل ذلك ولم يأخذ منهم البيعة بالإكراه.

يوضع أمثال هؤلاء الأشخاص في حكومات اليوم تحت الإقامة الجبرية والمراقبة التامة لجميع تحركاتهم وسكناتهم؛ بينما الإمام علي(ع) لم يكتف بأن لم يضيق على هؤلاء بل أعطاهم مطلق الحرية في الإقامة والتحرك والتنقل، وهذا يعني الاعتراف بالحرية السياسية للإنسان بأروع صورها، واحترام رأي الآخر وإن كان مخالفاً، وإعطاءه الحق في أن يعارض ويمارس حقه بحرية كاملة.

كيف تعامل الإمام علي(ع) مع طلحة والزبير:

بعد أن يئس طلحة والزبير من تجاوب الإمام (ع) مع مطالبهم المتمثلة بإشراكهم في الأمر كنوع من الرشوة وثمناً لسكوتهم، قررا الرحيل إلى مكة لتحريك الناس وإثارتهم على الإمام، ولذلك جاءا إلى الإمام وطلبا منه السماح لهما بأداء مناسك العمرة، لكن الإمام ببصيرته الثاقبة صارحهما بحقيقة أمرهما: (إنكما لا تريدان العمرة بل الغدرة)، وهذا بالضبط ما كان يدور في خلدهما، ومع ذلك لم يمنعهما من الذهاب إلى مكة ولم يصادر حريتهما في ذلك.

لا ينسجم هذا المنطق مع الموازين السياسية السائدة اليوم، لأن أقل ما يفعله الحكام والمسؤولون عن الحكومات في مثل هذه الحالة، هو فرض الإقامة الجبرية عليهما في المكان الذي تسهل فيه مراقبتهما والسيطرة على تحركاتهما.

ولكن قيمة الحرية في منطق الإمام علي(ع) والتي أعطاها الله للإنسان أسمى وأغلى من التسلط والحكومة، وأساساً فإن فلسفة الحكومة لدى الإمام علي (ع) لا تقوم إلا على صيانة حقوق الإنسان وحفظها من المصادرة والاستهتار، وإذا حصل ذلك فإن الحكومة ستفقد مصداقيتها وفلسفة وجودها.

لم تمض فترة وجيزة إلا وطلحة والزبير وعائشة يجتمعون في مكة لتأليب الناس على الإمام علي(ع)، وعندما وصلت التقارير والأخبار عن نشاطات هؤلاء المعارضين لخلافته لم يكن رد فعله (ع) إلا أن قال: (إن هؤلاء قد تمالؤوا على سخط أمارتي، وأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف إن كفوا)(1).

وعندما استعد طلحة والزبير ومعهم عائشة وفئات من المعارضين والمخالفين من الأمويين وغيرهم للتحرك إلى البصرة، تحرك الإمام بدوره إلى البصرة ولكن ليس لمنازلتهم بل لإقناعهم بالرجوع عن الفتنة وعن خيار الحرب، ولكنهم كانوا قد وصلوها قبل الإمام علي(ع) وعاثوا فيها الفساد والخراب والدمار، ومع كل ذلك لم يبدأهم الإمام بالقتال إلا بعد أن أشعلوا هم أوارها فاستأصل فتنتهم.

كيف تعامل الإمام مع القاعدين عن حرب الجمل؟

لم يستجب البعض من أهل الكوفة إلى نداء التعبئة الذي أطلقه الإمام لحرب الجمل وبقوا في الكوفة، وبعد انتهاء حرب الجمل وانتصار الإمام فيها وعودته إلى الكوفة اكتفى الإمام(ع) بتوبيخ هؤلاء، وطلب من المسلمين أن يقاطعوهم، ولكنه لم يحاربهم في لقمة العيش فأبقى على رواتبهم جارية من بيت المال، لأنهم في النهاية يجب أن يكونوا ضمن جيش الإمام؛ يأتمرون بأمره عند الضرورة، ولكن بعض قيادات وأمراء جيش الإمام طالبت بالانتقام منهم ومعاقبتهم بأشد العقوبات، وكان من هؤلاء الأمراء مالك بن حبيب اليربوعي الذي جاء إلى الإمام وقال له: بالله عليك مرنا حتى نقتلهم، فأجابه الإمام: (سبحان الله يا مالك، جزت المدى وعدوت الحد وأغرقت في النزع)، فتمثل مالك بهذا البيت في جواب الإمام:

لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الأعادي(2)

ويقصد أن استعمال الشدة أفضل من مهادنة الأعداء، فقال له الإمام(ع): (ليس هكذا قضى الله يا مالك، قتل النفس بالنفس، فما بال الغشم؟).

