حين غادرت من مدن جنوب بغداد في آب من عام 2004، بعد عام من الإطاحة بالنظام العراقي، بسبب ما شهدته هذه المدن من أعمال عنف دموية قامت بها جماعات مسلحة تابعة لتنظيم القاعدة، أتابع نشاط هذه التنظيمات التي أخذت تتمدد بتوسعها فتنهار المناطق واحدة تلو الأخرى وبدت المدن التي وقعت تحت سيطرتها وكأنها أدارت ظهرها للسلام وتبنت العنف والإرهاب كمنهج حيث تمارس الاغتيالات والذبح والتهجير حتى بات مشهد الموت والخطف مألوفا. ولا يسعني سوى أن أتساءل إن كان هناك جدوى لما يحصل اليوم من إعادة المناطق التي استحوذ عليها تنظيم داعش.

تاريخيا فان الرمادي والفلوجة والموصل والمناطق المحيطة بالعاصمة بغداد شهدت عمليات مسلحة دموية مع القوات الأمريكية والقوات العراقية ولم تستقر الأوضاع فيها إلا أواخر عام 2007 م بعد أن قامت الحكومة العراقية بفرض الأمن وما أجرته من حوارات مع بعض العشائر السنية من أجل اعادة الأمن والقبول بالعملية السياسية، لكن سرعان ما فقدت الحكومة سيطرتها على هذه المناطق بسبب تواجد التنظيمات التي كشرت عن أنيابها ومعارضتها للعملية السياسية وقامت باستهداف كل من يشارك فيها سواء من المسؤولين أو المواطنين.

أما الأسباب التي ساهمت بتدهور الأمن في العراق نجد أن هناك اطراف تتصارع فيما بينها وهي كل من السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وايران. حيث تسبب هذا الصراع بموت الالاف من العراقيين اضافة الى الملايين من المهجرين والفقراء والأرامل والأطفال الذين فقدوا آباءهم وذويهم بسبب هذه الصراعات التي أنهكت مقدرات البلد في جميع نواحيها. حيث كان بالإمكان اتخاذ خطوات من شأنها تساعد البلاد للخروج من أزمتها.

ولا تزال الفرصة موجودة وتشمل هذه الخطوات ما يلي:

ـــ تعزيز الحوار، يبرز خلاف كبير بين السعودية بمساندة واشنطن وايران حول العديد من القضايا. فواشنطن لا ترغب بمشاركة أي طرف حليف الى ايران بالعملية السياسية في العراق وكذلك التواجد في المؤسسات الأمنية كما لا ترغب السعودية بأن يكون الشيعة على رأس الحكومة وتعتبر السعودية أن ايران مصدر خطر عليها، ايران من جهتها لا تريد من العراق أن يكون بوابة لمحاصرتها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وان لا يتحالف العراق بشكل وثيق معها، كما أن ايران تتهم السعودية بإذكاء الطائفية ودعم الارهاب. واليوم تلعب هذه الأطراف جولة جديدة بعد حادثة اعدام الشيخ النمر وحرق السفارة السعودية في ايران وقطع العلاقات الدبلوماسية فان من المرجح هذه المرة تشتعل فتيل الحرب من جديد في حال عدم الاكتراث للأمر وبنفس الوقت ستكون هذه الجولة نتيجتها صعبة على العراق فيما اذا استمرت الأزمة دون التوصل لنتيجة مرضية لجميع الأطراف، فما يجري في العراق انما هو حرب بالوكالة. لذا فان من الضروري ترطيب العلاقات بين هذه الأطراف حيث سيسهم ذلك بشكل كبير في الحد من العنف بعد أن تستمع هذه الأطراف للقادة العراقيين من أجل اخراج البلاد التي تمر بأزمة خانقة لا تفرق بين المواطنين مهما اختلفت انتماءاتهم. والجدير بالذكر أن العراق نجا بأعجوبة من حرب طائفية كانت على الأبواب خلال الاعوام الماضية.

