الحرب المستمرة في ليبيا والتي شهدت تصعيدا خطيرا في السنوات الاخيرة، بسبب التدخلات ومشاركة بعض الدول بشكل مباشر من خلال دعم الاطراف المتصارعة، ماتزال محط اهتمام كبير، خصوصا وان هذه الحرب قد اسهمت بتدمير هذا البلد المهم والغني بالنفط وبمخزونات الغاز والذي يتاخم طرق تجارية هامة في البحر المتوسط، وهو ما جعله وبحسب بعض المصادر محط استهداف مباشر لبعض الدول التي تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة، ويرى بعض الخبرى ان هذه الحرب ربما ستشهد مستقبلاً مشاركة اطراف ودول اخرى، فبعد الربيع العربي ومقتل القذافي اشتعلت الحرب لبسط السيطرة في البلاد الواقعة في شمال أفريقيا. ونشأ معسكران قويان يحصلان على المساعدة العسكرية واللوجستية من الخارج: فمن جهة حكومة طرابلس المعترف بها دوليا تتلقى الدعم من الأمم المتحدة وقطر وتركيا.

ثم هناك الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر ويحصل على المساندة من العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. وحتى فرنسا تقف، حسب مراقبين ودبلوماسيين إلى جانب الجنرال حفتر. ويشير امراه كيكيلي من مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى وجود توازن جامد للقوى بين المعسكرين، ما يعني تواجد الأزمة في طريق مسدود. ويرى العديد من المراقبين ايضا ان فرنسا مهتمة في المقام الأول بالمصالح النفطية، وأن المنافسة بين إيطاليا وفرنسا حول هذه القضية هي السبب الرئيسي للحرب الأهلية المستمرة في ليبيا.

وكما يشرح محمد الدايري -وزير الخارجية في حكومة برلمان طبرق في الفترة من 2014 إلى 2018- في مقابلة مع صحيفة تريبيون دي جنيف فقد عزت دوائر مطلعة في ليبيا النزاع المسلح إلى "التنافس بين المجموعة الإيطالية إيني وعملاق النفط الفرنسي توتال"، مضيفا "أن مسألة الموارد النفطية حساسة للغاية". وقال عبد الحفيظ غوقة عضو سابق في المجلس الانتقالي في عام 2011 - للصحيفة "لن يكون هناك سلام واستقرار في ليبيا ما لم يتوصل المجتمع الدولي إلى توافق في الآراء".

ولم تكن حملة القصف التي قام بها الناتو في عام 2011 كما نقلت بعض المصادر، والتي كانت أساسًا مبنية على مبادرة من فرنسا، تتعلق بحقوق الإنسان، بل كانت تتعلق بالنفط والغاز والوصول إلى إفريقيا والسيطرة على المنطقة. ولا يزال الثمن الدموي لهذا الأمر مدفوعاً اليوم من قبل الشعب الليبي، الذي ما زال يعاني من الحرب الأهلية بين ميليشيات إمتنافسة مسلحة وممولة من قبل مؤيديهم. وفرنسا وإيطاليا ليستا الممثلين الاستعماريين الجدد في المنطقة، وتحاول ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا أيضا الدفاع عن مصالحها وتوسيع نفوذها.

وحاولت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً نقل مركزها في أفريكوم -الذي كان مقره سابقاً في مدينة شتوتجارت الألمانية - إلى ليبيا. وتسعى واشنطن في المقام الأول إلى وقف تقدم الصين الاقتصادي في أفريقيا. كما تريد الولايات المتحدة تعزيز تحالفها مع الدول العربية الصديقة من أجل الحد من نفوذ إيران المتنامي.

رغم حظر فرضته الأمم المتحدة في وقت سابق، ما زالت الأسلحة تتدفق على المعسكرين المتناحرين في ليبيا وتصل الأسلحة عادة وسط تكتم. وأكد وولفرام لاشر، الباحث في المعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن، إن "هذا النزاع أصبح حربا بالوكالة بين الدول المتخاصمة في الشرق الأوسط". وحذر من أنه "كلما تسلم الجانبان أسلحة من الداعمين الأجانب، طال أمد الحرب، وكانت أكثر تدميرا وأصعب لإنهائها". وفي وقت سابق أشار مجموعة خبراء الأمم المتحدة الى ان "عددا أكبر من آليات مدرعة وشاحنات بيك آب مجهزة برشاشات ثقيلة ومدافع غير مرتدة وقذائف هاون وراجمات صواريخ" وصلت الى ليبيا.

