في مقال[1] للكاتب براين فيشمان، زميل أبحاث مكافحة الإرهاب في مؤسسة أمريكا الجديدة، نُشر على موقع فورين بوليسي، بتاريخ 23 تشرين الثاني 2016، استعرض فيه محاولة تنظيم القاعدة السيطرة على تنظيم داعش (الناشئ وقتئذ)، عبر ارسال احد اهم قادته المدعو عبد الهادي العراقي، للتفاوض مع الزرقاويين المتمردين واعادتهم الى المنظمة الام.

تبدأ القصة عندما تلقت مديرية مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب في مدينة غازي عنتاب الحدودية التركية اتصالا من مجهول يوم 16/تشرين الاول/2006. المتصل الغامض قدم معلومات سرية حول مواطنين إيرانيين كانوا يسافرون عن طريق المدينة المحاذية لسوريا بجوازات سفر مزورة، وأوضح المتصل نوع ورقم السيارة التي يستقلونها.

لم تكن مدينة غازي عنتاب معروفة عالميا، حتى بعد أن نشبت الحرب في سوريا. لكنها أصبحت -وعلى حين غفلة- مركزا لمختلف أنواع البشر سواء كانوا من اللاجئين – او الجهاديين الأجانب والجواسيس والصحفيين وعمال الإغاثة وغيرهم. وبالنسبة لكثير من الجهاديين فان السفر بغية الانضمام إلى "الدولة الإسلامية" يمر عبر غازي عنتاب كمحطة اخيرة قبل دخولهم ما يسمونها "دولة الخلافة".

المهم في الموضوع ان السيارة المبلغ عنها تم اعتراضها وفيها رجلان وامرأة، وأربعة أطفال. قائد المجموعة قدم نفسه على أنه مواطن ايراني يُدعى محمد رضا رضائي، واثبت ذلك بجواز سفر إيراني.

وليس من الواضح مدى معرفة الشرطة المحلية التركية بهوية محمد، ولكن جهات اخرى، بما فيها وكالة المخابرات المركزية، عرفت قليلا عنه. كانوا يعرفون أن اثنين من عناصر تنظيم القاعدة التركي، محمد يلمز ومحمد الفاتح رست - اسيك، قد سافرا إلى إيران لمساعدة هذا الشخص وعائلته على عبور الحدود إلى تركيا. وسبق ليلماز ان قاتل في أفغانستان، وربما يكون قد قدم المساعدة لسلسلة من التفجيرات في عام 2003 والتي ضربت اسطنبول. كانوا يعرفون أن المشتبه به الثاني، محمد بولات، ناشط في تنظيم القاعدة، وقد التقى محمد رضائي وعائلته في غازي عنتاب.

الأهم من ذلك، أنهم كانوا يعرفون أن الرجل الذي اعتقلوه في غازي عنتاب كان ليس محمد رضا رضائي ولا عبدالرحمن بن يار. ولم يكن بالتأكيد لاجئا في طريقه إلى أوروبا.

في الواقع، ان الرجل الذي القت شرطة المدينة القبض عليه معروف باسم (عبد الهادي العراقي)، وكان في مهمة يائسة لتأكيد سلطة تنظيم القاعدة على التابع المتمرد في العراق اي اتباع الزرقاوي.

لا بد وان عبد الهادي، وهو في قبضة الامن التركي، قد احس بان مهمته قد فشلت، او أُفشلت -لكن من غير المرجح انه على علم الى اي مدى ستكون العواقب سيئة. ومع إلقاء القبض عليه، كان تنظيم القاعدة قد خسر واحدا من أهم عناصره الإبداعية، وهو في مهمة جريئة لفرض سيطرته على فرع التنظيم الثائر على القاعدة في العراق- وهو الفرع الذي سيتطور في نهاية المطاف إلى درجة ان يصبح المنافس اللدود لزعامة الحركات الجهادية.

لم يعلن تنظيم "الدولة الاسلامية" الخلافة حتى عام 2014. في الواقع، قبل يوم واحد فقط من اعتقال عبد الهادي، اعلن فرع تنظيم القاعدة في العراق قيام دولة العراق الإسلامية –المكلف بحكم الأراضي التي تحت سيطرتها- وفي نهاية المطاف إعادة تأسيس الخلافة.

