يبدو ان الحرب الاهلية المستمرة منذ خمسة أعوام تقريبا في جنوب السودان، بسبب التوترات السياسية بين القادة الرئيسيين في السلطة و الانقسامات و الصراعات الإثنية، ربما ستستمر لسنوات اخرى طويلة، ولاسباب مختلفة اهمها تضارب المصالح والتدخلات الخارجية، وهو ما اثار مخاوف دول الجوار الجغرافي ، التي اعتراها وبحسب بعض المصادر، القلق من التداعيات السلبية للصراع على استقرارها السياسي و الأمني خاصة أن الجنوب يشترك في حدود طولها 5400 كم مع ست دول أخرى هي السودان ، و إثيوبيا ، و كينيا ، و أوغندا ، و الكنغو الديمقراطية ، و افريقيا الوسطى و هو ما يزيد من مخاطر عدم الاستقرار فيها، في ظل تفاقم الازمات والصراعات في هذه المنطقة، يضاف الى ذلك ان هذا الصراع له تأثير على حركة تجارة على الإقليم برمته .

وانزلقت جنوب السودان، التي تعد أحدث دولة في العالم، بعد انفصالها عن السودان عام 2011، في أتون للحرب الأهلية عام 2013 عقب أن اتهم سلفاكير نائبه حين ذاك مشار بالتخطيط لشن انقلاب. وبينما اندلعت الحرب في البداية بين أكبر مجموعتين عرقيتين في جنوب السودان، الدينكا التي ينتمي إليها كير والنوير التي ينتمي إليها مشار، ظهرت منذ ذلك الحين ميليشيات أصغر تتقاتل في ما بينها ما يثير الشكوك بشأن قدرة الزعيمين على وقف الحرب. ولتحقيق حد أدنى من النتائج، يفترض أن يتجاوز الرجلان اللذان طبعت المنافسة بينهما مصير جنوب السودان منذ استقلاله في 2011، غياب الثقة بينهما، لكن من غير المؤكد حسب محللين، أن يكون سلفاكير مستعدا لتقديم أي تنازلات لأن قواته على وشك التفوّق عسكريا في مواجهة حركة تمرد تزداد تفككا.

ويمثل جنوب السودان ايضا نقطة تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة و بعض الدول الأوروبية و الصين، بالنسبة إلى الولايات المتحدة يمثل جنوب السودان أهمية خاصة من الناحية الجيوستراتيجية خاصة بعد إنشاء القيادة العسكرية لأفريقيا أفريكوم بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية التي تكمن في منابع النفط و التي تسعى إلى السيطرة عليه و إن تدهور الأوضاع في هذه الدولة سيكون له تداعيات سلبية على مصالح و مخططات واشنطن في المنطقة برمتها ، وأيضا تمثل جنوب السودان أهمية خاصة و كبيرة بالنسبة للصين التي تعتبر من أهم االشركاء التجاريين لجنوب السودان و التي تؤمن من خلالها 5% من احتياجاتها النفطية و أيضا تخوفات دول الجوار من انكماش حركة التجارة مع جنوب السودان و تردي الأوضاع الاقتصادية و الأمنية لهذه الدول و تخوفهم من نقل الصراع إليهم و عودة العمالة التابعة لها هربا من الحرب و التخوف من نشاطات الجماعات الارهابية .

وذكر بيان صحفي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج دعت إلى وقف فوري للقتال و ”الانتهاكات الرهيبة“ التي يتعرض لها المدنيون في جنوب السودان. ووقع الخصوم في جنوب السودان اتفاقا للسلام بهدف إنهاء الحرب الأهلية. وقال البيان الصادر عن الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج ”يجب السماح بعودة لاجئي جنوب السودان والنازحين وإيصال المساعدات الإنسانية بأمان“. ودعا البيان إلى تحسين الأوضاع الأمنية في البلاد ووضع حد ”للانتهاكات الرهيبة التي يعاني منها المدنيون على يد قوات الأمن“. وأضاف أن اتفاق السلام بحاجة إلى دعم من خلال آليات للتنفيذ وحدود للسلطة التنفيذية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وحذر من أن ”مفسدي عملية السلام“ سيواجهون عواقب في مجلس الأمن الدولي.

