العمليات الإرهابية التي شهدتها إندونيسيا في الفترة الأخيرة، ماتزال محط اهتمام واسع خصوصا وان البعض يرى الاعتداءات الإرهابية التي تبناها تنظيم داعش الإرهابي في هذا البلد، وخصوصا في جزيرة جافا الإندونيسية يعد شكلا جديدا من أشكال الإرهاب الذي يسعى تنظيم والجماعات الجهادية الموالية له إلى الاستثمار فيه في المستقبل. وقد تولت أسرتان اثنتان تنفيذ هذه الاعتداءات التي يصفها التنظيم الإرهابي بـ" العمليات الانغماسية". وطالت هذه العمليات ثلاث كنائس ومقرا للشرطة في "سورابايا" ثاني أكبر مدن إندونيسيا. واتضح من خلال التحقيقات التي أُجريت حول ظروف ارتكابهما أن لكل فرد من أفراد الأسرتين دورا مهما في نشر الذعر والدمار والموت في الأماكن التي حصلت فيها الاعتداءات.

وتشكل الأسرة إذن المحرك الأساس في طريقة الإرهاب الجديدة التي يرغب تنظيم داعش في تعزيزها في العالم انطلاقا من جنوب شرقي آسيا وبالذات من إندونيسيا أهم بلد إسلامي من عدد السكان. وكان يُضرب المثل حتى الآن بـ" جماعة بوكو حرام" في استخدام البنات في القيام بعمليات إرهابية في إفريقيا وقدرتها على اختطافهن من أسرهن أو مدارسهن وتحويلهن إلى انتحاريات. أما التنظيم فإنه كان يتحفظ من قبل على استخدام النساء بشكل عام في عملياته الإرهابية ويمنح بعضهن دورا في الدفاع عن مواقعه. ولكنه اضطُر شيئا فشئيا إلى تغيير طريقة تعامله مع المرأة كأداة من أدوات قتل المدنيين لعدة أسباب منها، هزائمة الكبيرة في العراق وسوريا وفي عدد من مواقعه الإفريقية. وتزايد الضغوط الممارسة عليه في البلدان التي تَعَوَّدَ القيام فيها بعملياته الإرهابية ومنها بشكل خاص البلدان الغربية.

هذه العمليات أيضا دفع السلطات الى تشديد إجراءاتها الأمنية واعتماد قرارات وخطط جديدة في سبيل مواجهة هذه التنظيم، الذي يسعى الى الاستفادة من بعض الشعارات في سبيل كسب المزيد من العناصر، وقد أفادت نتائج استطلاع أن قرابة 20 % من طلاب المدارس الثانوية والجامعات في إندونيسيا يؤيدون إقامة خلافة في الدولة التي يقطنها أكبر عدد من المسلمين لتحل محل الحكومة العلمانية الحالية. وفي السنوات الأخيرة بدأت سمعة إندونيسيا القديمة في التسامح الديني تخضع للتدقيق مع شق جماعات إسلامية متشددة طريقها إلى الحياة العامة والسياسية في النظام الديمقراطي الفتي.

وتنتهج الغالبية العظمى في إندونيسيا نهجا إسلاميا معتدلا كما تعيش فيها أقليات كبيرة من الهندوس والمسيحيين وغيرهم. وشارك في الاستطلاع الذي أجرته منظمة مقرها جاكرتا أكثر من 4200 طالب مسلم معظمهم في مدارس وجامعات مرموقة في جزيرة جاوة. وقال واحد تقريبا من كل أربعة طلاب إنهم مستعدون، بدرجات مختلفة، للجهاد لإقامة الخلافة.

وقالت منظمة ألفارا التي أجرت الاستطلاع في تقرير إن ذلك ”يشير إلى أن التعاليم المتعصبة وجدت طريقها بالفعل إلى أعلى الجامعات والمدارس الثانوية“. وأضاف التقرير أن ”على الحكومة والمنظمات الإسلامية المعتدلة البدء في اتخاذ خطوات ملموسة لتدارك الأمر والتواجد في دائرة الطلاب بلغة يسهل عليهم فهمها“.

وقادت جماعات إسلامية متشددة أواخر العام الماضي احتجاجات حاشدة مناهضة لحاكم جاكرتا السابق باسوكي تجاهاجا بورناما وهو مسيحي اتهموه بازدراء الإسلام. ونجحوا في النهاية في الإطاحة بمسعاه لإعادة الترشح للمنصب في انتخابات أجريت في أبريل نيسان وسجن بعدها بتهمة التجديف. وقوبل الحكم بانتقادات دولية. وأفادت نتائج الاستطلاع أن الغالبية العظمى من الطلاب يرفضون إقامة دولة خلافة كما يرفضون العنف.