وتلا بعدها هذه الآية (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) (3)، وأضاف: والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه، وذلك هو الغشم(4).

الإمام علي(ع) في صفين:

لقد اتخذ الإمام علي(ع) في صفين كافة التدابير اللازمة وأصدر أوامره الصارمة إلى أمراء جنده أن لا يبدأوا معاوية القتال، إلا أن معاوية اعتبر ذلك ضعفاً فعندما سيطرت قواته على مياه نهر الفرات، صادرها لقواته وحرم جيش الإمام منها، عندها خطب الإمام(ع) في جيشه خطاباً قصيراً أثار فيه حماسهم وطالبهم بالسيطرة على منابع الفرات(5)، ولما سيطر جيشه على الفرات أراد بعض قادته حرمان جيش معاوية من الماء طبقاً لمبدأ المعاملة بالمثل، ولكن الإمام رفض ذلك بشدة، ولم يسمح لجيشه أن يمنع الماء عن الجيش الأموي بحجة حالة الحرب القائمة، وأن ينتصر عليهم بالعطش، ولو كان قد فعل فلن يلومه لائم، لكن الإمام كان يعطي للإنسان الحق في الاستفادة من الموارد الطبيعية التي وهبها الله لعباده وليس لأحد أن يمنعه ذلك، لذلك أعلنها الإمام للجميع: (لا إنا لا نكافيك، هلم إلى الماء، فنحن وأنتم فيه سواء) (6).

لم يشأ الإمام أن يمنع الإنسان -وإن كان من الأعداء- الماء المباح للكلاب والخنازير، ففي مبدأ الإمام علي (ع) يجب الفصل بين حق الإنسان كإنسان وبين ما يعتقده ذلك الإنسان وعدم الخلط والمزج بين الاثنين، وبذلك أثبت الإمام علي(ع) أن للإنسان الحق في الحياة، حتى وإن كان على شاكلة معاوية بن أبي سفيان فإنه ليس لأحد أن يحرمه منها، واختلاف الآراء لا يبرر حرمان الإنسان من حقوقه الأساسية.

الإمام علي(ع) والخوارج:

يشكل سلوك الإمام علي(ع) مع الخوارج نموذجاً آخر لأهمية حرمة الإنسان وحقوقه في الإسلام. لقد مارس الإمام هذا السلوك مع الخوارج في الوقت الذي كانت فيه حكومته تمر بظروف غير اعتيادية، أو ما يصطلح عليه اليوم حالة الطوارئ، فعلم الفتنة والاضطراب كان مرفوعاً في أغلب المناطق، ولكن الطريقة التي تعامل بها أمير المؤمنين(ع) مع الخوارج تبين ما في مبدأ الإمام من مناقبية ومثالية في ظل الظروف الطارئة.

1- الخوارج يكفرون الإمام(ع):

إحدى الحيل العسكرية التي لجأ إليها معاوية في معركة صفين كانت رفع المصاحف على الرماح والدعوة إلى الاحتكام لكتاب الله، هذه الحيلة انطلت على الكثير من عناصر جيش الإمام علي (ع) أجبرت الإمام على القبول بوقف القتال وبالتحكيم في وقت كانت بوادر النصر الساحق تلوح بالأفق.

وعلى أثر ذلك تشكلت لجنتان من الطرفين المتنازعين للحوار والرضوخ إلى نتائج المفاوضات بينهما، رشح الإمام علي (ع) مالك الأشتر لرئاسة اللجنة التي تمثله فلم يرتضوه فرشح عبد الله بن عباس فلم ينل القبول منهم أيضاً، وأصروا على تشريح أبي موسى الأشعري الذي لم يكن الإمام يراه مناسباً لتمثيله في المفاوضات، لعلمه بشخصيته المتزعزعة وعدم حماسته له(7)، لكنه اضطر للرضوخ لرغبتهم تحت الضغوط والإصرار الذي مارسوه عليه، فعين أبا موسى الأشعري رئيساً للجنة المفاوضة مع ممثلي جيش معاوية، وكانت النتيجة معروفة عند أمير المؤمنين(ع) مسبقاً، ولكن عندما آلت النتائج إلى ما آلت إليه كان أول رد فعل للخوارج هو أنهم كفروا الإمام علياً(ع) لقبوله التحكيم وطالبوه بالتوبة!!(8).

