قضية السلام في أفغانستان قضية صعبة ومعقدة ولاسباب كثيرة كما يرى بعض الخبراء، فهذه الحرب التي تعد من أطول الحروب التي خاضتها امريكا حتى الآن ومع استمرار خسائرها المختلفة، اجبرتها على فتح طرق جديدة لمناقشة مع جماعة طالبان، التي تحاول اليوم الحصول على تنازلات ومكاسب اضافية خصوصا مع دخول اطراف منافسة للولايات المتحدة الامريكية على خط المحادثات، وتدهورت الأوضاع الأمنية في أفغانستان منذ إنهاء حلف شمال الأطلسي عملياته القتالية في 2014. وتقاتل طالبان لإعادة فرض سلطتها بعد الإطاحة بها من الحكم عام 2001.

وقال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إن قادة الجماعة اجتمعوا مع المبعوث الأمريكي الخاص الى أفغانستان زلماي خليل زاد في مقرهم السياسي في قطر. وفوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، زلماي خليل زاد المولود في أفغانستان بقيادة مفاوضات السلام مع طالبان. وفي هذه المرحلة الحرجة من عملية السلام الأفغانية الهشة، تهدد حركة "طالبان" بوقف جميع المحادثات والمفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، متهمة واشنطن بـ "الضغط" عليها، و"عدم الجدية" في عملية التفاوض.

ويعتقد مسؤولون ومحللون في العاصمة الأفغانية كابل، أن النزاع المتأجج بين الجانبين تطور بسرعة ليتخذ شكل شجار فوضوي، وسط مساع شبه يائسة للتوصل إلى تسوية قائمة على التفاوض. واتهمت طالبان واشنطن بـ "إضافة مواضيع جديدة بشكل أحادي إلى الأجندة السابقة فيما يتعلق بسحب القوات الأجنبية، ومنع استخدام أفغانستان قاعدة ضد دول أخرى"، وهي أمور تردد أنه تم الاتفاق عليها في اجتماع الدوحة في نوفمبر / تشرين الثاني 2018.

واعتبرت طالبان أن الولايات المتحدة تسعى إلى مواصلة "الأهداف العسكرية الاستعمارية تحت ستار السلام، وممارسة الضغط عليها بشكل غير قانوني". وطالبان، من حيث المبدأ، تدعي أنها لا تزال الحكومة الشرعية في أفغانستان التي أطيح بها في الغزو الأمريكي على البلاد عام 2001، وبالتالي تتجنب بشدة قبول شرعية النظام الحالي في كابل.

وفي الفترة الأخيرة وكما نقلت بعض المصادر، ظهرت محاولات من جانب باكستان والسعودية والإمارات، وهي الدول الوحيدة التي كانت تعترف بنظام طالبان في كابل (1996 ـ 2001)، لإقناع الحركة بالاعتراف بالحكومة الأفغانية ومن ثم التفاوض معها. وجاء في بيان طالبان أن "سبل حل النزاع واختيار المكان الخاص بالتباحث بشأن ذلك هو حقنا نحن فقط، ولا يمكن حل هذه القضية من خلال الضغط أو المناورات التكتيكية من جانب أي طرف، ولا يمكن لأحد استخدام قضية أفغانستان لتعزيز مصالحه الشخصية". كما اتهمت الحركة واشنطن بـ "عدم الإخلاص" في الدفع بجهود السلام.

الأمم المتحدة وطالبان

وفي هذا الشأن قال المتحدث باسم حركة طالبان إن أكبر مسؤول للأمم المتحدة في أفغانستان التقى بكبير مفاوضي الحركة في قطر في ظل استمرار المساعي الرامية لبدء مفاوضات سلام شاملة تنهي الحرب المستمرة من أكثر من 17 عاما. وذكر ذبيح الله مجاهد أن رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في أفغانستان تاداميتشي ياماموتو التقى بالملا بارادار أخوند وأعضاء آخرين بفريق التفاوض التابع لطالبان في العاصمة القطرية الدوحة.

