بإقرار قانون جاستا الجديد، تم تعديل القانون الجنائي الفيدرالي لـ«يُقلص نطاق حصانة الدول أو الأشخاص الأجانب بالإذن للمحاكم الأمريكية، بنظر قضايا ضد دولة أجنبية في أحداث إرهابية»، مما يسمح بـ«رفع قضايا مدنية ضد دولة أجنبية أو مسؤول أجنبي، لطلب تعويضات عن إصابات أو موت أو أضرار ناجمة عن عمل من أعمال الإرهاب الدولي».

بذلك فان القانون الجديد يتيح لأهالي ضحايا 11 سبتمبر (أيلول) 2001، على سبيل المثال، مقاضاة مسؤولين سعوديين أمام القضاء الأمريكي.

القانون قوبل بعدد من الاعتراضات في الداخل الامريكي، قسم من المسؤولين الأمريكيين (وزير الدفاع السابق ويليام كوهين، والرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)، مايكل موريل، ومستشار الأمن القومي للرئيس السابق جورج بوش، ستيفن هيدلي)، حذروا في رسالة للمشرعين الأميركيين من أن قانون جاستا سيضر بمصالح الولايات المتحدة.

وقالوا في الرسالة: «قواتنا ودبلوماسيونا، وكل طواقم الحكومة العاملين في الخارج يمكن أن يتعرضوا لملاحقات في دول أخرى».

وأضافوا في الرسالة: «مصالحنا للأمن القومي وقدرتنا على محاربة الإرهاب ودورنا القيادي في العالم يمكن أن تصبح في خطر». من جهته، قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إن موقف التكتل الأوروبي واضح من قانون جاستا الأميركي ضد رعاة الإرهاب، وفي تصريحات مكتوبة، حصلت «الشرق الأوسط» عليها عبر البريد الإلكتروني، أوضح المتحدث الذي رفض ذكر اسمه، أن الاتحاد الأوروبي يعتقد أن النهج المبين في قانون جاستا ليس من مصلحة الاتحاد الأوروبي، ولا الولايات المتحدة، وإنما يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وعلى وجه الخصوص مبدأ الحصانة السيادية للدول.

روسيا لم تتاخر أيضا في ادانتها للقانون، حيث رأت ان «واشنطن تعرض من جديد تجاهلا تاما للقانون الدولي، من خلال إضفاء الشرعية على إمكانية رفع قضايا أمام المحاكم الأميركية ضد الدول المشتبه بدعمها للإرهاب»، مضيفة أن «الولايات المتحدة، تمضي بإصرار على نهج تعميم صلاحية الولاية القضائية الأميركية على دول العالم، دون أي اعتبارات لمفهوم سيادة الدول، وللمنطق السليم».

سبق ذلك القانون الذي يرى كثيرون انه يستهدف السعودية تحديدا، (العمل على القانون بدأ في عام 2009) عددا من المؤشرات، التي رسمت طريقا جديدا لما ستكون عليه العلاقات الامريكية – السعودية..

من ذلك ، اللقاء الذي أجراهُ الرئيس الأميركي براك أوباما مع مجلة أتلانتك الذي تكلمَ فيه بقسوة غير مسبوقةٍ عن آل سعود، وما سبقهُ بشهور من تصريح خطير لنائبِ الرئيس بايدن الذي سمى السعوديةَ والإماراتِ وتركيا وغيرَها من "الحلفاءِ" رعاةً للإرهاب.

كلّ ذلك فتحَ الطريقَ أمامَ بعضِ أعضاءِ الكونغرس للحديثِ علناً ضدَّ السعودية، أمثال النائب "هانك جونسون" والسناتور "كرسْ مورفي" وغيرهما، وهو ما أدى تدريجياً إلى تبلور فكرةِ قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب".

وأيضا رفعُ السريةِ عن الصفحاتِ المحجوبةِ من "تقرير لجنة 11 سبتمبر" والتي احتوتْ معلوماتٍ وأدلةٍ دامغٍة على تورط أشخاص يعملونَ في الحكومة السعودية وسفارتها في واشنطن واستخباراتها وتورط بعض أفرادِ العائلة المالكة في التخطيط للهجمات ومساعدة المنفذين مالياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

غير ذلك من الأسباب والمقدمات يمكن لنا ان نذكر المواقف المتباينة من بعض الاحداث في المنطقة بين السعودية وامريكا، والتي تسببت أيضا في هذا الشرخ للعلاقة بين البلدين.ز من ذلك: موقف السعودية من الربيع العربي والذي لا ينسجم مع موقف أميركا. وما تقوم به أميركا في سورية لا تقرّه السعودية. وعمليات السعودية في اليمن غير مرضي عنها في الجانب الأميركي. والبلدان يقفان على طرفي نقيض في علاقتهما بإيران، أما في العراق فمواقف البلدين تتخذ مسارين متضادين تقريباً.

اضف الى ذلك، ان أوباما طالب السعودية باقتسام النفوذ في المنطقة مع إيران بدلاً من الصدام معها، بعد الاتفاق النووي. وهو ماترفضه السعودية جملة وتفصيلا..