لم يأمر الإمام باعتقال ومحاكمة ومعاقبة الخوارج بل أعلن مبادئه العامة في الحياة، القائمة على صيانة الإنسان وحقوقه (لكم عندنا ثلاث خصال لا نمنعكم مساجد الله أن تصلّوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بحرب حتى تبدأونا) (9).

2- الخوارج في النهروان:

اجتمع الخوارج في منطقة المدائن خارج الكوفة، وقرروا الخروج مع أنصارهم من البصريين إلى النهروان، في الوقت الذي كان الإمام(ع) يستعد للخروج إلى الشام، فاقترح بعض أمراء وقادة الجيش العلوي، من أجل الحؤول دون هجوم الخوارج على الكوفة والاعتداء على الأطفال والنساء، أن يقمعوا حركة الخوارج أولاً ومن ثم يتوجهوا مطمئنين إلى الشام لقتال معاوية، لكن أمير المؤمنين(ع) رفض الانصياع لمثل هذا الاقتراح، معتبراً إياه نوعاً من القصاص قبل ارتكاب الجريمة؛ ففي مبدأ الإمام علي(ع) أنه لا يستحق أحد العقاب بمجرد التهمة أو نية الفتنة، وما دام لم يرتكب جريمة؛ قتل أو فساد في الأرض، بل يرفض الإمام حتى توبيخه.

بيد أنّ الخوارج قاموا بقتل عبد الله بن الخباب وزوجته الحامل بلا ذنب، وبذلك تحقق فيهم ارتكاب القتل والفساد في الأرض، وشكلت هذه الحادثة السبب الذي أجاز للإمام قتالهم، إلا أنه(ع) لم يفقد الأمل بالإصلاح وتجنب الحرب والقتال وسعى كثيراً في سبيل ذلك، فطلب إليهم تسليمه قتلة عبد الله بن الخباب لينالوا القصاص العادل، لكنهم رفضوا ذلك وأعلنوا أنهم جميعاً قتلته، حينئذٍ أكد الإمام لهم بأنه في هذه الحالة سيقتص منهم جميعاً، لكنهم أصروا على مقولتهم ورفضوا تسليم القتلة، فلم يبق هنا من سبيل أمام الإمام علي(ع) سوى مقاتلتهم، ومع ذلك وطبقاً لمبدئه في عدم البدء بالقتال، صبر الإمام حتى بدأوه الحرب فصار الدفاع واجباً عليه.

3- الخوارج.. مؤامرات متواصلة..!

لم يمنع الخوارج اندحارهم وكسر شوكتهم في النهروان من متابعة أهدافهم الخبيثة، فراحوا بما بقي عندهم يحوكون المؤامرات ضد الإمام(ع)، ومن تلك المؤامرات أن جاءه يوماً خريت بن راشد وقال: (يا أمير المؤمنين بين أصحابك من يريد أن يتركك ويلتحق بالأعداء فماذا أعددت لذلك؟! فقال الإمام علي(ع): إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن.

فقال خريت مصراً: إني أظن أن عبد الله بن وهب وزيد بن الحصين الطائي يتآمران عليك، إنهما يقولان قولاً فيك لو ارتقى إلى مسامعك فإني على يقين بأنك إما أن تقتلهما أو تودعهما السجن المؤبد، فأجابه الإمام: إني مستشيرك فيهما، فبماذا تشير؟. فقال خريت: أشير عليك أن تستدعيهما وتضرب أعناقهما.. رفض الإمام هذه المشورة وقال: لقد كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني ولم يظهر لي عداوة، كان ينبغي لك لو أنني أردت قتلهم أن تقول لي: اتق الله بم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحداً ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك؟!).

وذات يوم جاء هذا الشخص إلى الإمام وقال بعصبية وغضب: سوف لن أطيعك بعد اليوم ولا أصلي معك أبداً وسوف أهجرك غداً، فحذره الإمام من مغبة أقواله وأفعاله وقال: ويحك، فهلمّ إليّ أدارسك وأناظرك السنن، وأفاتحك أموراً من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له منكر وتبصر ما أنت الآن عنه عَمٍ وبه جاهل، فقال خريت: سآتيك غداً، ومرة أخرى نصحه الإمام أن لا يقع في حبائل الشيطان(10)، لكنه خرج ولم يعد وأشعل تلك الفتنة المعروفة في التاريخ.