وأوضح مجاهد في بيان أن المناقشات ركزت على ”عملية السلام الجارية والضحايا من المدنيين والمساعدات الإنسانية بمناطق الإمارة الإسلامية“. وأشارت بعثة الأمم المتحدة إلى أنها شاركت في اجتماعات متعددة مع كل أطراف الصراع في إطار مساع لإنهاء الحرب، مضيفة أنها عقدت اجتماعات منتظمة مع طالبان في الدوحة. وعُقد اجتماع الدوحة في الوقت الذي يستعد فيه مسؤولون من روسيا والصين للقاء المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان زلماي خليل زاد في موسكو للبحث عن سبل لإقناع طالبان ببدء محادثات مع حكومة كابول. بحسب رويترز.

وترفض الحركة حتى الآن إجراء حوار مع الحكومة الأفغانية المعترف بها دوليا، وتتهمها بأنها ”دمية“ عينها الغرب. ويأتي اجتماع الدوحة بعد يوم من أحدث تقرير لبعثة الأمم المتحدة الذي ذكر يوم الأربعاء أن الخسائر البشرية في صفوف المدنيين في أفغانستان تراجعت قرابة الربع خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام في ظل طقس شتوي شديد البرودة، وانخفاض حاد في عدد الهجمات الانتحارية. وذكر التقرير أنه، وللمرة الأولى، زاد عدد المدنيين الذين قتلتهم قوات الأمن الأفغانية والقوات الأمريكية الحليفة على عدد المدنيين الذين سقطوا قتلى على أيدي الجماعات التي تحارب حكومة كابول.

روسيا وأمريكا والصين

على صعيد متصل تحاول روسيا والولايات المتحدة والصين إقناع مسلحي حركة طالبان بإجراء محادثات مع ساسة ومدنيين أفغان، وهي خطوة مهمة في عملية تهدف إلى إنهاء الحرب في أفغانستان. وجتمع ممثلون للدول الثلاث في موسكو على أمل تسريع وتيرة المحادثات مع طالبان، وذلك بعد أيام من انهيار اجتماع استهدف جمع الأطراف المتحاربة في أفغانستان، مما سلط الضوء على التوتر الذي يعرقل التحرك نحو المفاوضات الرسمية.

وشارك المبعوث الأمريكي الخاص للمصالحة في أفغانستان زلماي خليل زاد في الاجتماع الذي ينعقد في موسكو. وكان خليل زاد قد عقد عدة جولات من المحادثات المباشرة مع مسؤولين من طالبان في قطر. وكتب على تويتر ”سأعمل خلال هذه الرحلة على البناء على الدعم الدولي لعملية السلام الأفغانية ودفع الأطراف الأفغانية نحو الحوار والمفاوضات. وجود عقبة في الطريق ليست سببا للإبطاء“. وقال دبلوماسيان في كابول إن هناك أملا في أن يعطي اجتماع موسكو دفعة لمسعى دولي يستهدف ضمان اجتماع مسؤولين من طالبان بممثلين أفغان آخرين.

وقال دبلوماسي غربي مشترطا عدم الكشف عن هويته ”تستطيع الصين وروسيا ممارسة بعض الضغوط على طالبان لتلتقي بممثلين أفغان قريبا“. واعترضت طالبان على حجم وفد أفغاني يضم 250 شخصا من الساسة وشخصيات من المجتمع المدني، مما أدى لإلغاء اجتماع كان سينعقد في قطر بهدف الإعداد للمحادثات بين الأفغان.

الى جانب ذلك عبر زلماي خليل زاد مبعوث الولايات المتحدة الخاص للسلام في أفغانستان عن خيبة أمله بعد انهيار اجتماع مرتقب بين حركة طالبان ووفد من الساسة الأفغان في قطر حيث كشف ذلك عن خلافات عميقة تعرقل جهود إنهاء الحرب. وكان من المقرر اجتماع وفد يضم 250 من الساسة الأفغان ورموز المجتمع المدني مع مسؤولين من طالبان في الدوحة. ثم ألغي الاجتماع على نحو مفاجئ في ظل جدل بشأن حجم الوفد الأفغاني وتشكيلته حيث كان يضم بعض المسؤولين الحكوميين الذين قرروا الحضور بصفتهم الشخصية.

