مارست الجماعات الإرهابية المتطرفة العنف والإرهاب تحت مبررات دينية انحدرت عن فتاوى التكفير المتطرفة التي تصدر عن مشايخ هذه الجماعات الإرهابية والتي اجازت القتل والوحشية لكل من يخالف معتقداتها التكفيرية واخذت التنظيمات الإرهابية بأقناع الشباب في الدول المختلفة والبدء بعملية غسل ادمغتهم وضمهم الى صفوفها لاسيما بعد ان اجتاحت ثورات مايسمى بـ(الربيع العربي) دول المنطقة حيث وفرت بيئة خصبة لتصاعد حدة الأفكار المتطرفة، وقد استغلت التنظيمات الإرهابية حالة الانفلات الأمني والفوضى في هذه الدول لتحقق غاياتها حيث لم تسلم لا الدول العربية ولا حتى الغربية من الإرهاب، وقبل التطرق الى كيفية بتر التطرف المؤدي للإرهاب لابد في البداية ان نعرف ماهية التطرف ثم نشخص أسبابه وأشكاله ومستوياته وهذا ماسنورده وفقاً لثلاث محاور.

المحور الأول: ماهية التطرف وأشكاله وأسبابه:

يعد التطرف من المفاهيم الغير متفق على تعريف محدد لها وإِنَّ كان المتطرف في اللغة يعني المتجاوز لحدود الاعتدال المعقولة ولم يتوسط، أَيَّ بالغ في الأمر(1)، بالتالي يمكننا القول أَنَّ التطرف هو ماينتج عن التعصب لفكرة أو دين أو معتقد معين وهذا مايفسر وجود أنواع متعددة للتطرف فمنه ماهو سياسياً ومنه ماهو دينياً أو قومياً أو طائفياً أو عرقياً أو اجتماعياً، وهذه الأنواع وإِنَّ أختلفت إِلاَّ أَنها في النتيجة اساس لثلاثة انواع رئيسية نشخصها في الآتي:

التطرف في المشاعر: أَيَّ يكون الشخص انفعالياً تجاه أَمر معين بالتالي تطغو المشاعر الانفعالية لهذا الشخص دون تمعن في حقيقة الأمور.

التطرف السلوكي: وهو التطرف الناتج عن مبالغة الشخص في سلوك معين مما يؤدي به الى عدوان من لايمارسون هذا السلوك الذي يمارسه هو.

التطرف في الفكر: وهو تطرفاً ناتجاً عن المبالغة في فكرة معينة وعدم تقبل أَيّ أفكار مغايرة أو مناقشتها بل ينغلق على افكاره وآرائه.

وللتطرف أسبابه العديدة والمختلفة ومن الضروري هنا أَنَّ نشخص هذه الأسباب أيضاً لأن ذلك من العوامل المهمة في المكافحة، ونوجز هذه الأسباب من وجهة نظرنا في النقاط الآتية:

أسباب نفسيه لمن لديه قلق أو كآبة قد يؤدي به ذلك الى أَنَّ يُخرِج صراعه الداخلي مع نفسه الى المجتمع ليخفف من قلقه وصراعه النفسي.

الأمراض العقلية قد تقود الى التطرف، اضافة الى العلاقات الاجتماعية السيئة.

عدم تأهيل الانسان وعدم رفع قيمته الوطنية يؤدي الى انعدام ثقافة التسامح والتعايش والقبول بالآخر مما يؤدي الى التعصب، وينتج ذلك بصورة كبيرة في المجتمعات ذات الطوائف والقوميات والأعراق المتعددة وقد يخلق حالة من العدوانية والتعصب تجاه المعتقد أو الطائفة أو القبيلة وهذا مايؤدي الى وقوع هذه الفئات كفريسه سهلة لهذه التنظيمات الإرهابية لتحقيق أهدافها.