قيادة القاعدة، المختبئة في المناطق القبلية الباكستانية البعيدة عن العراق، لم تستشر. لذا كان ذلك إعلان تحدي عميق لسلطة تنظيم القاعدة، وأنذر بصدام عنيف، وطلاق بين المنظمة الجهادية وما يمكن أن تصبح، مستقبلا "الدولة الإسلامية".

هذه هي قصة العلاقة الرابطة بين تنظيم القاعدة في وقت مبكر والمنظمة التي اصبحت فيما بعد "الدولة الإسلامية". وفشلت الجهود التي بذلتها المنظمة الجهادية القديمة لثني قادة التنظيم الجديد المغرورين بسلطتهم. والملاحظ ان الاختلاف بين المجموعتين مر بالعديد من التقلبات والمنعطفات، من أهمها ما حدث في تشرين الثاني 2006، قبل وقت طويل من ظهور "الدولة الإسلامية" كاسم مألوف، وكانت تلك هي الخطوة الاكثر جرأة لتنظيم القاعدة لكبح جماح حليفها العراقي الثائر، ومع ذلك، فقد انتهى الامر بغياب واحد من أبرز قيادييها في سجن غازي عنتاب.

وفي تتبع دقيق لحياة عبد الهادي نلاحظ ان (نشوان عبد الرزاق عبد الباقي، وهذا الاسم الحقيقي له) قد وصل الى باكستان في عام 1990 بعد وقت قصير من انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان. وهو كردي من مدينة الموصل العراقية، كان قد خدم في الجيش العراقي ابان الحرب بين إيران والعراق، وكنيته -أو أسمه الحركي- تباين في تلك السنوات. ففي بعض الأحيان، ادعى انه عبد الهادي الموصلي، وأحيانا اخرى عبد الهادي الأنصاري، ولكن في النهاية أصبح معروفا باسم عبد الهادي العراقي.

مثل العديد من الجهاديين في ذلك الوقت، عاش عبد الهادي في باكستان اثناء الحرب الأهلية بين فصائل المجاهدين الأفغان، والتي اندلعت في أفغانستان بعد الانسحاب السوفيتي. ويبدو أنهم قد عبروا الحدود إلى أفغانستان في عام 1995 أو عام 1996، وحين بسطت حركة طالبان سيطرتها على معظم مناطق البلاد، سارع عبد الهادي الى وضع خبرته العسكرية العراقية تحت تصرف الحركة، ليصبح زعيم ما يسمى (كتيبة الأنصار) وهي وحدة عسكرية مكونة من الأجانب الذين قاتلوا إلى جانب طالبان. بعد هجمات 11/ ايلول، تم الكشف عن مخطط هيكل كتيبة الأنصار، وإجراءات التدريب، والتوجيه الأيديولوجي جنبا إلى جنب مع نسخة عبد الهادي من كتيبة الجيش العراقي الذي رافق الاخير طيلة حياته السابقة.

وبعد سنوات، وفي مواجهة الجدل الدائر بين المحللين حول استخدام "الدولة الإسلامية" لعدد من تكتيكات العسكرية العراقية كدليل على أن البعثيين السابقين كانوا يقودون عمليات المجموعة. والكاتب برايان فيشمان لا يستبعد ذلك، لكنه يرى عقيدة الجيش العراقي متأصلة في تنظيم القاعدة وفي سنوات التدريب العسكري، ليس لأن صدام حسين كان يدعم هذه المجموعات، بل لأن الرجل الذي قاد الجهود العسكرية لتنظيم القاعدة قد انضم إلى هذه الجماعة الجهادية بعد حياة مهنية في الجيش العراقي.

بحلول عام 1998، كان عبد الهادي نجما صاعدا في تنظيم القاعدة. وكان يشرف على دار استراحة القاعدة في كابول، وكان واحدا من بين ستة عرب وردت اسماؤهم في لجنة الاتصال العربية مع طالبان. وهذا اعطاه السلطة للتدخل نيابة عن العرب في أفغانستان عندما كان لديهم طلب من حكومة طالبان. كما انه ضمن قائمة قصيرة من الأجانب المدرجة في "مجموعة باميان"، والذي يزعم المحققون الأمريكيون انه شارك في عملية طالبان سيئة السمعة لتدمير تماثيل بوذا في باميان اذار 2001. وفي حزيران 2001، كان عضوا في اللجنة الاستشارية لتنظيم القاعدة، وهي الهيأة الاستشارية لأسامة بن لادن.