اتهامات متبادلة

وفي هذا الشأن تبادلت مصر وقطر، اللتان تدعمان جماعات متناحرة في الصراع الليبي، الاتهامات في الأمم المتحدة مما يبرز مدى صعوبة قيام المنظمة الدولية بدفع جهود السلام في ليبيا. وبشكل متزايد صار الصراع في ليبيا حربا بالوكالة بين دول أجنبية تدعم عددا من الجماعات المسلحة التي تشكلت مع انتفاضة عام 2011 على معمر القذافي. ومنذ سقوط القذافي يقاتل من ثاروا عليه بعضهم بعضا.

ومصر والإمارات داعمتان لخليفة حفتر، قائد قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) الذي يحاول انتزاع السيطرة على طرابلس من قوات متحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا. وتساند تركيا وقطر حكومة طرابلس. ودون أن يذكر دولا بأسمائها أبلغ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أعضاء الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أن ثمة حاجة لتضافر الجهود لمنع الفصائل المسلحة من السيطرة على ليبيا ولمنع الأطراف الخارجية من التدخل في الصراع الدائر هناك. وقال في كلمته ”(لابد من) توحيد المؤسسات الوطنية كافة والنأي بهذا الجار الشقيق عن فوضى الميليشيات والاستقواء بأطراف خارجية دخيلة“.

وبدأت قوات حفتر حملتها على طرابلس في أبريل نيسان بهجوم بري بغطاء جوي وكثيرا ما وصف أنصاره الفصائل المسلحة في طرابلس بالجماعات الإرهابية. وتسببت الحملة في نزوح أكثر من 120 ألف شخص من طرابلس وحدها كما أدت إلى سقوط مئات القتلى من المدنيين وتهدد بتعطيل تصدير النفط من ليبيا. وقال السيسي ”آن الأوان لوقفة حاسمة تعالج جذور المشكلة الليبية بشكل كامل من خلال الالتزام بالتطبيق الكامل لجميع عناصر خطة الأمم المتحدة“.

لكن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي تحدث أمام أعضاء ذات الوفود بعد السيسي، اتهم قوات حفتر بارتكاب جرائم حرب دون خوف من عقاب وبدعم من دول تقوض الحكومة الليبية المعترف بها دوليا وجهود السلام التي تقوم بها المنظمة الدولية. وقال الشيخ تميم ”وفي ليبيا تنذر التطورات الأخيرة بمخاطر على وحدتها الوطنية واستقرارها. لقد أدت العمليات العسكرية ضد العاصمة طرابلس إلى عدم انعقاد المؤتمر الوطني الليبي الجامع، الأمر الذي يكشف عن إخفاق جديد لنظام الأمن الجماعي في منطقة الشرق الأوسط والازدواجية والانتقائية في تطبيق الشرعية الدولية نتيجة دعم بعض الدول للميليشيات العسكرية ضد الحكومة الشرعية“. بحسب رويترز.

وأضاف ”هذه الميليشيات التي لم تتردد في ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين. نحن ندعو إلى مساءلة مرتكبي هذه الجرائم ودعم حكومة الوفاق الوطني الشرعية والمعترف بها دوليا لكي تقوم بكامل مهامها في وضع حد لمعاناة الشعب الليبي وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع ليبيا“. وجرى التعبير علنا عن خلافات الدوحة والقاهرة بعد أسابيع من كشف مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة عن خطط لعقد مؤتمر دولي يضم القوى الأجنبية التي تدعم الجماعات المتنافسة في ليبيا لكنه لم يكشف عن مكان عقد المؤتمر.

مؤتمر في ألمانيا

على صعيد متصل قال سفير ألمانيا لدى ليبيا إن بلاده تهدف إلى استضافة مؤتمر حول ليبيا هذا العام بالتعاون مع الأمم المتحدة لمحاولة إرساء الاستقرار في الدولة المنتجة للنفط والتي تشهد قتالا بين فصائل متناحرة من أجل السيطرة على العاصمة طرابلس. ويقول دبلوماسيون إن هذه الخطط لا تزال في مراحلها الأولى وهي أول مسعى دبلوماسي كبير منذ أن شنت قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بزعامة خليفة حفتر هجوما في أبريل نيسان لانتزاع السيطرة على طرابلس من حكومة فائز السراج المعترف بها دوليا.