قوانين جديدة

وفي هذا الشأن أقرت إندونيسيا قانونا جديدا يمنح الشرطة مزيدا من الصلاحيات لاتخاذ إجراءات استباقية ضد الذين يشتبه بعلاقتهم بالارهاب في أعقاب اعتداءات شنها إسلاميون وكانت الأكثر دموية في البلاد منذ سنوات. وتعطل مشروع القانون لنحو عامين خصوصا مع خوض نواب البرلمان في كثير من التفاصيل، بما في ذلك كيفية تعريف الإرهاب. لكن موجة من التفجيرات الانتحارية الدموية الاخيرة زادت الضغط على النواب لتمرير التشريع الجديد في أكبر بلد مسلم من حيث عدد السكان.

وسيكون بوسع الشرطة الآن احتجاز الذين يشتبه بانهم إرهابيون لمدة تصل إلى 21 يوما مقابل أسبوع واحد حاليا. كما سيكون بوسعهم الآن توجيه تهم إلى أشخاص لانضمامهم او تجنيدهم آخرين للانضمام إلى منظمة "إرهابية" سواء في الداخل أو في الخارج. وأعرب ناشطون حقوقيون عن قلقهم من أن الصياغة الغامضة والفضفاضة لمشروع القانون قد تفتح الباب أمام حملة قمع لأي مجموعة يُنظر إليها على أنها تشكل تهديدا.

وفي وقت سابق قتل 13 شخصا في هجمات انتحارية على كنائس ومركز للشرطة نفذتها عائلتان، بما في ذلك طفلتان تبلغان من العمر تسعة اعوام و12 عاما، في سورابايا ثاني أكبر مدن إندونيسيا. والأسرتان على صلة بـ"جماعة أنصار الدولة" وهو تنظيم محلي متطرف كان قد أعلن ولاءه لتنظيم داعش الجهادي المتطرف الذي تبنى هذه الاعتداءات الدامية. وبعد بضعة أيام، قتل ضابط شرطة في هجوم على مركز للشرطة في جزيرة سومطرة.

وواجهت اندونيسيا لفترة طويلة تمردا إسلاميا مسلحا. وبلغ هذا التمرد الإسلامي ذروته في انفجارات بالي في العام 2002 التي قتل فيها أكثر من مئتي شخص، معظمهم من السياح الأجانب في أسوأ حادث ارهابي في تاريخ البلاد. واوقفت أجهزة الأمن مئات المسلحين في حملة ملاحقة على نطاق واسع أسفرت عن تفكيك عدد كبير من الخلايا، بينما استهدفت الاعتداءات الاخيرة قوات الأمن المحلية. بحسب فرانس برس.

وفي السنوات الأخيرة، اقتصرت معظم الهجمات على عمليات محدودة ضد قوات الأمن المحلية. لكن الشرطة قالت إنها بحاجة إلى قوانين معززة لمكافحة الارهاب للقضاء على التشدد الداخلي. وفي أعقاب هجمات سورابايا، هدد الرئيس جوكو ويدودو بفرض حالة للطوارىء إذا فشل البرلمان في تمرير القانون الجديد.

إحباط مخطط

الى جانب ذلك قالت شرطة مكافحة الإرهاب في إندونيسيا إنها اعتقلت طالبا سابقا وتستجوب اثنين آخرين بعد مداهمة جامعة في مدينة بيكانبارو بجزيرة سومطرة حيث صادرت مواد متفجرة وعبوات ناسفة. وقال سيتيو واسيستو المتحدث باسم الشرطة الوطنية إن الطالب السابق يعتقد أنه كان يخطط لهجمات على البرلمان الاندونيسي في جاكرتا والمجلس المحلي في بيكانبارو عاصمة إقليم رياو. وكان بيان سابق للشرطة قد اتهم الثلاثة بذلك لكن واسيستو قال إن الاتهام ينصب على واحد وإن الاثنين الآخرين يجري استجوابهما كشهود.