في أعقاب هجمات 11/ ايلول وسقوط طالبان، كان حينها عبد الهادي قائد تنظيم القاعدة في شمال أفغانستان، ويظهر أنه تورط في عمليات خارجية، مثل العملية التي قام بها ريتشارد ريد، مفجر الحذاء الذي حاول تفجير طائرة من باريس الى ميامي في كانون الاول عام 2001، وادرج عبد الهادي كمستفيد ثان في وصيته المكتوبة بخط اليد.

ولا غرابة حين نعلم ان عبد الهادي أيضا دفع استراتيجية القاعدة تجاه العراق. وقبل 11/ايلول، بقي على اتصال مع عائلته وأصدقائه قرب الموصل، كذلك لديه اتصال مع مخيم يتضمن العديد من (مضافات) للتدريب سمي بمخيم الاكراد، مما يشير إلى ان بعض الأكراد العراقيين قد تدربوا هناك.

لعب عبد الهادي أيضا دورا رئيسا وثانويا في تبني تنظيم القاعدة لأبي مصعب الزرقاوي، العراب الأردني لما سمي لاحقا بـ"الدولة الإسلامية". اتهم عبد الهادي الجهادي السوري أبا مصعب السوري بمحاولة صيد المجندين من دار ضيافة تنظيم القاعدة في كابول - وبتنسيق مباشر مع كبار نشطاء القاعدة سيف العدل وأبي حفص المصري لوضع استراتيجية تعويضية. ومن بين تلك الجهود كانت استراتيجية لدعم الزرقاوي، للحد من الدعم لابي مصعب السوري من المجندين الجهاديين من بلاد الشام.

علاقات عبد الهادي كانت مهمة عندما حول الزرقاوي نشاطاته من افغانستان الى العراق بعد هجمات 11/ ايلول. وقد ساعد تنظيم القاعدة الزرقاوي على إقامة معسكر تدريب في أفغانستان، ولكن الأردني الشاب لم يبايع بن لادن في حينها. وعقد مفاوضاته مع القاعدة بمجرد وصوله إلى العراق. وفي عامي 2003 و 2004 تواصل الزرقاوي بانتظام مع تنظيم القاعدة، وطلب الدعم المالي والتفاوض حال ادائه قسم الولاء. تمت ترقية عبد الهادي من قبل سيف العدل لمنصب قيادة قوات القاعدة في شمال أفغانستان بعد 11/ ايلول. وفي الطرف الاخر كان هناك المزيد من البلاغات ضد الزرقاوي، جنبا إلى جنب مع سيف العدل، وشغل عبد الهادي منصبه كواحد من ابرز المحاورين لتنظيم القاعدة مع الزرقاوي في العراق.

كان التواصل بين العراق وجنوب آسيا محفوفا بالمخاطر بسبب الجغرافيا والمخابرات المعادية مما جعل السفر خطرا. وكان بالامكان اعتراض الاتصالات الإلكترونية أو الهاتفية. في الواقع، عندما طلب الزرقاوي الدعم المالي من تنظيم القاعدة عام 2003، رفض عبد الهادي ظاهريا خوفا من أن يتم الاستيلاء على الموارد المالية الشحيحة اثناء عبورها الحدود، ونجح الاخير في نهاية المطاف في إيفاد مبعوثين للتفاوض مع الزرقاوي، كالباكستاني حسن غول.

عندما التقى غول والزرقاوي في كانون الثاني عام 2004، أوضح الزرقاوي صراحة بأن استراتيجيته في العراق كانت للتحريض على العنف الطائفي، وانه سيغتال الزعماء السياسيين والدينيين الشيعة حتى تنشب الحرب الطائفية. نقل غول خطة الزرقاوي لعبد الهادي الذي -وفقا لملخصات للمحادثة التي نشرتها لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الامريكي- أجاب انه "يعارض أي عمليات في العراق من شأنها تعزيز سفك الدماء بين المسلمين." وبعد القبض على غول من قبل قوات مكافحة الإرهاب الكردية عام 2004 وهو في طريقه للخروج من العراق ابلغ المحققين في وكالة المخابرات المركزية أن عبد الهادي "نصح الزرقاوي بعدم القيام بمثل هذه العمليات".