اتفاق هش

وفي هذا الشأن قال وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد إن رئيس جنوب السودان وقع اتفاق سلام مع المتمردين يبدأ بموجبه وقف لإطلاق النار خلال 72 ساعة، لكن المتمردين رفضوا نقاطا أخرى في الاتفاق. ويهدف الاتفاق الذي تم إبرامه في العاصمة السودانية الخرطوم لإنهاء حرب أدت إلى مقتل عشرات الآلاف. وانهارت اتفاقات أخرى للسلام في السابق. وقال أحمد ”ستواصل الأطراف السودانية محادثات في الخرطوم لبحث ترتيبات تنفيذ وقف إطلاق النار، وبعد بداية تنفيذ وقف إطلاق النار سيتم مناقشة ملف قسمة السلطة“.

وأضاف أن الاتفاق الإطاري يأتي قبل اتفاقية نهائية وسيسمح ”بفتح الممرات للمساعدات الإنسانية وإطلاق سراح الأسرى“ وتشكيل حكومة وحدة انتقالية بعد أربعة أشهر. ويأتي الاتفاق كذلك بعد محادثات استمرت يومين بين الرئيس سلفا كير وزعيم المتمردين ريك مشار الذي كان في السابق نائب الرئيس. وبدأت الحرب الأهلية في جنوب السودان في 2013، بعد مرور أقل من عامين على استقلاله عن السودان.

وقال مشار للصحفيين بعد مراسم التوقيع ”هذا الاتفاق الذي تم توقيعه اليوم ووقف إطلاق النار سينهيان الحرب في جنوب السودان ويفتحان صفحة“ جديدة. ورحب بما قال إنه سيكون بناء للثقة مع الجار الشمالي لجنوب السودان. وقال أحمد إن الاتفاق الذي وقعه أيضا قادة آخرون بالمعارضة سيسمح لحكومة الوحدة الجديدة بإدارة البلاد لثلاث سنوات يعقبها إجراء انتخابات عامة. وقال كير إنه سيلتزم بالاتفاق ويحترمه.

وكانت إحدى النقاط المقترحة في الاتفاق وجود ثلاث عواصم لجنوب السودان من أجل تقاسم السلطة، لكن متحدثا باسم مشار رفض الاقتراح. وقال المتحدث مبيور قرنق مبيور ”سنوقع إطار العمل مع بعض التعديلات.. أهمها أننا نرفض مسألة العواصم الثلاث. جنوب السودان بلد واحد. ونرفض دخول قوات أجنبية أراضينا“. وكان يشير على ما يبدو إلى اقتراح بأن تراقب الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد) وقوات الاتحاد الأفريقي وقف إطلاق النار.

وشجع مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية إيجاد على تنفيذ وقف إطلاق النار خلال 72 ساعة. وقال المسؤول أيضا إن الولايات المتحدة ترحب بالالتزام بوقف إطلاق النار وتشجع الأطراف على الاستفادة من الاتفاق. قال مبيور ”نرفض أيضا استئناف إنتاج النفط قبل التوصل إلى تسوية شاملة من خلال التفاوض“. وقال الرئيس السوداني عمر البشير الذي استضاف المحادثات إن الاتفاق ”هدية لمواطني جنوب السودان“. بحسب رويترز.

وأضر انفصال جنوب السودان بشدة باقتصاد السودان لأن الانفصال أعطى الجنوب الكثير من إمدادات النفط بالمنطقة. ويشهد السودان أسوأ أزمة مالية منذ سنوات. وعلى هامش محادثات السلام في الخرطوم اتفق البلدان على خطة لزيادة انتاج النفط من الجنوب إلى مثليه لكن لم ترد تفاصيل بشأن كيفية تحقيق ذلك. واتفقت الخرطوم وجوبا هذا على إصلاح البنية الأساسية التي دمرتها الحرب وذلك في غضون ثلاثة أشهر من أجل زيادة الانتاج، وقالتا إنهما ستشكلان قوة مشتركة لحماية حقول النفط من هجمات المتمردين.