وصية الإمام إلى جارية بن قدامة:

كان معاوية قد أرسل بسر بن أرطاة على رأس قوة ضاربة إلى الحجاز واليمن، لتهديد أهالي تلك الأمصار وأخذ البيعة بالقوة منهم لمعاوية، فدفع الإمام علي(ع) بـ(جارية بن قدامة) على رأس قوة لصد بسر بن أرطاة وإفشال مهمته الخبيثة، وأوصاه بما يلي: (لا تسـتأثرن على أهل المياه بمياههم إلا بطيب أنفسهم... ولا تسخرن بعيراً ولا حماراً وإن ترجلت وحبست) (11).

علي(ع)على فراش الشهادة:

عندما اغتيل الإمام علي(ع) فجر التاسع عشر من رمضان بسيف ابن ملجم وكان ما زال به رمق، نادى: (لا يفوتنكم الرجل) (12)، وعندما استطاعوا الإمساك به أوصاهم أن يحسنوا إليه وقال: (إن أَبقَ فأنا وليُّ دمي وإن أُفن فالفناء ميعادي، وإن أعفُ فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فاعفوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله ما فجأني من الموت واردٌ كرهته ولا طائع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد وطالب وجد، وما عند الله خيرٌ للأبرار) (13).

ويؤكد أمير المؤمنين(ع) نفس هذا المعنى في وصيته إلى الحسن والحسين(ع) حيث يقول: (يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين خوضاً تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة ولا تمثلوا بالرجل فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور) (14).

فهل توجد مثل هذه المناقبية والمبادئ عند غير الإمام علي(ع)؟ وفي أية دولة في العالم تقع مثل هذه الحوادث ولا تعلن فيها حالة الطوارئ والأحكام العرفية؟! ولا يتعرض فيها الناس الأبرياء إلى الاعتقال العشوائي والأخذ بالظنة والتعذيب؟!.

فمن غير علي(ع) يقول لابنه: إن قاتلي أسيرك الآن فعامل أسيرك بالإحسان؟!.

مبادئ الإمام علي(ع):

مما تقدم يتضح لنا أن حالة الطوارئ وإعلان الأحكام العرفية ليس لها معنى في مبادئ الإمام علي(ع)، وليس في قاموسه السياسي قانونان: قانون للحالة العادية وقانون للظروف الاستثنائية، وبناءً على ذلك يمكننا أن ندعي وبقوة بأن الإمام علياً هو الحاكم الوحيد في العالم الذي واجه في حكومته الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية الداخلية والفتن المتنوعة الأشكال والضروب، فلم يلجأ إلى إعلان حالة الطوارئ، ولم يتوسل بالأحكام العرفية، وذلك هو الإعجاز بعينه.

وبهذا الأسلوب أغلق الإمام علي(ع) الباب على جميع الحكام والرؤساء في التوسل بالأحكام العرفية وإعلان حالة الطوارئ لمصادرة حقوق الإنسان والحريات العامة، ولم يبق لهم عذراً في ذلك، وبإعلانه لهذه المبادئ الإنسانية أثبت أن للإنسان في الإسلام حقاً وكرامةً لا يمكن بأي شكل من الأشكال مصادرتهما وليس لأحد تحت أشد الظروف العذر بإلغائهما والقفز عليهما، والمتشيع للإمام علي(ع) يجب أن يَقْفو آثار إمامه، والفرق كبير اليوم بيننا نحن الشيعة وبين الإمام، ففي فكر الإمام(ع) ومبادئه أن الإنسان لا يعدو كونه واحداً من اثنين (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

* دراسة نشرت في مجلة النبأ-العدد 62-رجب 1422/تشرين الأول 2001

..................................................
الهـــوامــش:
(1) وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري، ص4.
(2) ن.م: ص193.
(3) المصدر السابق.
(4) نهج البلاغة: خطبة 51.
(5) وقعة صفين: مصدر سابق، ص193.
(6) وقد ورد حديث للإمام أمير المؤمنين (ع) في هذا الشأن، هذا بعضه: (وقد كنت أمرتكم فيه هذه الحكومة بأمري، ونخلت لكم مخزون رأيي.. فأبيتم إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة)..
(7) نهج البلاغة: خطبة 35.
(8) ن.م: خطبة 58.
(9) نهج السعادة: محمد باقر محمود، 2/342.
(10) ن.م: ص485.
(11) ن.م: 5/370.
(12) طبقات ابن سعد: 3/36.
(13) نهج البلاغة: خطبة 23.
(14) ن.م: خطبة 47.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2