وكانت مخاوف عبد الهادي تنقسم الى جانبين: اعتراضه على نهج الزرقاوي الوحشي، ورؤيته الاستراتيجية المنفصلة. ولكن بسبب المسافة وفشل الاتصالات لم يكن هناك صورة واضحة للأحداث في العراق. وكان من الصعب التقييم حقا، ناهيك عن انتقاد نهج الزرقاوي.

ولحسن حظ عبد الهادي، كان هناك العديد من أعضاء تنظيم القاعدة يحرصون على السفر إلى العراق للقتال. وتأمل زعيم تنظيم القاعدة أنه بامكانه تضمين عناصر موثوق بهم على أرض الواقع، ومن ثم مزيدا من النفوذ على الزرقاوي. فأمر عبد الهادي غول بمناقشة هذه المسألة مع الزرقاوي، وتطوير رحلات المقاتلين إلى العراق.

كان الزرقاوي يتمتع باستقلالية كبيرة، لذلك كان ذلك موضوعا حساسا، ولكنه انفتح على الفكرة وطلب المقاتلين ذوي المهارات التقنية المحددة.

وتأثرا برغبة الزرقاوي في التعاون، اقترح عبد الهادي شيء أكثر راديكالية: ان يأتي شخصيا إلى العراق. ولكن الزرقاوي لم ير فائدة في المجندين الجدد، فكيف بقادة التنظيم او القادة الكبار فيه، حتى لو كانوا عراقيين بالأصل. ولعل الزرقاوي شعر بالقلق وعد تلك الخطوة تحديا ضمنيا لقيادته، لذا رفض الاقتراح، كما قال غول، في تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، أن "هذه الفكرة سيئة، كما ان العمليات في العراق تختلف كثيرا عن تلك التي اختبرها عبد الهادي في أفغانستان". وفي ذلك الوقت، لم يأخذ عبد الهادي هذا الكلام على محمل الجد، فغامر بالقدوم الى العراق وسقط اسيرا نتيجة لذلك.

ووفقا للصحفي التركي البارز روسين جاكير، كانت وكالة الاستخبارات المركزية متورطة بشدة في مراقبة والقبض على عبد الهادي. وذكر الصحفي في مقاله الذي نشر في تشرين الثاني/ 2014 " أن أعضاء تنظيم القاعدة التركي يلماز ورست - اسيك عبروا إلى إيران لمساعدة عبد الهادي وعائلته على اجتياز الحدود، ومن ثم ارشاده الى غازي عنتاب للمرحلة النهائية من الحدود السورية. ويبدو انه تم تتبع عبد الهادي إلكترونيا طوال هذه الرحلة، إلا أن المسؤولين الأتراك، على ما يبدو، لم يعتقلوه بناء على بيانات المراقبة تلك. والمتصل المجهول على شرطة غازي عنتاب، والذي أكد أنه يتنقل بجواز سفر مزور، سمح باعتقاله من الناحية القانونية.

ومن السهل أن نتصور قلق المسؤولين الأميركيين حين نظرت تركيا بطلب لجوء عبد الهادي حتى محامي عبد الهادي، عثمان كاراهان، له تاريخ في تمثيل الجهاديين في تركيا، كان قد اتهم هناك بدعم الإرهاب. لكن الامر لم يثر قلق الامريكيين؛ فقد تم رفض طلب عبد الهادي للجوء. وفي 31/تشرين الاول/2006، تم اقتياده على متن طائرة الخطوط الجوية التركية من اسطنبول الى كابول، حيث كان المسؤولون الأميركيون بانتظاره في المطار هناك.

اليوم، عبد الهادي ينتظر المحاكمة في محكمة عسكرية في خليج غوانتانامو، حيث يتم عده واحدا من 17 معتقلا ذا اهمية عالية.