معارك عنيفة

الى جانب ذلك حذّر المجلس النروجي للاجئين من أن الأزمة الإنسانية في جنوب السودان وصلت الى ابعاد مقلقة للغاية بعد أربع سنوات ونصف من المعارك العنيفة في البلد الافريقي. وقال الامين العام للمجلس يان ايغلاند في مؤتمر صحافي في نيروبي "لم اشاهد ولم اسمع بهذا العدد الكبير من الاشخاص الذين يعانون من عدم الامان الغذائي في أماكن كثيرة في جنوب السودان". وتابع ان "انعدام الأمان الغذائي الحاد انتشر اكثر في البلاد اللعام الحالي".

وكانت وكالات الأمم المتحدة حذّرت في شباط/فبراير الفائت من ان 48 بالمئة من سكان جنوب السودان يعانون من مجاعة وأن سبعة ملايين شخص سيكونون بحاجة لتلقي مساعدات خلال العام 2018. وفي العام 2017، تأثر نحو 100 ألف شخص بالمجاعة، وتوفي البعض نتيجة نقص الغذاء. وفي حزيران/يونيو 2017 أعلنت السلطات القضاء على المجاعة.

وأدى النزاع الى تدمير الرقعة الزراعية ولارتفاع كبير في اسعار الغذاء ونزوح ملايين السكان، ما يهدد بحدوث مجاعة في 11 منطقة جديدة هذا العام. واكد ايغلاند انشغال المساهمين الدوليين بنزاعات أخرى في العالم بالإضافة إلى صعوبة عمل موظفي الاغاثة في البلاد. وقال إن "الاهتمام بجنوب السودان متراجع (رغم) احتياجاته المتزايدة. نحن مستعدون للمساعدة لكننا نحتاج الى المزيد من الموارد. نحتاج الى الامن ووقف إطلاق نار". ومنذ اندلاع القتال في كانون الأول/ديسمبر 2013، قتل 101 عامل إغاثة في جنوب السودان، بحسب ايغلاند.

واندلعت الحرب الأهلية في جنوب السودان على خلفية اتهام الرئيس سلفا كير نائبه السابق وخصمه السياسي الحالي رياك مشار بتدبير انقلاب ضده. واتسعت رقعة العنف التي بدأت بين أنصار كير من الدينكا وأنصار مشار من النوير لتشمل جميع أنحاء البلاد مع انضمام مجموعات عرقية أخرى إلى النزاع. واوقع النزاع عشرات آلاف القتلى واسفرت عن اربعة ملايين نازح وتسبب في ازمة انسانية كارثية. بحسب فرانس برس.

وتبنى مجلس الامن مشروع قرار بطلب من الولايات المتحدة يمنح الاطراف المتحاربة في دولة جنوب السودان مهلة تنتهي في 30 حزيران/يونيو لانهاء الاقتتال أو مواجهة عقوبات محتملة. ويقول مراقبون إن مع الانتصارات العسكرية الأخيرة لحكومة كير وتفكك المعارضة، ليست هناك حوافز كبيرة لكير ليمنح تنازلات لعدوه اللدود.

انتهاكات رهيبة

على صعيد متصل أفادت تقارير لمراقبين عينهم تجمع الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيجاد) أن جيش جنوب السودان قتل مدنيين وأحرق أطفالا حتى الموت ونفذ عمليات اغتصاب جماعي لنساء بعد وقف مفترض لإطلاق النار مع المتمردين في ديسمبر كانون الأول. وأنكر جنوب السودان الذي انفصل عن السودان عام 2011 استهداف المدنيين وقال إن التقارير، التي أعدتها مجموعة آلية مراقبة وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية (سي.تي.إس.إيه.إم.إم) ومقرها جوبا على مدى الشهور الثلاثة الماضية، تتسم بالمبالغة.

