سياسة - عنف وارهاب

للحروب وجوه أخرى

تلك الوجوه الجديدة تنتج تأثيراً دائماً وكبيراً على وعي مواطني الشعوب مغيرة عقليتهم وقيمهم ومدمرة لتراصهم ومفقدتهم لهويتهم الوطنية محدثة كارثة اجتماعية أدت إلى زوال ثقتها وأحلامهم وإلى خيبة الأمل في وجودهم وتاريخهم وثقافتهم ومواردهم.

حتى وقت قريب كان يعتقد أن علامة الحرب الرئيسية والوحيدة هي قيام القوات المسلحة للأطراف المتحاربة بتنفيذ العمليات العسكرية وقتل ودمار. وفي الوقت الراهن ازدادت بنطاق كبير قدرات المواجهات غير العسكرية وتضاعفت قدراتها الإيديولوجية والاقتصادية والإعلامية لدرجة إنها كادت أو فاقت بنتائجها نتائج الحروب والعمليات العسكرية التقليدية فلذلك أصبح من الضروري توضيح مفاهيم وحالات ومحتويات وفحوى الوجوه الجديدة للحرب.

غير إننا لو تناولنا حال الحرب فما هي الآن؟ وهل انتهت الحرب؟ أنها لم تنته والذي يجري ما هو إلا استمرار للحرب بوسائل أخرى، والاستعداد لمواجهات عسكرية جديدة ومن الضروري عدم التبجح بالإنسانية على الإطلاق والاعتراف بأنها تستغل كافتراضات سخيفة لأن البشر والحرب أمران مترادفان ولقد قاتل الناس وسيقاتلون دوماً, بعضهم طوعياً لأنهم يحبون هذا العمل ويعتمدون اقتصادياً عليه بينما سيقاتل البعض الآخر إلزامياً وهذه هي واقعية الواقع الدامي. وبالحديث عن الحرب فمن الضروري ملاحظة حقيقة ماهية الحرب في عالم السياسة, فإن الحرب ليست مجرد استمرار للسياسة, إنما الحرب هي ذاتها السياسة, ولكنها تكون بشكل آخر فتستمر بقوة السلاح, وبغض النظر عن أي شيء فإن ساسة الدول الكبرى يجاهدون بشدة لتحقيق الحروب التي يعدونها "الشيء المربح" للتمتع بحياة لاذعة وثراء فاحش على حساب مصائب وأحزان شعوب الدول الضعيفة.

تلك هي الحروب التقليدية أو الكلاسيكية بينما تتمثل الحروب الحديثة بأشكال ووجوه أخرى ليكون العدو المستهدف بها محبط من الداخل بالتأثير على وعيه القومي عبر تقديم الدعم للمعارضة السياسية المصطنعة والمنظمات والهياكل الهامشية وحاملي التناقضات العرقية والدينية وغيرها من التناقضات، فيتم تقويض مصداقية قيادة البلاد وبعثرة جهد القوات المسلحة كما يتم تدمير الأسس الروحية والأخلاقية للمجتمع وتفعيل الانقسام بين الأقليات والقوميات والطوائف، وإثارة الكراهية بين الأعراق والديانات وتشجيع المتطرفين والإرهابيين والانفصاليين ومن ضمن أساسيات هذه الحروب تقويض الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة ونشر اللامبالاة والإحباط واليأس وإشاعة إدمان الكحول والمخدرات، وكذلك إفساد المجتمع عبر دعم نشر الانحرافات الجنسية والفجور وتعميم السخرية والعدمية وتدمير المقاومة الأخلاقية والنفسية والدينية.

وإن حال الحروب الحديثة هي حال من الضغط الدائم غير المنضبطة والمفروض من قبل القوى الكبرى تجاه الجانب الآخر وأعمالها تؤدي إلى فقدان الهوية القومية للبلاد وتعمل وتؤدي إلى فشل الدولة، ولتحقيق النصر في تلك الحروب لم تعد هناك حاجة إلى جيوش تدمر ولا لتدمير الأسلحة والمعدات العسكرية وتدمير المنشآت الصناعية ولا حتى بقيت حاجة لاحتلال الأراضي إذ يمكن تحقيق النصر عبر عمليات وهجمات معلوماتية وبرمجية لتدمير الإمكانات الإقتصادية للعدو، ففي ظروف الاقتصاد المدمر فإن القوات المسلحة محكوم عليها أولاً بفقدان القدرة القتالية ومن ثم الانهيار التام ليصاحبها الانهيار الحتمي للنظام السياسي.

تعتبر أسلحة المعلومات خطيرة ومشلة لسلطات الدولة والقيادة وتحجم السيطرة على القوات والأسلحة والتمويل والبنوك، وتحطم اقتصاد البلد، غير إن تحليل خصائص الحرب في الظروف الحديثة يتيح لنا أن نستنتج أنها تتم وتقوم على مستوى الوعي والأفكار وتحقق الانتصارات بيسر لأن مهام الوجوه الجديدة لا تتحدد في تدمير القوة العسكرية والحربية إنما بتقويض أهداف ووجهات نظر وتوقعات السكان وفي تدمير المجتمع، كما تمثلت في الأدوات التي وظفت وكانت أساس لكل "الثورات الملونة"، التي أدت إلى تغيير الأنظمة السياسية والقدوم إلى السلطة بسياسيين موالين للقوى الكبرى.

يتمحور الغرض من التأثير الأيديولوجي بإضعاف وتقويض الروح المعنوية لسكان الدولة المعادية وإحداث ارتباك في نظرتهم للعالم وزرع الشكوك حول صحة مواقفهم الأيديولوجية، والتأثير على كل الفئات الاجتماعية والمجموعات العرقية وإن ذلك التأثير له أهمية خاصة إذ يكون له دور هام على السكان محققا التغييرات الضرورية المعبرة والداعمة لنتائج الوجوه الجديدة للحرب عبر تنفيذ الإجراءات الهادفة لتغيير الوعي الوطني المنتجة لحرمان الأمم من معاني وقيم وجودها التاريخي ووجودها وتغيير نظم القيم التاريخية للأمة وإدخال صور ومعايير جديدة مشوهه وكاسحة للوجود الوطني.

تلك الوجوه الجديدة تنتج تأثيراً دائماً وكبيراً على وعي مواطني الشعوب مغيرة عقليتهم وقيمهم ومدمرة لتراصهم ومفقدتهم لهويتهم الوطنية محدثة كارثة اجتماعية أدت إلى زوال ثقتها وأحلامهم وإلى خيبة الأمل في وجودهم وتاريخهم وثقافتهم ومواردهم. وأمام تلك التطورات هل يمكن للإيديولوجية الفكرية والسياسية العربية أن تعارض وتصمد وتخوض منتصرة في تلك الوجوه الجديدة للحروب؟ لربما هو تساؤل بسيط إجابته معروفة مسبقا... لكن إلى متى نبقى في آخر الركب العالمي....!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4