ولم يتضح بعد ما هدف زيارة عبد الهادي الى العراق. وكان كبيرا بما فيه الكفاية لتحدي -صراحة أو ضمنا- الزرقاوي أو أبي حمزة. ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت مهمته تتمثل في السيطرة على داعش أو ما إذا كان قادة التنظيم أيدوا هذه رحلة. ربما انه يهدف الى تنفيذ انقلاب؟ وربما انه يهدف الى اعادة بناء تنظيم القاعدة هناك بعيدا عن أنصار السنة؟ وربما كان حقا قد جاء بصفة مستشار؟ أو ربما وصوله قد عجل بالحرب المفتوحة بين الجهاديين التي ظهرت في وقت لاحق في سوريا.

طبيعة مهمة عبد الهادي تثير العديد من التساؤلات ويمكن ان توفر الكثير من الإجابات، الا ان توجهه الى العراق يخبرنا الكثير عن شبكة لوجستية لتنظيم القاعدة عام 2006. وهو لم يحاول العبور مباشرة الى العراق من إيران أو تركيا، لكنه تخطى اثنين، على الأقل، من المعابر الحدودية الخطرة وتجنبها عبر السير مئات الأميال من الأراضي التركية والسورية. وتعكس رحلته المسار الذي سلكه في نهاية المطاف الآلاف من المقاتلين الأجانب الذين انضموا الى القاعدة وداعش في عام 2006 و2007، خلال الحرب الأهلية السورية.

لم يكن عبد الهادي القائد الوحيد من قادة تنظيم القاعدة الذين حاولوا الوصول الى العراق؛ فبعد اعتقاله، نفذ اثنان من كبار قادة القاعدة الآخرين -عطية عبد الرحمن ومحمد خليل حكايمة - رحلات مماثلة. ورغم الحديث عن الاتصالات الرقمية، الا ان قناعة تنظيم القاعدة أنه لا يمكن أن يقود الأحداث في العراق دون أن يضع نشطاء ثقة على الأرض.

وهناك القليل من التفاصيل حول رحلتهما، ولكن كلاهما قد قضى وقتا طويلا في إيران بعد 11/ايلول وعلى الأرجح انهما قد سافرا عبر طريق مماثل لما سلكه عبد الهادي. وتشير الاتصالات الداخلية للتنظيم ان كلاهما قد واجه المتاعب، وليس من الواضح فيما اذا كان سبب ذلك تعثر فرع تنظيم القاعدة في تركيا (سائق عبد الهادي في غازي عنتاب، محمد بولات، قتل في تبادل لاطلاق النار مع الشرطة التركية في أوائل عام 2008) أو قيام السلطات في إيران بتضيق الخناق على حركتهم.

وعلى الرغم من تزايد الخلاف مع تنظيم داعش، الا ان تنظيم القاعدة لا زال لديه بعض الموالين في العراق. كذلك ابقى العديد من جهاديي أنصار السنة على تحالفهم مع تنظيم القاعدة لسنوات، على الرغم من أنهم لم يتبنوا اسم المجموعة. وفي الوقت نفسه، هرب اتباع عبد الهادي ويلمظ ورست – اسيك في تركيا إلى العراق، اذ بدأت جماعة جهادية لم تدم طويلا، وعُرفت باسم "كتائب كردستان"، والتي حاولت سد الفجوة المتنامية بين تنظيم داعش وتنظيم القاعدة. كانت كتائب كردستان هي المجموعة الوحيدة التي تعهدت علنا بالولاء لكل من بن لادن وأمير داعش. هذا الجهد التوفيقي انتهى عندما قتل يلماز ورست - اسيك من قبل القوات الأمريكية في حزيران 2007.

تحسنت قدرة القاعدة على ارسال كبار القادة الجهاديين إلى جبهات القتال بعد أن بدأت الحرب الأهلية السورية. وقد وصل كبار الجهاديين المرتبطين بتنظيم القاعدة الى وجهتهم، الذين واجهوا عدوانية الأجهزة الأمنية في تركيا وأماكن أخرى. بصورة عامة، عرفت تلك المجموعة الأساسية لتنظيم القاعدة في سوريا باسم مجموعة خراسان، إشارة إلى تجربتهم في أفغانستان.