عدم وجود فكر سياسي معتدل ومتكامل مما ينعكس على المجتمع ويقوده الى التطرف، فالتطرف ينتج في احيانٍ كثيرة عن سياسات الحكام الجائرة والظالمة وغير العادلة.

غياب دور منظمات المجتمع المدني والمثقفين والكتاب.

عدم وجود مناهج مشجعة للناشئين على الفكر الوسطي أو الديني المعتدل وغياب دور وزارة التربية والتعليم في ترصين افكار الاطفال والشباب.

عدم وجود خطاب ديني معتدل والغلو في مسألة الفتاوى الدينية قد يؤدي الى ردة فعل متعصبة تؤدي للتطرف.

قد تكون الأسباب متمثلة في الصدامات النفسية المتجذرة منذ الطفولة وترجع لمؤسسة التنشة الأولى أَلا وهي الأسرة، فالتعصب تجاه الطفل وحرمانه من قبل والديه من الرعايه والاهتمام قد ينتهي به المطاف الى التعصب تجاه المجتمع أو مؤسسات الدولة.

المحور الثاني: درجات التطرف في المجتمع لدى مقياس (جوردون ألبورت) وتحليلها على مجتمعاتنا العربية:

لقد صنف عالم النفس الأمريكي (جوردون ألبورت) الذي يعد من أوائل علماء النفس المهتمين بدراسة الشخصية الإنسانية درجات التعصب أو التطرف وفقاً لمقياس يتكون من خمسة درجات أو مراحل متتابعة نوجزها بأختصار في الآتي(2):

الشخص الذي يمنع الآخر من التعبير عن رأيه خارج حدود الفكرة أو المجموعة التي يؤمن بها هذا الشخص المتطرف.

قيام هذا الشخص المتطرف بالأنغلاق على مجموعته وتجنب أصحاب الجماعات الأخرى والإبتعاد عنهم.

قيام الشخص المتطرف بتمييز اعضاء جماعته واعطائهم خصوصية غير موجودة لدى الآخر.

قيام الشخص المتطرف بالهجوم الجسمي والاعتداء على الآخر المختلف.

العنف المتمثل بقيام المتطرف بإبادة الآخر المختلف وإقصائه.

ويمكننا ان نطلق تسمية الشخص المتطرف على الشخص الذي تتحقق عليه هذه الدرجات الخمسة، واذا اتينا الى تحليل هذه الدرجات نجد بأن اغلب افراد المجتمعات العربية تنطبق عليها الدرجات الثلاث الأولى مما يعني أَن بيئة التطرف موجودة لدى الغالبية من ابناء مجتمعاتنا العربية التي تتميز بهذه الصفات وهذا مؤشر خطير.

وتعمل الجماعات الإرهابية على استغلال هذه الثغرات لتجنيد المزيد من الشباب والأطفال وهو مايفسر ارتباط الكثير من الشباب والاطفال مع الجماعات الإرهابية المتطرفة، كما نلاحظ ان الجماعات الإرهابية تتجه بصورة أساسية نحو هذه الفئة المتمثلة بالشباب والأطفال لأَنَّ من السهل استغلال عواطفهم واغرائهم بالمال والسلاح بالتالي تبدأ بتدريبهم وتأهيلهم عقلياً وبدنياً لارتكاب الأعمال الإرهابية العنيفة بعد بلوغهم المرحلة الرابعة والخامسة من التطرف حسب ماذكرناه في مقياس (البرت).

