بعد مرور عامين على تحرير مدينة الموصل التي رزحت لسنوات تحت حكم تنظيم داعش الارهابي، عقب معارك ضارية خلّفت دماراً هائلاً في البنى التحتية،لاتزال هذه المدينة التي تعد ثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان بعد بغداد، تعاني الكثير من الازمات والمشكلات بسبب الدمار الكبير وغياب الاهتمام الحكومي، يضاف الى ذلك المشكلات الاجتماعية والصحية التي خلفها احتلال داعش وما اعقبها من معارك، حيث اتهم البعض وكما نقلت بعض المصادر، الحكومة العراقية بالتقصد في إهمال الموصل وعدم رفع الأنقاض والمخلفات الحربية من بين أزقتها لدفعهم إلى ترك المدينة التي لا تصلح للعيش. في العاشر من تموز/يوليو 2017، أعلنت القوات العراقية استعادة السيطرة على مدينة الموصل، بعد تسعة أشهر من المعارك الدامية بدأت في شرق المدينة وصولا إلى غربها، حيث دارت حرب ضروس أدت إلى دمار كبير خصوصا في المدينة القديمة. وعلى الرغم من تدمير التنظيم، إلا أن مجموعات منه لاتزال تشكل تهديداً على بعض المناطق في هذه المدينة الكبيرة.

وقد اكدت بعض التقارير ان افتقار العراق للرؤية الاقتصادية وتفشي الفساد تسبب في عرقلة عمليات اعادة بناء المناطق المستعادة من داعش منذ اكثر من عام. واضافت تلك التقارير، ان الحكومة العراقية تؤكد حاجتها لنحو 88 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمرته الحرب ضد داعش بين عامي 2014 و 2017. و ان "بغداد لم تتلق حتى الآن سوى جزء يسير من هذا المبلغ من المانحين الدوليين رغم تعهدات دولية سابقة بتقديم مبلغ 30 مليار للمساهمة في عمليات إعادة الإعمار. "هذا التأخير قد يفاقم مخاطر نشوب اضطرابات سياسية واجتماعية في بلد يحاول التعافي من أزماته.

وتم الكشفت عن العديد من الفضائح وفي الآونة الأخيرة بعقود إعادة الإعمار بعد ان فازت بها شركات عراقية وهمية يمتلكها سياسيون كبار. و هذه الشركات قامت ببساطة بإعادة بيع هذه العقود إلى شركات تركية وأردنية، مقابل عمولات بملايين الدولارات. كما أشارت إلى وجود مشكلات أخرى تعرقل عمليات إعادة المناطق المتضررة وأبرزها الفساد الذي يتسبب في تأخير المشاريع وهدر الأموال.

إعادة الاعمار

وفي هذا الشأن قالت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أودري أزولاي إن المنظمة تريد أن تتخذ من إعادة إعمار مدينة الموصل العراقية سبيلا لاستعادة مصداقيتها وإظهار كيف يمكن إنعاش كيان تعددي منهك مثل اليونسكو. واشتهرت المنظمة التي تتخذ من باريس مقرا لها بتحديد وحماية مواقع التراث العالمي من جزر جالاباجوس إلى أضرحة تمبكتو.

وسقطت اليونسكو في أتون الاضطرابات قبل قرابة عام بعد انسحاب الولايات المتحدة منها مما وجه ضربة للتعددية وأثار تساؤلات حول تمويل المنظمة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. ومعظم أنشطة اليونسكو مثيرة للجدل لكن المنظمة شهدت سجالات سياسية داخلية بين بعض الأعضاء البالغ عددهم 195 دولة في السنوات القليلة الماضية مما تسبب في غل يدها عن العمل خاصة في القضايا المتعلقة بالأراضي الفلسطينية.

وبلغ السجال ذروته بانسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل من المنظمة، واتهمتا اليونسكو بالانحياز ضد إسرائيل وذلك قبل أيام فحسب من تعيين أزولاي في منصب المدير العام في أكتوبر تشرين الأول 2017. وبعد ذلك بعام تقريبا، تسعى أزولاي إلى إعادة تركيز جهود اليونسكو على الأهداف الأساسية. وتمثل عملية إعادة إعمار الموصل ثاني أكبر مدينة عراقية أساس هذا المسعى.

