تشهد الساحة العربية تراجعا على مستوى المد الأصولي العسكري والمسلح على أثر الهزائم العسكرية المتلاحقة التي حلت بأبرز التنظيمات الأصولية في البلاد العربية وهي تنظيمات القاعدة وداعش.

لقد كان لخسارة تنظيم داعش في العراق وسوريا وسقوط عاصمتهم المزعومة في الموصل تأثير بالغ الأهمية على مستقبل هذا التنظيم في المنطقة العربية، لكن فقط على المستوى التنظيمي والعمل العسكري ذي الصبغة الارهابية والصادمة، وأما على المستوى الفكري والتجييش الديني والحشد الثقافي الصادر عن ذات مصادرها ومواردها في التراث فإن الأصولية لم تتراجع أو تنكمش بل استمرت في التشبث بمواقعها ومراكزها في المدن والمساجد والمدارس الدينية في البلاد العربية.

لقد أكسبت انتصارات داعش في أول ظهور له وتمدده بلا حساب أو عقبات، تأييد وقناعة غير مدروسة في أوساط العرب والمسلمين فحواها ذلك النوع من التأييد الالهي لهذا التنظيم الارهابي وهو أخطر تلفيق يتبناه العقل العربي، وقد كفلت تلك التمددات لداعش بؤر ساندة وبيئة حاضنة صدرت عن تلفيقات هذا العقل المضطربة التي عدت انتصارات داعش قد تمت بفعل تدخل الهي، وهي تصورات تعكس نوعا من الهيمنة التاريخية والأسطورية لها على العقل العربي ذي المنحى غير الموضوعي والخرافي في تفسير وقائع وأحداث التاريخ السياسي، وهي تصورات تشغل او تمارس دور آليات دفاعية نفسية يحوط بها الانسان العربي ذاته ليدرأ الاحساس بالهزيمة المتكررة له في تاريخه المعاصر.

وتجد تلك التركيبة النفسية العربية في الشبكة التراثية المعقدة ما يمنحها تلك الفاعلية في الوهم العربي بأنهم امة مختارة وطائفة منصورة وقد أخرجت كخير أمة للناس وكأنه قدر مكتوب في الأبد التاريخي، وهو ما يروج له التراث الأصولي بهذه الألفاظ وتلك المعاني، وتستند اليه الأصولية في معركتها مع العالم بما فيه العالم الاسلامي الذي تعد معارك الأصولية فيه من أخطر تلك المعارك وأشرسها في المواجهة التاريخية التي يخوضها العالم الاسلامي الذي أضحى بعد داعش عالما منقسما مجزئا سرت في أوصاله وأجزائه روح الطائفية.

فلم يعد في تراحمه وتواصله مثله مثل الجسد اذا شكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، بل صار كل عضو شكل العضو الأخر في قطيعته وعدوانه، وهو ما هدد المفهوم الإيماني لوحدة العالم الاسلامي وهدد التفاهمات الاجتماعية في شبكة التواصل الديني في العالم العربي.

وهكذا تكون الأصولية قد اخترقت البنية العضوية للنسيج الديني والاجتماعي العربي وصنعت منه واقعا مهلهلا بالانقسام البنيوي الحاد، وهو ما يدع المستقبل العربي متأثرا ومحكوما بأقصى وأقسى التعبيرات والنمذجات الأصولية وبصيغها السياسية والاجتماعية فضلا عن الدينية بعد ان بدا من الصعوبة بمكان أن تتخلص الذات العربية المعاصرة من التأثيرات الايديولوجية والسلوكية للأصولية وأن تتجاوز آثار الواقع الذي انغرست فيه هذه الأصولية.

وقد سمحت بوابة التراث الذي تتكون فيه شخصيتنا العربية للأصولية من النفاذ الى واقعنا العربي بفعل هذا التراث والمستجيب بشكل ذاتي الى أطروحات وممارسات الأصولية، وهو ما يشكل أخطر ممكنات الأصولية وفرض هيمنتها وسلطتها التراثية ومن ثم الدينية – الاجتماعية لتعقبها بسلطتها الدينية – السياسية، وهو ما يفسر هذا العنت العربي الشعبوي في عدم القدرة على التخلي عن شعارات وأفكار الأصولية حتى خارج الأطر التنظيمية للأصوليات الدينية – السياسية، وبهذا نفسر حملات الاحتجاج الشعبوية في مصر على زيارة بعض الفنانين المصريين الى العراق واتهامهم بالتحول الى المذهب الشيعي بسبب لقائهم بفصائل الحشد الشعبي، وهو لا يتعدى ايمان هؤلاء الفنانين بالحرب على داعش والإرهاب، وهو ما يمثل ارتدادا سلفيا أو تماثلا منهجيا سلفيا - أصوليا أو نتاجا عن تصورات الأصولية الدينية، وهو ما يفسر أيضا هتافات الجزائريين في الملعب الرياضي التي أثارت سخط واستياء العراقيين بما تحمله من رسائل طائفية وشعبوية.