المحور الثالث: كيف نتعامل مع التطرف (العلاج):

ان مكافحة التطرف المؤدي الى الإرهاب ليس بالأمر الهين فنحن أمام منظومة تحتاج الى تعاون العديد من المؤسسات، ومن المهم هنا ان نشير الى أَنه إذا أردنا أن نعالج التطرف عند المجتمع أَنَّ ننظر أَولاَّ الى نوعية التطرف لديهم هل هو تطرفاً في المشاعر أم تطرفاً سلوكياً أم فكرياً بالتالي التعامل معه بنفس منهجه، ويعتبر التطرف الفكري من أخطر هذه الأنواع عند معالجته لأن المشكلة الحقيقية تتمثل بكيف يفكر المتطرف وليست ماهية الفكرة المترسخة في عقله بالتالي يكمن العلاج بصورة أساسية في مناقشة مهارة التفكير وطريقة التفكير، فلو قسنا على مقياس (البرت) نجد بأن هناك الكثير من أبناء المجتمع لديهم استعداد لأن يكونوا متطرفين لذا فإن التساؤل هنا هو كيفية انقاذهم من ذلك، ونطرح هنا العديد من المعالجات التي نرى بأن هناك حاجة ملحة لتحقيقها جميعها والتي تخدم صانع القرار في مكافحة التطرف:

رفع الحس الوطني وقيمة الوطن لدى أَبناء المجتمع من خلال عمل الحكومات على توفير الحقوق والعدالة والمساواة بين أبناء البلد الواحد.

تعظيم الهوية الوطنية على الهويات الفرعية الأخرى لاسيما القبلية، فلا يجب أَنَّ تُقَدَم القبيلة على الوطن أَلاَّ أَنه في نفس الوقت يبقى لها احترامها دون التعصب لها، كذلك يكمن دور رجال الدين في تقييم أصول الدين الصحيح والمعتدل لدى الناس.

قيام الحكومات بالعمل على اشراك أفراد مجتمعها في القرارات البسيطة مثل مايتعلق بالأنظمة واللوائح البسيطة فعلى الرغم من بساطة ذلك ألا أَنَّ له أثراً كبيراً في نفوس أَبناء المجتمع فهو يعزز شعورهم بالانتماء الحقيقي لبلدهم.

يجب ان تعامل الحكومات أبناء شعبها بكرامة وتقدير واحترام، فعلى سبيل المثال عندما تُقَدِم لهم حقوقهم أو أَيّ شيءٍ آخر يجب اتباع اسلوب محترم في ذلك وجعلهم يشعرون بهذا الإحترام وبكرامتهم في هذا البلد.

لابد أَنَّ يؤهَل الإنسان ويتم استثماره من خلال الإرتقاء بطريقة التفكير وطريقة التعامل معه وهنا يأتي دور المؤسسات التربوية والتعليمية في المدرسة والجامعة وأَن تكون المناهج متوائمة مع الحاجة العلمية والتفكير الصحيح.

يقع على عاتق الأسرة دوراً كبيراً في العناية بأبنائهم لكيلا ينقادوا خلف الجماعات الإرهابية نتيجة التطرف في الأفكار، وفي علم النفس يظهر لدى الابناء في احيانٍ كثيرة لغة التفرد للفت الأنتباه تعقبها عملية تفريط خطيرة من قبل الأهل عن ابنائهم وفي الحقيقه هنا لابد أَنَّ يظهر دور الأهل بصورة ابداعية في التعامل مع الأبناء لا التفريط بهم لكيلا يتحولوا الى متطرفين وذلك من خلال قيام الأهل بسؤال ابنائهم ليخرجوا ما لدى الأبناء من أفكار بالتالي العمل على اثبات أَنَّ ذلك خطأ من خلال لغة الحوار وايصالهم الى نتيجة أَن هذه الفكرة خطأ بالتالي تقزيم الخطأ وجعل الأبناء يعترفون بذلك بنفسهم ويقتنعون بعدم صحته.

يجب تقوية النظام السياسي الحاكم بقيامه بفرض عقوبات قوية وحازمة تجاه الإرهابيين المتطرفين كذلك تجاه كل الفاسدين والعاملين وفقاً لمبدأ “الواسطة” فإن هذا الأمر سيعمل على اجتثاث التطرف والإرهاب وبتره من أسفل الهرم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0