وقالت أزولاي قبل مؤتمر في باريس بشأن الموصل ”في وقت تحيط فيه الشكوك بالتعددية أحيانا، فإن هدف وحجم هذه المبادرة يظهر تماما أهمية منظمة كاليونسكو“. وتريد المنظمة من خلال شراكتها مع الحكومة العراقية أن تصبح الجهة المنوط بها تنسيق عملية إعادة بناء بعض المعالم الرئيسية للموصل التي تحولت إلى حطام بفعل القتال بين متشددي تنظيم داعش والتحالف المدعوم من الولايات المتحدة.

وتحتاج الموصل إلى ما لا يقل عن ملياري دولار في شكل مساعدات لإعادة الإعمار وفقا لتقديرات الحكومة. وقالت أزولاي إنها ترغب في استعادة نبض المدينة وتنوعها وتاريخها مع استخدام برامج اليونسكو التعليمية في مكافحة التطرف. وتقود المنظمة جهود ترميم وإصلاح سوق الموصل والمكتبة المركزية التابعة لجامعة المدينة وكنيستين ومعبد لليزيديين. وأكبر مشروعات اليونسكو في الموصل هو ترميم جامع النوري الكبير بتمويل قدره 50 مليون دولار من الإمارات. واشتهر الجامع بمنارته الحدباء التي يرجع تاريخها إلى ثمانية قرون وفجرها مقاتلو داعش. بحسب رويترز.

ويثير التوتر السياسي في بغداد بعد الانتخابات والاضطرابات في مدينة البصرة الجنوبية الأسبوع الماضي والتهديدات الأمنية المتمثلة في تنظيم داعش أسئلة حتما بشأن حجم ما يمكن إنجازه بالفعل. وقالت أزولاي ”ندرك تماما خصوصية الموصل والصعوبات على الأرض... لكن استمرار هشاشة الوضع هو تحديدا السبب الذي يوجب علينا العمل“.

مخلافات الحرب

ومع اجتياح تنظيم داعش للعراق وسيطرته على الموصل قبل خمسة أعوام، فر هيثم سالم من المدينة، فيما انضم اين اخته إلى صفوف الجهاديين. ومنذ ذلك الحين، بدأت القطيعة في قلب العائلة الواحدة. لم تنج أي عائلة في المدينة الشمالية من جراح النزاع التي لا تزال عميقة حتى اليوم. فهناك من أصبح منبوذا لأن قريباً له أو أكثر انضم إلى التنظيم، ونازحون همشوا لأنهم تمكنوا من الفرار تاركين وراءهم عائلة وأصدقاء، يضاف إلى ذلك انقطاع التواصل لسنوات بفعل المعارك التي عزلت الأحياء عن بعضها.

ويشير ناشطون وخبراء إلى ضرورة إعادة الروابط الاجتماعية في المدينة التجارية التي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة، وشهدت سنوات من العنف والتوترات الطائفية واستياء وانعدام ثقة انتقل من جيل إلى آخر، محذرين من عودة صفحة الماضي الأسود. ولا يزال الخلاف على أشده بين هيثم سالم، الموظف الحكومي البالغ من العمر 34 عاماً، وشقيقته أم محمود.

ويقول هيثم مدافعا عن نفسه "تعتب علينا لعدم الاتصال والاطمئنان عليها وهي محاصرة في الموصل، عندما كنا نازحين في إقليم كردستان. داعش منع الهواتف والإنترنت. لم أكن أعرف حتى محل إقامتها". لكنه يوضح فيما بعد أن "سبب القطعية الحقيقي بين الطرفين، هو انتماء أحد أولادها لداعش، ولا يُعرف مصيره إذا ما قتل أو هرب خارج العراق، وفقدت بيتها لأن القوات الأمنية لا تسمح لها بالعودة إليه" وهو أسلوب متبع مع العائلات المشتبه بصلاتها مع الجهاديين.

وفي ظل تلك الظروف، كثيرون هم الذين يجاهرون على غرار هيثم بأنهم نأوا بأنفسهم عن قريب مرتبط بتنظيم داعش الذي دحر من الموصل صيف العام 2017. ولم يتردد رغيد علي بالتبرؤ من ابن عمه الذي التحق بالجهاديين. ويقول الثلاثيني العاطل عن العمل إن "علاقتي ساءت جدا مع بيت عمي لأنني أخبرت القوات الامنية عن مكان ابنهم الداعشي بعد التحرير مباشرة، وكان مختبئا في أحد البيوت".