وقال خليل زاد على تويتر ”أشعر بخيبة أمل لتأجيل المبادرة الأفغانية في قطر. أحث جميع الأطراف على انتهاز الفرصة وإعادة الأمور إلى مسارها بالاتفاق على قائمة مشاركة تتحدث بلسان جميع الأفغان“. ووصف دبلوماسي غربي انهيار الاجتماع قبل أن يبدأ بأنه ”انتكاسة“ وقال إنه سلط الضوء على التوترات التي تعرقل الخطوات الرامية لبدء مفاوضات سلام رسمية. وكان اجتماع الدوحة يهدف للتمهيد لمحادثات محتملة في المستقبل عن طريق خلق نوع من الألفة بين مسؤولي طالبان وممثلي الدولة الأفغانية. وعقد اجتماع مماثل في موسكو في فبراير شباط. بحسب رويترز.

واتهم مكتب الرئيس الأفغاني أشرف غني السلطات القطرية بالمسؤولية عن إلغاء الاجتماع وقال إنهم وافقوا على قائمة مشاركة مختلفة عن التي اقترحتها كابول ”مما يعني عدم احترام رغبة الأفغان“. وأضاف في بيان”هذا غير مقبول للشعب الأفغاني“. وقال سلطان بركات مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في قطر المسؤول عن ترتيب عقد الاجتماع على تويتر إنه لا يوجد خلافات بشأن جدول العمل ”لكن لا يوجد اتفاق كاف بشأن المشاركة والتمثيل لإنجاح المؤتمر“.

تصاعد حدة القتال

في السياق ذاته شن مسلحون من حركة طالبان هجوما على مدينة قندوز شمال أفغانستان بعد يوم من بدء هجومها السنوي في فصل الربيع فيما تصاعد القتال في أنحاء البلاد قبل عقد الجولة القادمة من محادثات السلام مع ممثلين عن الولايات المتحدة. وتصاعدت حدة القتال في أنحاء أفغانستان في الأسابيع القليلة الماضية لكن إعلان بدء هجوم الربيع قبل الجولة المزمعة من المحادثات وجه ضربة لأي أمل في التوصل لاتفاق سريع. ووصف المبعوث الأمريكي الخاص زلماي خليل زاد الإعلان بأنه ”متهور“.

وقال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد في بيان إن الحركة ملتزمة بعملية السلام لكنه اتهم القوات الأفغانية والدولية بتصعيد عملياتها. وأضاف ”نحن ملتزمون بعملية التفاوض الجارية وبالحل السلمي.. لكن لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي في مواجهة العمليات العسكرية والموجة الإرهابية من المحتلين والمرتزقة“. وقال مسؤولون أمنيون في كابول إن الهجمات التي في 15 إقليما في أنحاء البلاد كانت محدودة النطاق وتم احتواؤها إلى حد كبير عدا العملية الجارية في قندوز. بحسب رويترز.

وقال مسؤول كبير ”اشتبكوا مع قوات الأمن الأفغانية لإثبات وجودهم مع بدء هجوم الربيع... لكن القوات الأفغانية كانت على درجة تأهب عالية في أنحاء البلاد ولذلك تم صد العديد من الهجمات“. وقال إنعام الدين رحماني المتحدث باسم حاكم المنطقة إن المسلحين هاجموا مدينة قندوز من عدة اتجاهات مما تسبب في سقوط العديد من الضحايا. وقال مسؤول محلي في قطاع الصحة إن أكثر من 70 قتيلا ومصابا نقلوا إلى المستشفى الرئيسي في المدينة.

من جانب اخر قال متحدث باسم حركة طالبان الأفغانية إن الحركة منعت منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر من العمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها حتى إشعار آخر مشيرة إلى أعمال ”مشبوهة“ لم تحددها أثناء حملة تطعيم. وجاءت الخطوة في الوقت الذي تقوم فيه منظمة الصحة العالمية بحملة تطعيم في أفغانستان إحدى آخر الدول في العالم التي ما زالت تشهد انتشار مرض شلل الأطفال.

وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان إن القتال في أنحاء أفغانستان أوجد ”وضعا معقدا“ وبعض المنظمات الخيرية، ومنها منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر، لا تتعامل بما يتماشى مع الوضع. وأضاف دون الخوض في تفاصيل ”إنها لم تلتزم بتعهداتها للإمارات الإسلامية وقامت بأعمال مشبوهة أثناء حملات التطعيم“.

البحث عن العدو

من جانب اخر يشير كتاب جديد عن سيرة الملا عمر زعيم حركة طالبان الأفغانية السابق إلى أنه اختبأ لسنوات قرب قاعدة أمريكية في أفغانستان وليس في باكستان مثلما قال مسؤولون أمريكيون مما يكشف فشل الغرب في تعقبه لكن متحدثا باسم الرئيس الأفغاني وصف ذلك بأنه ”ادعاء مضلل“. وتقول الصحفية الهولندية بيتي دام في كتابها ”البحث عن عدو“ إن عمر لم يختبئ قط في باكستان المجاورة. وأضافت دام التي تقول إنها أجرت مقابلات مع أعضاء في طالبان على مدى خمس سنوات من أجل كتابها أن عمر كان يختبئ على بعد نحو خمسة كيلومترات فقط عن قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية في إقليم زابل الأفغاني مسقط رأسه.

وحكمت حركة طالبان المتشددة أفغانستان من عام 1996 إلى عام 2001 وتشن تمردا ضد الحكومة منذ ذلك الحين. ويشير الكتاب إلى أن عمر الرجل الأعور الذي سلم القيادة الفعلية لطالبان بعد عام 2001 كان يتصرف كزعيم روحي فيما يبدو وأن الحركة المتشددة أبقت وفاته في 2013 سرا لمدة عامين. وكان عمر مطلوبا في الولايات المتحدة لأنه وفر ملاذا آمنا لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر أيلول في الولايات المتحدة والذي كان يختبئ في باكستان. وأعلنت واشنطن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار نظير رأسه.

وقالت دام إن القوات الأمريكية فتشت مكانا أقام فيه عمر في مرة من المرات لكنها أخفقت مع معرفة المكان الذي يختبئ فيه. وأضافت ”يسلط الكتاب الضوء على فشل المخابرات الغربية بينما يجري مسؤولو الولايات المتحدة وطالبان محادثات سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاما في أفغانستان“. ولم ترد السفارة الأمريكية في كابول على طلب تعقيب. وأوقفت الولايات المتحدة صرف أموال صندوق دعم التحالف لباكستان بسبب اتهامها بالفشل في اتخاذ إجراءات حاسمة ضد متشددي طالبان الأفغانية الذين ينشطون على الأراضي الباكستانية.

وقال هارون شيخ أنصاري، وهو متحدث باسم الرئيس الأفغاني أشرف غني، إنه ”يرفض بشدة“ الكتاب ووصف ”ادعاء“ أن عمر عاش في أفغانستان بأنه ”مضلل“. وكتب تغريدة قال فيها ”لدينا دليل كاف يظهر أنه (عمر) عاش ومات في باكستان. نقطة ومن أول السطر“. كما عبر عمر الله صالح، وهو رئيس سابق للمخابرات الأفغانية ويخوض الانتخابات المقبلة على منصب نائب الرئيس، عن رفضه لما ورد في الكتاب. وقال في تغريدة ”ما يطلق عليه اسم تقرير استقصائي ويدعي أن الملا عمر عاش ومات في أفغانستان ما هو إلا مادة دعائية ملتوية“.بحسب رويترز.

وأكدت طالبان رسميا في يوليو تموز 2015 أن عمر توفي قبل ذلك التاريخ بأكثر من عامين. وقال محمد يعقوب الابن الأكبر لعمر في شريط صوتي نشر في سبتمبر أيلول 2015 إن والده كان مصابا بالتهاب الكبد الوبائي (سي) وتوفي في أفغانستان. ونشرت دام كتابا آخر عن أفغانستان وهي محاضرة زائرة لشؤون أفغانستان في معهد الدراسات السياسية بباريس. ونشرت دام كتابها عن الملا عمر باللغة الهولندية وسيكون متوفرا باللغة الإنجليزية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1