تتعمق الأزمة في ليبيا على وقع مواجهة جديدة بين حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس والحكومة الموازية في الشرق التي يدعمها المشير خليفة حفتر للسيطرة على منافذ تصدير النفط وإدارة عائداته بعيداً عن التعهدات التي قطعت في أيار/مايو إثر مفاوضات بين الطرفين في باريس. هذه المواجهات والخلافات المستمرة اثارت قلق ومخاوف العديد من الدول والحكومات، خصوصا وان ليبيا تواجهه ايضا تحديات وازمات اقتصادية كبيرة بسبب تفاقم الصراع وغياب الحلول.

حيث عبرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا عن قلقها من خروج حقول النفط الليبية عن سيطرة شركة النفط الوطنية، بينما أعلنت الحكومة المؤقتة غير المعترف بها دوليا تسلمها موانئ النفط في منطقة الهلال النفطي من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وأعربت الدول الأربع في بيان مشترك عن القلق العميق إزاء الإعلان عن نقل السيطرة على حقول النفط في السدرة وراس لانوف شرقي ليبيا إلى جهة أخرى غير شركة النفط الوطنية، وقالت "إن منشآت وإنتاج وعائدات النفط في ليبيا ملك للشعب الليبي.

ويجب أن تبقى تحت السيطرة الحصرية لمؤسسة النفط الليبية المعترف بها قانونيا وتحت الإشراف الوحيد لحكومة الوفاق الوطني، وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي". وأكد البيان أن أي محاولة للالتفاف على عقوبات مجلس الأمن المفروضة على النظام الليبي ستلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد الليبي، ودعا جميع الجهات المسلحة إلى وقف الأعمال العدائية والانسحاب الفوري وبدون أي شروط من المنشآت النفطية.

وطلبت حكومة الوفاق المعترف بها دوليا من الامم المتحدة بوقف أي محاولة "غير قانونية" لبيع النفط الليبي، ردا على إعلان قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حت ادارة مؤسسة نفطية تابعة للحكومة الموازية. وجاء في بيان صادر عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ان ما "اعلنته بعض الجهات غير المخولة من تسليم الموانىء النفطية الى كيان غير شرعي وغير معترف به يمثل اعتداء واضحا على صلاحيات واختصاصات المؤسسة الوطنية للنفط" التابعة لحكومة طرابلس، مطالبا مجلس الامن الدولي ب"إيقاف أي عمليات بيع غير قانونية قد تحدث بسبب هذه الافعال".

وتتنازع على السلطة في ليبيا الغارقة في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011 حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن عملية رعتها الأمم المتحدة وتعترف بها الأسرة الدولية، وحكومة موازية في الشرق تحظى بتأييد آخر برلمان منتخب. وأعلن حفتر في بادرة تنطوي على تحد كبير، أن كل المنشآت التي تسيطر عليها قواته سيتم تسليمها "إلى المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة الليبية المؤقتة" ومقرها في مدينة البيضاء.

الهلال النفطي

وفي هذا الشان أعلن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر (الرجل القوي في الشرق) انتهاء العمليات العسكرية في الهلال النفطي الذي بات تحت "السيطرة التامة". وصرح آمر غرفة عمليات الهلال النفطي العميد أحمد سالم في شريط فيديو نشره الجيش الوطني الليبيان الحقول و"المنشآت النفطية تحت السيطرة التامة". كما أكد المتحدث باسم تلك القوات خليفة العبيدي "الانتصار المؤزر (...) والانتهاء من عمليات التمشيط ومطاردة فلول العدو". وكانت جماعات مسلحة يقودها المدعو إبراهيم الجضران هاجمت في 14حزيران/يونيو محطات رأس لانوف والسدرة، وهما من المواقع الرئيسية في هذه المنطقة لتصدير النفط الليبي إلى الخارج. والجضران هو الرئيس الأسبق لحراس منشآت النفط المسؤولين عن أمن منطقة الهلال النفطي. وقد وقف تصدير النفط من هذه المنطقة طوال عامين قبل أن يطرده الجيش الوطني الليب"في 2016.

وأعلن المشير حفتر شن عملية عسكرية لاستعادة الهلال النفطي وطرد جماعة الجضران. وبعد ساعات قليلة، أعلنت تلك القوات استعادة السيطرة على المنطقة، لكن حفتر أوضح أن العمليات العسكرية لم تنته بعد. من جهة أخرى، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تعليق عملياتها في المنطقة بسبب العنف وحذرت من خسائر بمليارات الدولارات. وقد تراجع إنتاج البلاد من النفط الذي بلغ أكثر من مليون برميل في اليوم بمقدار450 ألف برميل في اليوم.