أم علي أيضا ترغب في إعادة الصلات مع شقيقتها، لكنها غير قادرة على فعل ذلك. وتشير ربة المنزل البالغة من العمر 45 عاما إلى أنها لم تتمكن من زيارة أختها لتقديم واجب العزاء بعدما أعدم تنظيم داعش ابنها. لكنها أقسمت أنها حاولت زيارتها بعد التحرير مباشرة. لكن أم علي التي ترتدي عباءة وحجابا أسودين تقول أن الوقت كان قد فات، وتروي "حاولت شرح الموقف لها لكنها عنيدة، لا تستجيب، وطردتني من منزلها". وتضيف، وهي أم لثلاثة أطفال، "أستغرب مشاعر الكراهية عند بعض الناس في الموصل، كان عليهم بدلا من ذلك زيادة التقارب بعد المحنة التي عشناها سويا".

بالنسبة إلى محسن صابر الذي يمتلك متجرا لبيع المواد الغذائية في سوق النبي يونس التاريخي، فإن الطريقة الوحيدة لإعادة العلاقات الاجتماعية إلى سابق عهدها، هي اتخاذ "إجراءات حكومية حقيقية". ويضيف العراقي البالغ 26 عاماً أن تلك الإجراءات يجب أن "تستهدف عوائل الدواعش وحل مشكلتهم، سواء إعادة دمجهم بالمجتمع، أو إنزال القصاص بالمتورط منهم أو غير ذلك". ولفت إلى أن بعض العائلات لا ذنب لها في ما حصل وكانت تقف ضد إرادة أبنائها الذين انضموا للتنظيم. لكن إلى جانب دور الدولة والمحاكم ، فإن للعشائر وأحكامها التقليدية دورا في المجتمع العراقي العشائري بأساسه، والمكون من مذاهب واتنيات عدة، وفق الشيخ علي التميمي شيخ عشيرة بني تميم في الموصل.

ويقول التميمي "نحن مع إبعاد العائلات التي كانت تشجع أبناءها على الانضمام للتنظيم، ووضعها في مناطق معزولة، وتطبيق القانون بحقها". لكن الرجل الذي يرتدي الزي التقليدي بكوفية وعقال على رأسه يستشهد بالقرآن قائلا "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (...) فالعوائل التي كانت مرغمة سواء أب أو أم الداعشي أو زوجته أو أطفاله، فهؤلاء لا ذنب لهم". وفي غرب البلاد حيث الغالبية السنية، أعلنت عشائر عدة قبولها عودة نساء وأطفال الجهاديين، ضامنين لهم أمنهم إذا ما عادوا بينهم.

وهم بذلك يخففون العبء على مخيمات النازحين التي أصبحت مراكز اعتقال مفتوحة، حيث يتم احتجاز مئات العائلات المتهمة بصلات مع تنظيم داعش، وتمنع من الخروج منها بأمر من السلطات خوفا من قيام شبكات وخلايا جهادية جديدة، والمتخوفة من عمليات ثأر محتملة تنتظر هؤلاء في قراهم. وأصبح هؤلاء فريسة سهلة للتطرف بسبب الشعور الواسع بالمظلومية بين الأقلية السنية في العراق. بحسب فرانس برس.

ومنذ استعادة السيطرة على المدينة، لا تخلو دائرة الطلاق في محكمة الموصل من المراجعين، وأجبرت عائلات كثيرة على تغيير منازلها أو أحيائها، وتوقف أصدقاء عن الالتقاء بعد عقود من الذكريات المشتركة. وتعتبر رئيسة منظمة "بنت العراق" الحقوقية في الموصل أمل محمد أنه يجب "إنتاج برامج ودورات توعوية وخاصة لطلبة المدارس والجامعات لإشاعة روح المواطنة، ونبذ الأفكار المتطرفة والهدامة". وتحذر من أنه "إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه الان، من ترد وفساد إداري ومالي وبطالة وعدم امتلاك مصدر رزق للبعض، فمن المرجح أن يتجهوا إلى الإرهاب".