وفي وقت سابق كشف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة عن خطط لعقد مؤتمر دولي بشأن ليبيا يضم القوى الأجنبية التي تدعم الجماعات المتناحرة على الأرض دون أن يذكر اسم المكان الذي سيعقد فيه المؤتمر. وقال سفير ألمانيا لدى ليبيا أوليفر أوفكزا على تويتر ”بدأت ألمانيا من أجل ذلك عملية تشاور مع أطراف دولية رئيسية. مع وجود أعمال تحضيرية كافية قد تقود هذه الجهود إلى حدث دولي مهم هذا الخريف“.

ولم يذكر أي تفاصيل عن المؤتمر الذي جاء الإعلان عنه بعد أن أبلغت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل البرلمان بأن الوضع في ليبيا يهدد بزعزعة الاستقرار في كل أنحاء أفريقيا. وذكرت مصادر دبلوماسية أن المؤتمر سيعقد في برلين في أكتوبر تشرين الأول أو نوفمبر تشرين الثاني. وتقول تقارير للأمم المتحدة إن حفتر المتحالف مع حكومة موازية في الشرق يحظى منذ سنوات بدعم عسكري من مصر والإمارات. ويقول دبلوماسيون إن تركيا تدعم السراج وترسل لقواته طائرات مسيرة مقاتلة ومركبات منذ بدء الحرب مما أحدث توازنا مع التفوق العسكري لقوات حفتر.

ويقول دبلوماسيون نقلا عن سلامة إن بمقدور ألمانيا القيام بجهود وساطة حيث ينظر إليها على أنها طرف محايد في الصراع على عكس فرنسا وإيطاليا اللتين تتنافسان على النفوذ ولهما مصالح تتعلق بالنفط والغاز في ليبيا. وتتمتع ألمانيا بعلاقات قوية مع تركيا ومصر اللتين تدهورت علاقاتهما الثنائية منذ أن أطاح الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين عام 2013 بعد احتجاجات حاشدة على حكمه. بحسب رويترز.

وسيكون هدف المؤتمر حث الأطراف الخارجية على تطبيق حظر السلاح والعمل على وقف إطلاق النار للسماح لليبيين للاجتماع بعد ذلك لإجراء محادثات سياسية. ويقول دبلوماسيون غربيون إن العقبات الرئيسية ستتمثل في إقناع تركيا بالجلوس مع مسؤولين كبار من مصر والإمارات. ووفقا لدبلوماسيين فإن الوفد التركي انسحب من آخر مؤتمر عقد حول ليبيا في إيطاليا في نوفمبر تشرين الثاني بعد عدم السماح لنائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي بالمشاركة في اجتماعات بين حفتر والسراج والسيسي وأطراف أوروبية مثل رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي.

وفي وقت سابق دعا عدد من الدول الكبرى، بينها دول تدعم المشير خليفة حفتر، إلى وقف القتال في ليبيا وحذرت من أن سفك الدماء يفاقم الوضع. وانضمت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وايطاليا إلى كل من مصر والإمارات - اللتين تدعمان حفتر إضافة إلى السعودية - في الاعراب عن "القلق البالغ" بسبب العنف في المنطقة المحيطة بالعاصمة طرابلس.

وجاء في بيان مشترك أن الدول الست "تدعو إلى خفض التصعيد فورا ووقف القتال الحالي، وإلى العودة الفورية إلى العملية السياسية التي تجري بوساطة الأمم المتحدة". وحذرت تلك الدول من أن القتال "فاقم من حالة الطوارئ الإنسانية" وزاد من تدهور أزمة المهاجرين، وأعربت عن خشيتها أن يؤدي الفراغ الأمني الى تعزيز المتطرفين. وجاء في البيان ان الدول "تدعو جميع أطراف النزاع في طرابلس إلى النأي بأنفسهم من جميع الارهابيين والأفراد المستهدفين من قبل لجنة العقوبات في الأمم المتحدة، وتجديد التزامهم بمحاسبة المسؤولين عن زعزعة الاستقرار في شكل اكبر".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1