بعيدا عن السعودية التي يستهدفها القانون كما يبدو للوهلة الأولى، ما تأثير ذلك القانون على مفهوم السيادة الوطنية؟

تعني السيادة (السلطة العليا في الدولة) ويعرف بعض الفقهاء السيادة بأنها ( السلطة العليا التي تحكم بها دولة ما وأن هذه السلطة يمكن مباشرتها في الداخل أو في الخارج، والسيادة في الخارج تتركز في استقلال مجتمع سياسي معين بالنسبة لكل المجتمعات الأخرى).

والسيادة تعرف على أنها (مجموعة من الاختصاصات تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة وتجعل منها عليا وآمرة وتمكنها من فرض إرادتها على غيرها من الأفراد والهيئات، كما تجعلها غير خاضعة لغيرها في الداخل أو في الخارج.).

مفهوم السيادة ينطوي على معنيين. من جهة أولى، السيادة تعني السلطة العليا والمطلقة التي تتمتع بها الدولة لمزاولة وظائفها وممارسة صلاحياتها داخل إقليمها الوطني دون أن تنازعها أو تتد خل فيها أية دولة آخرى. وهذا، هو المعنى الاساسي والمركزي لمفهوم السيادة، وهو ما يطلق عليه تسمية السيادة الاقليمية. ومن جهة ثانية، فإن السيادة تعني الأهلية التي تتمتع بها الدولة للدخول في علاقات والتعامل على قدم المساواة، بندية وتكافؤ مع الدول الأخرى علي الصعيد الدولي. وهذا المعنى يرتبط بمفهوم الشخصية الدولية .

هذا المفهوم لمبدأ السيادة أقرته معاهدة وستفاليا (1648) متأثرة بمفهوم مبدأ السيادة كما بلوره الفيلسوف الفرنسي جان بودان الذي يعتبر أول من بلور نظرية متكاملة لمبدأ السيادة. ففي مؤلفه الشهير الذي حمل عنوان "الكتب الستة في الجمهورية" والذي نشر في العام 1576 عرف بودان السيادة بأنها سلطة الجمهورية العليا والمطلقة والأبدية. فهي عليا لأن لا سلطة تعلوها. وهي مطلقة لأنها كلية لا تتجزأ، تكون أو لا تكون، غير أنها ليست دون قيود أوحدود. وهي أبدية لأنها لا تزول مع زوال حاملها.

وقد أقرت معاهدة وستفاليا مبدأ السيادة في العلاقات الدولية كمبدأ يكفل المساواة والتكافؤ بين الدول ويمنع تدخل دول في شؤون دول أخرى. وعليه، أعتبر أي تدخل من قبل دولة ما في شؤون أية دولة أخرى عملاً غير مشروع.

إنتشر هذا المبدأ ليشمل العلاقات بين دول العالم جميعاً في المرحلة التي تلت. وجاءت معاهدة "مونتافيديو" في العام 1933 ، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول، لتؤكد على هذا المفهوم عندما اعتبرت أن جميع الدول متساوية وتتمتع بنفس الحقوق وبنفس الأهلية لممارستها، وبأنه لا حق لأية دولة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. وتبنى ميثاق الامم المتحدة الموقع في العام 1945 هذا المفهوم، وحدد المبادئ التي على منظمة الأمم المتحدة والدول الأعضاء العمل بموجبها لتحقيق مقاصد المنظمة، وهي مبدأ المساواة في السيادة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة، ومبدأ الامتناع عن التهديد أو إستخدام القوة ضد وحدة أو سلامة أراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة. فبمقتضى هذا الميثاق فإن جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة متساوون في الحقوق والواجبات، ولهم الحق في المشاركة والتصويت في أعمال المنظمة وفقاً لقاعدة أن لكل دولة صوت واحد.

غير أن هذا الموقف بدأ يتغير بعد النصف الثاني من القرن العشرين. فالدول بدأت تقبل، من أجل صالح المجتمع الدولي، بعض القيود والحدود على تصرفاتها الداخلية والخارجية. فأخضعت بعض صلاحياتها السيادية لبعض القيود، وتم ذلك إما بحكم المعاهدات أو الاتفاقات الدولية، أو بحكم قرارات المنظمات الدولية (العالمية أو الإقليمية)، أو بمقتضى قرار ذاتي منها. ونتيجة لذلك لم تعد السيادة التي تتمتع بها الدولة مطلقة.

وأبرز مظاهر التدخل في شؤون الدول والتي تحد من السلطات والصلاحيات السيادية للدول نجدها في ميثاق الأمم المتحدة الذي جعل صلاحيات واختصاصات هذه المنظمة تشمل بالاضافة للنواحي السياسية والامنية المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي كانت تعتبر تقليدياً من صميم الاختصاص الداخلي للدول. ونجدها أيضاً في معاهدة ماسترخت الموقعة في العام 1991 والمنشئة للاتحاد الاوروبي، والمعاهدات المعدلة لها، والتي أنشأت مؤسسات إتحادية فوق المؤسسات الوطنية للدول الأعضاء. وكذلك نجدها في نظام المحكمة الجنائية الدولية الذي جعل أصحاب السيادة في الدول المصدقة لهذا النظام، من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والوزراء والنواب والموظفيين الرسميين، خاضعين لاختصاص المحكمة في حال ارتكابهم جرائم دولية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0