فقدان السمع

الى جانب ذلك خلال معارك استعادة مدينة الموصل بشمال العراق من سيطرة الجهاديين قبل نحو عامين، أغارت طائرة حربية على منزل علية علي، فقدت المرأة البالغة من العمر 59 عاما، زوجها وسمعها. حال علية مشابه للالاف من سكان المدينة الشمالية التي عادت إلى سيطرة الدولة في تموز/يوليو 2017، ممن يعانون من اضطرابات في السمع وصفير في الأذنين، أو أصيبوا بصمم تام.

وأسفرت تسعة أشهر من غارات القوات العراقية مدعومة بطيران التحالف الدولي، إضافة إلى السيارات المفخخة والطائرات المسيرة والعبوات الناسفة التي كان يفجرها الجهاديون، عن تزايد المشاكل في السمع لدى سكان الموصل. وتقول علية "فقدت سمعي تقريبا قبل سنتين بعدما قصفت طائرة منطقتنا أيام تحرير الساحل الأيمن (الشطر الغربي من الموصل)". دمر منزلها وأصيب زوجها بـ"حروق خطيرة للغاية".

ومذاك، باتت علية مضطرة إلى التكيف مع العالم الخارجي الذي لا تسمع له صوتا، وغير قادرة على تلقي علاج بعدما فقدت كل ما تملك خلال القصف. وباتت العيادات الخاصة البديل الوحيد المتوفر في الموصل اليوم، بعدما أسفرت الحرب عن تراجع أعداد أسرة المستشفيات ستة أضعاف، وهناك اليوم نحو ألف سرير لقرابة مليوني شخص. وتولت منظمة "داري" الإنسانية العام الماضي إعادة تأهيل وافتتاح أجنحة عدة في مستشفيات المدينة، لاستقبال الحالات الطارئة والولادات. وافتتحت أيضا مركز استقبال مجانا لمشاكل السمع.

وقد اجرت علية فحصا في هذا المركز على غرار فتحي حسين (65 عاما) الذي لم يعد يسمع شيئا تقريبا منذ سقوط "ثلاث قذائف هاون" على منزل في غرب الموصل ربيع العام 2017. وتبذل الكوادر الطبية والتمريضية في الموصل جهوداً كبيرة لمعالجة المرضى من كل الأعمار، الذين تكتظ بهم قاعات الانتظار. ويقول أخصائي السمع والتخاطب محمد سعيد "استقبلت وحدة السمع والتخاطب في المستشفى الجمهوري أكثر من ألفي مصاب باضطرابات ناتجة عن القصف والتفجيرات من كلا الجنسين من مختلف الأعمار، ووزعت عليهم ألفي سماعة منذ افتتاح الشعبة قبل عام تقريبا".

ويضيف أن الحالات الأخرى "المستعصية" يتم تحويلها إلى مستشفيات بغداد، لزراعة قوقعة الأذن الإلكترونية غير المتوفرة حاليا في الموصل. ويؤكد سعيد أن "الأعداد أكبر بكثير من المسجلة لدينا، لأن بعض المصابين راجعوا عيادات خاصة أو أخرى خارج الموصل والعراق. وهناك آخرون لم يراجعوا المستشفى حتى الآن". وبحسب مصدر طبي في الموصل، شهدت المستشفيات المؤقتة ومستشفى الموصل العام خلال الأسابيع التي أعقبت استعادة المدينة، توافد بين "15 إلى 20 مراجعا يوميا يعانون مشاكل في السمع".

وقد تكون الحالات عابرة بالنسبة للبعض لكن "بعض المصابين قد لا يحالفهم الحظ في الشفاء"، وفق الطبيب محمد صلاح أخصائي الأنف والأذن والحنجرة، معيدا السبب إلى أن "الخلايا العصبية السمعية تمزقت جراء الأصوات الشديدة القوة" في الحرب الضروس التي صنفت بين الأعنف في التاريخ. ويؤكد صلاح أن عددا كبيرا من هؤلاء، وبينهم أطفال، تعرض إلى "نزف دموي عند سماع دوي سقوط القذائف، من دون أن يتعالجوا".