وهذا النكوص نحو التراث بما يمثله من انكفاءات باتجاه انقسامات دينية ومذهبية كرست الأصولية كل جهودها من أجل بعثها واحيائها هو الذي ألغى مفهوم المواطنة ومفهوم الجنسية الرسمية التي اعتمدتها الدولة الحديثة بالتعريف بهوية مواطنيها لتستبدله بالهوية الدينية والمذهبية، ليعود البحث من جديد عن هوية واديان ومذاهب الفنانين العرب حتى الأموات منهم، بل وشملت حتى من لا يمتلك صلة بالدين. وأشرت هنا الى الفنانين حصرا دون الشخصيات العربية الأخرى لأنهم الأكثر إثارة في هذا الجدل العقيم على مواقع الإنترنيت وفق المزاج الشعبوي العربي السائد في هذه الأيام، وكان آخرها ما تحدثت به هذه المواقع عن المفاجأة كما صورتها تلك المواقع حول ديانة كما أسمتها أو مذهب الفنان الراحل محمود الجندي.

وقد تسلل الخطاب الأصولي ذي النكهة الطائفية – السياسية الى التداول السياسي العربي الرسمي وأصرح مثال بهذا الشأن هو الخطاب السياسي والاعلامي اللبناني، اضافة الى التداول الكثيف للمصطلحات والتوصيفات الطائفية ذي المصادر الأصولية في وسائل الاعلام العربي الرسمي والشعبي فبات من غير المعيب اعلاميا توصيف الشعوب بأسماء طوائفها ومذاهبها الدينية.

وكان ذلك الخرق السياسي والاجتماعي في البنية العربية الاجتماعية من أخطر مخلفات وآثار الأصولية في التفتيت الديني والقومي، وصرنا نشهد غيابا اعلاميا واضحا لمصطلحات أو عبارات الأمة الاسلامية أو الأمة العربية على أثر غياب المفاهيم والأيديولوجيات التي انتجت هذه المصطلحات، والعودة غير الموفقة لمصطلحات وعبارات اصطبغت بالصبغة الطائفية والرؤية الدينية الضيقة.

وأبرز هذه المصطلحات المتداولة شعبيا وعربيا والتي تشكل امتدادا رسميا للأفكار الأصولية والتعبوية الجهادية هي مصطلح أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة والروافض والخوارج والنصارى والصليبين والمرتدين ودار الكفر ودار الاسلام والعدو القريب والعدو البعيد، ونشهد شبه تغييب لتوصيف اليهود في هذا الخطاب الاصولي، وكان يكافأ ظهور هذه المصطلحات وبالتوازن معها تراجع المستويات العلمية والثقافية في البلاد العربية وانتشار الأمية وذيوع الرغبات الجنسية على مستوى الأوساط المتفاعلة والمتأثرة بالأصولية في ما تبثه من توقعات أسواق النخاسة وتجارة الأجساد فيها وما وصمت به حالة العار مما عرف بنكاح الجهاد، وكان يرافق كل ذلك انتشار البطالة والتردي الاقتصادي والمعاشي الذي يفتح بوابات الرغبة في الالتحاق بالجهاد من أجل العيش أو المكث في دولة رسمها الوهم في ما تقدمه من عيش وفير يأتي باقتسام الغنائم وسرقة النفط والأثار، وما تقدمه من جنس رخيص توفره أسواق النخاسة واسترقاق البشر.

وهو يعيد الى الذاكرة تجربة الحشاشين في قلعة آلموت التي كان يصنع منها الحسن بن الصباح نموذج الجنة من أجل ترغيب الملتحقين بجماعته بالموت استشهادا أو انتحارا في العمليات الفدائية التي كان ينفذها أتباعه ضد اعدائهم من الصليبين، ورغم الفارق المذهبي بين الحسن بن الصباح الاسماعيلي مذهبا والأصوليين في تنظيم داعش إلا أن تطابق تجاربهم السياسية يصدر عن رؤية أصولية سياسية واحدة.

ويظل الحرمان المعيشي والكبت الجنسي هي العوامل النفسية التي تجيش مشاعر الشباب العربي للالتحاق بالحركات الجهادية وهو ما يفسر ذلك الهوس لدى أتباع هذه الحركات بالعشاء الرسولي ومضاجعة الحور العين في الجنة.

وتظل العمليات الانتحارية توفر فرصة غبية أمام الشباب العربي للخلاص من ضغوط الحياة والواقع المعاش سلبا واضطرارا، وستظل تلك الضغوط وانهيارات الواقع المعاش وتراجع برامج التنمية وعجز الدولة والنظام السياسي الرسمي العربي عن التطوير نحو عيش أكثر تلاؤما وانسجاما مع حقوق الانسان رافدا أساسيا ومعينا ظرفيا وبيئيا باتجاه الاستجابة الى الدعوات والأفكار الأصولية حتى وان تخلت عن صبغتها الدينية لتنتقل الى مسارات اخرى من الأصولية السياسية والايديولوجية وهو ما نتوقعه حول مستقبل الأصولية في البلاد العربية.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0