كما تتهم التقارير، وعددها 14 تقريرا، المتمردين بقيادة نائب الرئيس السابق ريك مشار بتجنيد الأطفال، الأمر الذي نفاه متحدث باسمه. وأصدرت مجموعة المراقبين خمسة تقارير عن انتهاكات وقف اطلاق النار خلال شهر من إبرام الاتفاق لكن منذ فبراير شباط لم تنشر باقي التقارير. ولم يرد متحدث باسم (إيجاد)، التي تعمل مجموعة المراقبين تحت قيادتها،.

وفي أسوأ الحوادث التي تضمنتها التقارير هاجم 200 جندي حكومي يوم 12 فبراير شباط قرية نياتوت في ولاية أعالي النيل. وقال مدنيون ناجون قابلتهم مجموعة المراقبين إن الجنود كانوا ”يطلقون النار بصور عشوائية على كل شيء وكل الناس“. وأفاد فريق المراقبين بأن 22 مدنيا قتلوا فيما أصيب 72. وقال جوردون بيواي المسؤول في سفارة جنوب السودان في واشنطن إن القوات الحكومية استهدفت المتمردين في القرية لا المدنيين. وأضاف ”إذا قتل أي مدني فإن ذلك لم يكن متعمدا. كانوا في مرمى النيران“.

وأفاد أحد التقارير بأنه في بلدة موديت التابعة لولاية جونقلي دمرت القوات الحكومية يوم 26 فبراير شباط مباني ونهبت جمعية خيرية مسيحية وقتلت خمسة أشخاص من بينهم أربعة طفال احترقوا عند إضرام النار في أحد الأكواخ التي احتموا بها. وذكر التقرير أن ”الجنود وقفوا على باب (الكوخ) لضمان عدم خروج الأطفال منه حتى ماتوا حرقا“. لكن بيواي قال إن هذا الادعاء يتسم ”بالمبالغة“. ورغم أن التقارير تلقي بالمسؤولية على قوات الحكومة في معظم الانتهاكات الموثقة إلا أن أحد التقارير اتهم الموالين لمشار وجماعة متمردة أخرى بالتسبب في مقتل مدنيين. بحسب رويترز.

واتهم تقرير آخر متمردي مشار باستغلال الأطفال في القتال في محيط بلدة واو بشمال غرب البلاد. وقُتل عشرات الآلاف في حرب جنود السودان التي بدأت في ديسمبر كانون الأول 2013 باشتباكات بين قوات موالية للرئيس سلفا كير المنتمي لقبيلة الدنكا وقوات موالية لمشار من قبيلة النوير. وهناك تقارير كثيرة عن العنف والقتل على أساس طائفي وفر ثلث سكان جنوب السودان البالغ عددهم 12 مليونا وتعرضت بعض أنحاء البلاد العام الماضي للمجاعة.

ويضم التقرير شهادة أم قالت إن ابنها أجبر على اغتصاب جدته بينما كان أفراد أسرته محتجزين رهائن وإفادة سيدة عجوز تبلغ من العمر 85 عاما قالت إنها تعرضت لاغتصاب جماعي قبل أن تشاهد إعدام زوجها وابنها. كما يوثق التقرير ما يصفه عضو اللجنة أندرو كلافام بأنه ”نمط واضح من الاضطهاد العرقي مارسته في الغالب قوات حكومية ينبغي أن تلاحق لارتكاب جرائم ضد الإنسانية“.

وبموجب اتفاق سلام أبرم في عام 2015 وانهار في 2016، أيد الاتحاد الأفريقي وجنوب السودان تشكيل ”محكمة مختلطة“ تضم قضاة من جنوب السودان ودول أفريقية أخرى لنظر قضايا جرائم الحرب. وقبل عام قالت لجنة الأمم المتحدة إن الاتحاد الأفريقي يتواطأ مع سفك الدماء في جنوب السودان بعدم القدرة على إنشاء المحكمة. ودعت مجددا لتأسيس المحكمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1