واليوم، رغم مرور عامين على انتهاء المعارك، "لا تزال العيادات الخاصة تغص بالمراجعين الذين يعانون من مشاكل سمعية". وغالبا ما يتطلب العلاج سواء بالمعدات أو بالأدوية، وقتاً طويلاً خصوصا بالنسبة للأصغر سناً. ويقول سعيد إن "فقدان السمع يعني غالبا اضطراب النطق أيضا لدى الأطفال (...) وهم في حاجة إلى علاجات أخرى غير متوفرة لدينا الآن" في الموصل. ويعاني مهند (5 سنوات) من صعوبة في النطق، لكنه يقول بكلمات متلعثمة وهو يتوارى خلف أمه الحزينة "أريد الذهاب إلى المدرسة مثل ابن جارنا أحمد". بحسب فرانس برس.

وتعرب أم مهند (30 عاما) عن قلقها على مستقبل ابنها رغم محاولاتها العديدة لعرضه على المختصين لعلاجه. وقد يحرمه الصمم من مواصلة دراسته الابتدائية، في بلد تندر فيه المدارس التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة. وتقول أم مهند بحسرة إن "الفقر وعدم وجود مستشفيات تخصصية حالت دون معالجته". رغم ذلك، تخوض هذه المراة سباقا مع الوقت أملا في أن يتمكن مهند من الالتحاق بباقي الأطفال والجلوس على مقعد في العام الدراسي المقبل الذي ينطلق في موسم الخريف.

الارث الثقافي

على صعيد متصل في كل مرة تحاول رؤى إحسان البحث عن كتب تستعين بها بدراساتها العليا في علوم الأغذية، تجد صعوبة متزايدة في العثور على مراجع في الموصل التي دفعت ثمن حرب مدمرة ضد جهاديين أحرقوا ودمروا مكتبات ومراكز للقراءة والتعليم. في المدينة التي عُرفت على مدى قرون بفنانيها وكتابها ومكتباتها الزاخرة بمؤلفات بلغات مختلفة، كانت قراءة الكتب التي لا تلبي توجهات تنظيم داعش ممنوعة خلال سيطرة التنظيم على المنطقة، وتتسبّب لأصحابها بأنواع شتى من العقاب.

وتقول رؤى بحسرة "بعض الكتب لم يتم ترقيمها وفقدت إلى الأبد"، إذ تعرضت للحرق أو للدمار الذي خلفته المعارك. ويواجه الطلبة والباحثون، بعد مرور قرابة عامين على استعادة السيطرة على المدينة من قبضة الجهاديين، "صعوبة بالغة في إكمال الأبحاث بسبب قلة المصادر"، بحسب ما يشير طالب الدكتوراه في التاريخ عبد الحميد محمد. ويقول محمد (34 عاما) "بعد تحرير الموصل، يواجه الباحث صعوبة بالغة في إكمال بحثه بسبب قلة المصادر، وعليه الاعتماد على علاقاته الشخصية، أو الإنترنت في الحصول على بعضها".

وحين يصعب الحصول على مراجع في الموصل، لا يتوانى أهل المدينة عن مغادرتها بحثا عن مراجع. فقد توجّه واثق محمود (33 عاما) بهدف إكمال بحوثه في الهندسة المدنية، إلى بغداد التي تبعد أكثر من 400 كيلومتر جنوب الموصل، وأحيانا الى مدينة البصرة التي تقع على بعد ألف كيلومتر، للحصول على مراجع. ويؤكد محمود أنه قبل دخول الجهاديين في العام 2014 الى المنطقة، "كانت جميع المصادر التي يحتاجها الطالب متوفرة في الموصل".

ويضيف بمرارة "اليوم انعكست الآية تماما، فبعدما كانت الموصل قبلة الدارسين والباحثين من كل أنحاء العراق والوطن العربي، يضطر أبناؤها إلى مغادرتها طلبا للعلم والكتب والمصادر من خارجها". وكانت الموصل مشهورة بمكتبتها المركزية العامة التي تأسست في العام 1921 في منطقة الفيصلية، وكانت تضم مؤلفات وكتبا قيمة ونادرة ومخطوطات تراثية وأثرية. وبين الكتب، مؤلفات باللغة السريانية طبعت في أول مطبعة أنشئت في العراق في نهاية القرن التاسع عشر في إحدى كنائس الموصل بمنطقة الساعة في غرب المدينة.