وسيرا على خطى عبد الهادي، حاول هؤلاء القادة في البداية بناء الجسور مع تنظيم داعش، ولكن في نهاية المطاف توجهت تلك الجهود الودية لتنظيم القاعدة باتجاه جبهة فتح الشام وأحرار الشام، على العكس مما حدث في حرب العراق عندما اعترضت الدول المحيطة بشكل عام على حرية حركة عناصر تنظيم القاعدة. كان أعضاء مجموعة خراسان قادرة على دخول سوريا بسهولة نسبيا، وبناء المصداقية على المستوى المحلي بسبب معارضتهم لتنظيم داعش. بغض النظر،لم تستعيد مجموعة خراسان سلطة تنظيم القاعدة على تنظيم داعش، كما كان عبد الهادي قادرا على ذلك، الا ان التقريب بين وجهات النظر مهم، ولكنه ليس كل شيء.

في الواقع، ساعد نجاح تنظيم القاعدة في إدخال قادة كبار الى سوريا، على بناء علاقات وثيقة مع العديد من الجماعات المتمردة، ولكن الانقسام مع (الزرقاويين) تصاعد الى حرب شاملة مع تنظيم داعش. فشل تنظيم القاعدة لفهم أن حركة الزرقاوي كانت شعبوية في الأساس - وانها لم تتطلع الى زعماء راسخين ورموز في السلطة. في حين أن قادة الجهاد وعلى مدى عقود رفضوا إنشاء التسلسلات الهرمية السياسية والدينية في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، وحركة الزرقاوي انشئت على رفض مؤسسة الجهاد.

انتهت مهمة عبد الهادي إلى العراق عندما ألقي القبض عليه في غازي عنتاب، ولكن حملة القاعدة للاستيلاء او استعادة السيطرة على الجهاد العالمي من ورثة أبو مصعب الزرقاوي استمرت.

وفي الختام، يُثار تساؤل، ما ذكر في اعلاه كان يتم في وقت يمر فيه العشرات ان لم نقل المئات من الجهاديين عبر منفذ غازي عنتاب الى سوريا للالتحاق بالتنظيمات الارهابية، لماذا لم يتم اعتراضهم ويتم التركيز على شخص واحد وهو عبد الهادي؟ ماهي مصلحة تركيا في افشال مسعى رسول القاعدة في اجهاض المولود المتوحش (داعش)؟ وهل جميع المنافع التي جنتها انقرة والقائمين على السلطة فيها من عبور الارهابيين الى سوريا والعراق، كانت احباط عبد الهادي ومن ثمة ولادة داعش؟

هل تم ذلك بناءً على رغبة مخابراتية امريكية تستطيع التأثير على الارادة التركية في شأن عدّ عصيا عليها وهو مرور الالاف من الارهابيين من حول العالم عبر تركيا صوب سوريا والعراق؟ وماذا جنت واشنطن من دوامة الارهاب التي ضربت بغداد ودمشق وبقية العالم؟ هل الاستراتيجية الامريكية الخفية التي ترنو صوب تفتيت المنطقة لا زالت قائمة؟

وماهو دور طهران الخفي في ظهور داعش وتوغله؟ وقبله تنظيم القاعدة الذي كان عدوا لدودا لـل "شيطان الاكبر"، هل الاستخبارات الايرانية غافلة عن حركة الجهاديين عبر اراضيها متجهين إلى تركيا ومن ثم العراق وسوريا؟ ومن وشى بعبد الهادي، وهو يحمل الجواز الايراني المزور؟

من جميع ما ذكر، يبدو جليا ان صنع داعش وقبله القاعدة تم عبر توافق مجموعة من المصالح والأرادات الدولية، كان جل همها الكسب السياسي ولو على حساب عذابات ملايين القتلى والمفقودين والمهجرين والنازحين. ولم يكن مقدرا لأي شخص، ايقاف عجلة التشدد الديني الوحشية من الدوران.

* باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية/قسم الدراسات الدولية-جامعة كربلاء

.......................................
[1]http://foreignpolicy.com/2016/11/23/the-man-who-could-have-stopped-the-islamic-state
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1