ـــ محاربة الفساد، تعهد رئيس الوزراء العراق حيدر العبادي بمحاربة الفساد الذي يتغلغل في كل المؤسسات الحكومية، وسط أوضاع محفوفة بالمخاطر، لان المسؤولين هم المستفيد الأول من هذا الفساد، وبرغم مرور عام على تعهد العبادي بالقضاء على الفساد لكن الى الان لم يحدث تغيير ملموس، مما وضعه أمام غضب شعبي لن يسمح له بالتراجع عن تعهده، وبنفس الوقت يجب عليه ان يكون حذرا لأن البلاد تشهد أزمات كبيرة.

ـــ أمن ذكي، أدت المعارك التي تدور الى انهيار الروابط العشائرية والاجتماعية الى حد كبير. وفي ظل غياب الحلول ستستمر هذه المناطق في تجنيد الإرهابيين كونها أرضاً خصبة لتجنيدهم كما ستستمر الحروب فيها مما يدمر هذه المدن بشكل كبير وبالتالي ستضطر الحكومة لإعادة بنائها من جديد وتعويض الاهالي. لذا يتطلب اليوم محاربة الارهاب بأوجه متعددة منها سياسية وعسكرية وثقافية ودينية.

ـــ التدريب على مكافحة الإرهاب، قامت الحكومة العراقية وبمساندة القوات الأمريكية تشكيل جهاز مكافحة الارهاب العراقي وهو قوة ضاربة يمتلك إمكانيات قتالية عالية المستوى لكن هذه القوات قدرتها تراجعت بعد انقطاع الدعم الكافي لها، مما يتطلب تجهيزها مع باقي الوحدات القتالية بشكل يؤمن احتياجاتها الفعالة.

ـــ تأمين الحدود، ضغط العراق كثيرا على الدول المجاورة من أجل تأمين حدودها. إلا أن موقف هذه الدول لم يكن صريحاً ولم تتخذ اجراءات كافية، من هنا يتطلب من العراق أن يفعل ما بوسعه من أجل مساعدته للحصول على أنظمة مراقبة متقدمة ومتطورة قادرة مراقبة الحدود وصد أي خطر قادم.

ـــ تخصيصات مالية، سيكون من الصعب قدرة الحكومة العراقية على تسليح القوات العراقية بشكل يتناسب مع ما تمر به من أزمة مالية، حيث يمكن للعراق التودد للدول المانحة من أجل الحصول على مساعدات مالية والحصول على أنظمة عسكرية متطورة.

خلاصة

في الوقت الحاضر فان الحكومة العراقية تشكو من قلة الموارد والإمكانات التي تستطيع من خلالها حماية جميع الأراضي حيث استطاع تنظيم داعش منذ عامين ان يسيطر على 40% من مساحة العراق لكن سرعان ما شعرت الحكومة العراقية بخطورة تمدد التنظيم لتفكر بشكل جاد باسترجاع ما فقدته واليوم تمكنت القوات العراقية المدعومة من قبل مجاميع الحشد الشعبي وباقي الفصائل المسلحة وأبناء العشائر وما يقوم به التحالف الدولي من شن ضربات جوية تم استعادة جزء كبير مما تم فقده، وهو انجاز عظيم يعزز معنويات الحكومة والقوات الأمنية. وبنفس الوقت حولت هذه الانتصارات الأنظار الى مدن أخرى تعتبر من معاقل الجماعات المسلحة الرئيسية والخطيرة.

ومن تجارب الماضي وقراءة المستقبل فانه برغم كل ما حصل من انتصارات يجب علينا أن لا نعلن موت التنظيم حيث يتواجد المسلحون في جميع الأراضي التي تحررت حيث يعتمد التنظيم في عملياته على دعم دولي يسانده التدهور الأمني الحاصل في سوريا وكذلك من خلال تواجده بسبب الحواضن التي تأوي الجماعات التابعة للتنظيم في تلك المناطق. وهو ما يستلزم إعادة النظر في الحرب على الارهاب وفي طريقة التعامل مع الأزمات التي تمر بها البلاد والمنطقة.

* كاتب صحفي وباحث في شؤون الارهاب

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0