كما كانت الموصل تفتخر بمكتبات حكومية كبيرة، ومكتبة الأوقاف، ومكتبة جامعة الموصل، والمئات من المكتبات العائدة للجوامع والكنائس، إلى جانب المكتبات الأهلية في شارع النجيفي المتخصص ببيع الكتب والمعروف بشارع الثقافة والمكتبات. لكن في شباط/فبراير 2015، أقدم التنظيم على نهب مكتبة الموصل، ودمّر هذا التراث بشكل منهجي، رغم محاولات الأهالي إقناع الجهاديين بالعدول عن ذلك، من دون جدوى.

ويؤكد مختصون أن تنظيم داعش جمع الكتب القيمة وقام ببيعها في السوق السوداء، بهدف تمويل جرائمه التي ترقى إلى "إبادة محتملة" في العراق وسوريا بحسب الأمم المتحدة. وبعد استعادة المدينة، أطلقت حملات عدة لإعادة ملء رفوف المكتبة المركزية بكتب ومخطوطات. فكانت استجابة كبيرة من جهات حكومية وأهلية وجامعات وأفراد ومنظمات مدنية، وتمّ التبرع بكتب علمية وتاريخية وأدبية. كما استعيدت كتب كانت فقدت من المكتبة.

ويقول معاون مدير المكتبة المركزية العامة جمال أحمد حسو إن "أعداد الكتب بلغت بمختلف عناوينها 16338 كتابا قبل تعرض المكتبة للسرقة والتخريب، وتمت استعادة 11758 كتابا، بمعنى أن عدد الكتب المفقودة هو 4580 كتابا". وفي مكتبة الأوقاف التي كانت تضم كتبا دينية بصورة رئيسية، بقي حوالى 48 ألف كتاب من أصل 58 ألفا. ويذكر شامل لازم طه (41 عاما)، أمين المكتبة التي يعود تاريخ تأسيسها لنحو مئة عام، أنه "كان بين الكتب 4361 مخطوطة مهمة ونادرة، سرقتها داعش كلها"، مشيرا الى أن بين المخطوطات " المحيط البرهاني التي تعود لسنة 568 للهجرة"، وهي إحدى مؤلفات الشريعة الإسلامية. ويلعب التضامن الأكاديمي العالمي اليوم دورا كبيرا في إنقاذ مكتبة جامعة الموصل، لكن استعادة المحتوى التوثيقي أمر بعيد المنال.

ويقول الدكتور في علوم الزراعة بجامعة الموصل محمد عبدالله "الجامعة عازمة على إعادة بناء المكتبة وإرجاعها كما كانت مصدراً غنياً بالعلم والمعرفة. لدينا شراكات وعروض عديدة في هذا المجال". لكنه يضيف أن "المكتبة فقدت أكثر من مليون كتاب في مجالات علمية وأكاديمية متنوعة، منها أكثر من 3500 مطبوعة قيمة، بينها مخطوطات ودوريات يبلغ عمرها 300 سنة، ونسخ من القرآن الكريم تعود للقرن التاسع، وهذه تعرضت للنهب والحرق".

ويلفت أمين مكتبة جامعة الموصل عمر توفيق عبد القادر (38 عاما) إلى أن الخسائر تبلغ "ما بين 90 إلى 95 في المئة من مجموع محتويات المكتبة". ويبين أنه "تم إنقاذ أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، فيما لا يزال أكثر من أربعة آلاف كتاب غير صالح تم الاحتفاظ بها في المخازن". ويشير عبد القادر إلى أن منظمات وجامعات وهيئات من داخل العراق وخارجه قدّمت بعد الحرب ما يقارب مئة ألف كتاب هدية للمكتبة.

وكان لأهالي الموصل دور في إنقاذ الإرث الثقافي. فقد تمكن أبو محمد (33 عاما) الذي يعمل مقاولا في معدات البناء، من إنقاذ عدد كبير من الكتب والمجلات من المكتبة المركزية خلال حريق اندلع فيها في 2015، وخبأها في سرداب أحد البيوت القديمة المهجورة، قبل أن يعيدها اليوم إلى المكتبة. ويقول أبو محمد "انتشلت مع أحد الأصدقاء أكثر من 750 كتابا. حمّلناها في أكياس صغيرة عند احتراق المكتبة، رغم أن العملية كانت محفوفة بالمخاطر".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0