وقال واسيستو إن المشتبه به تربطه صلات بجماعة أنصار الدولة التي تستلهم فكر تنظيم داعش وهي مدرجة على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للمنظمات الإرهابية ويعتقد انها اجتذبت مئات المتعاطفين الاندونيسيين. وأضاف واسيستو أنه أثناء مداهمة إحدى كليات جامعة رياو عثرت الشرطة على قنبلة أنبوبية وقنبلة يدوية بدائية الصنع ومادة متفجرة يطلق عليها ”أم الشيطان“. وتابع أن الشرطة عثرت أيضا على بندقية هوائية ومجموعات من الأقواس والسهام ومواد أخرى مثل نوع من السماد يمكن استخدامه لتصنيع متفجرات.

وكانت السلطات عبرت عن قلقها من تنامي التشدد الإسلامي داخل الجامعات في إندونيسيا أكبر دول العالم الإسلامي من حيث عدد السكان. وأشارت عدة دراسات حديثة إلى تنامي التأييد بين الطلاب لتنظيم داعش ولإقامة دولة خلافة إسلامية في إندونيسيا. وبعد تحقيق نجاحات كبيرة في مواجهة التشدد الإسلامي في العقدين الماضيين تصاعدت الهجمات مجددا في السنوات القليلة الماضية. بحسب رويترز.

وفي وقت سابق قتلت الشرطة بالرصاص أربعة رجال بعدما استخدموا سيوف الساموراي لمهاجمة ضباط عند مقر شرطة بيكانبارو. وجاء ذلك الهجوم بعد سلسلة تفجيرات انتحارية نفذها متشددون إسلاميون واستهدفت كنائس ومبنى للشرطة في سورابايا ثاني أكبر مدن البلاد. وقُتل نحو 30 شخصا في هجمات سورابايا منهم 13 يشتبه بأنهم انتحاريون.

إقليم بابوا

من جانب اخر قالت منظمة العفو الدولية في تقرير إن قوات الأمن في إقليم بابوا في أقصى شرق إندونيسيا قتلت 95 شخصا على الأقل خارج نطاق القانون خلال الأعوام الثمانية الماضية دون أي مساءلة تقريبا. وعانى الإقليم صراعا انفصاليا منذ ضمه إلى إندونيسيا بعد استفتاء أجري في 1969 بدعم من الأمم المتحدة ووُجهت إليه انتقادات واسعة. وما زال بابوا واحدا من أفقر الأقاليم في الدولة.

وتعهد الرئيس جوكو ويدودو منذ وصوله إلى السلطة في 2014 بتسريع التنمية، لكن نشطاء يقولون إن انتهاكات قوات الأمن مستمرة بالرغم من زيادة الاستثمار وجهود معالجة بعض أسباب القلق المتعلقة بحقوق الإنسان. وقال عثمان حامد المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في إندونيسيا في بيان ”هذا إقليم سُمح فيه لقوات الأمن على مدى سنوات بقتل النساء والرجال والأطفال دون أي احتمال للتعرض للمساءلة“. ويصف التقرير كيف قتل أفراد من الشرطة والجيش بالرصاص نشطاء ومحتجين سلميين ينادون بالاستقلال ومواطنين آخرين كان بينهم شخص يعاني إعاقة ذهنية تم قتله بعد أن ضرب شرطيا بقطعة من قصب السكر.

ووثق التقرير 95 واقعة قتل على الأقل في 69 حادثة بين يناير كانون الثاني 2010 وفبراير شباط 2018. ومن بين حالات القتل 39 حالة مرتبطة بأنشطة سياسية سلمية مثل التظاهر أو رفع علم استقلال بابوا. وأضاف التقرير أنه لم تتم محاكمة وإدانة أي مسؤول أمني أمام محكمة مستقلة، بينما شهدت حالات قليلة جدا عقوبات تأديبية أو محاكمات عسكرية. بحسب رويترز.

وقال مسؤولون إندونيسيون في جلسة إفادة عقدتها منظمة العفو الدولية إن حكومة ويدودو تكافح لحل قضايا حقوق الإنسان في بابوا لكنها تواجه مشاكل اجتماعية اقتصادية ومشاكل سياسية تراكمت على مدى خمسة عقود. وقالت سيلفانا أبيتولي وهي خبيرة تعمل في الرئاسة ”لا يمكن حل هذه المشكلة المعقدة في هذا الوقت القصير“. وأحجم المتحدث باسم الشرطة سيتيو واسيستو عن التعليق قبل الاطلاع على التقرير بالكامل، بينما لم يرد متحدث باسم الجيش على طلب للتعليق. وقالت المنظمة إنها زارت بلدات في أنحاء بابوا خلال تحقيقها الذي استمر عامين حيث تحدثت مع السلطات وأسر الضحايا ونشطاء وجماعات كنسية وجهات أخرى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0