وجرى إجلاء العاملين في الميناءين الرئيسيين الواقعين في منطقة الهلال النفطي بشرق ليبيا. وتوقف التصدير عندما هاجمت قوات مناوئة لقوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر الميناءين وسيطرت عليهما. وتعرض صهريجان لتخزين النفط للتدمير أو لأضرار بالغة بسبب الحرائق أثناء الاشتباكات. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إن عملية الإصلاح قد تستغرق سنوات. وقال رجل إطفاء إن صهريجا ثالثا اشتعلت فيه النار في رأس لانوف قبل أن تتم السيطرة على الحريق.

وحفتر واحد من الشخصيات الرئيسية التي تتنافس على السلطة في ليبيا منذ شهدت الدولة انقسامات بعد الانتفاضة المدعومة من حلف شمال الأطلسي في 2011. ويحظى حفتر باعتراف دولي متزايد منذ سيطرة قواته على موانئ الهلال النفطي في 2016 وسماحه للمؤسسة الوطنية للنفط بإعادة فتحها رغم رفضه للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس. بحسب رويترز.

وقال الجيش الوطني الليبي إن كتائب دفاع بنغازي شاركت أيضا في الهجوم. والكتائب عبارة عن تحالف من مسلحين مناوئين لحفتر حاولوا من قبل التقدم صوب بنغازي وسيطروا على ميناءي رأس لانوف والسدرة لمدة عشرة أيام في مارس آذار 2017. ويستخدم الجانبان مرتزقة مجندين من جنوب ليبيا ومن تشاد والسودان. وقال الجضران، الذي ينتمي لمنطقة الهلال النفطي، إنه هاجم الموانئ”لرفع الظلم“ الذي تعرض له سكان المنطقة على يد الجيش الوطني الليبي خلال العامين الماضيين.

ووجهت اتهامات للجيش الوطني بارتكاب انتهاكات واعتقالات جماعية بعد استعانته بتحالفات قبلية للسيطرة على الميناءين قبل عامين. وحفتر هو الشخصية المهيمنة في شرق ليبيا وهو متحالف مع حكومة وبرلمان مقرهما شرق البلاد منذ 2014. وسيطر حفتر منذ نهاية العام الماضي على بنغازي الواقعة شمال شرقي الهلال النفطي بدعم من حلفاء إقليميين بينهم مصر والإمارات.

إجراءات قانونية

على صعيد متصل هاجمت المؤسسة الوطنية للنفط قرار حفتر، مؤكدة أن تصدير السلطات الموازية للنفط هو عمل "غير قانوني". وقالت المؤسسة في بيان ان "القيادة العامة (للجيش الوطني الليبي) لا تتمتع بأي سلطة قانونية تمكّنها من السيطرة على صادرات النفط في ليبيا"، مذكرة بأنه "هناك مؤسسة وطنية شرعية واحدة للنفط معترف بها لدى منظمة البلدان المصدرة للنفط، الأوبك، والمجتمع الدولي". وحذرت المؤسسة "الشركات من إبرام عقود لشراء النفط مع المؤسسات الموازية". وأكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله "أنّ المؤسسة ستتخذ كل الاجراءات القانونية اللازمة ضد كل الشركات التي لا تحترم هذا القرار".

وأعلنت الحكومة الموازية في البيضاء من جانبها انها "تطمئن كل الليبيين بأننا نضمن التوزيع العادل لعوائد النفط وبأننا سنعمل على حل كافة المختنقات التي يعاني منها المواطن الليبي بكل شفافية تامة. ونطمئن كل الشركات الأجنبية بأن كل التعاقدات السابقة مع الأطراف الخارجية ملتزمون بها، وأن أيدينا ممدودة للجميع". وتصدر ليبيا النفط إلى كل أنحاء العالم لا سيما إلى أوروبا والولايات المتحدة والصين.

وكان البنك المركزي الليبي يتولى حتى الآن إدارة عائدات النفط لصالح حكومة الوفاق الوطني التي تقوم بدورها بدفع رواتب الموظفين في كل أنحاء البلاد بما في ذلك في المناطق التي تديرها السلطات الموازية. ولدى كل طرف بنك مركزي خاص به ومؤسسة نفط تابعة له ووكالة انباء خاصة به. ولتبرير قرار المشير حفتر، قال المتحدث باسمه العميد أحمد المسماري إن القرار اتخذ بعد ان تبين ان "تمويل المجموعات المسلحة يأتي من العائدات النفطية"، في إشارة إلى الجماعات المسلحة التي يقودها ابراهيم الجضران وهاجمت في الرابع عشر من حزيران/يونيو محطتي رأس لانوف والسدرة، وهما من أبرز موانئ تصدير النفط.

وعبر المسماري عن الأسف لأن "الجيش الوطني الليبي" لم يتلق أي دعم لقاء حماية المنشآت النفطية منذ 2016، على الرغم من خسارته العشرات من العسكريين، وكميات كبيرة من العتاد والذخيرة خلال التصدي للهجمات التي استهدفت الهلال النفطي. وقال "لم نتلق ديناراً واحداً من المؤسسة الوطنية للنفط"، ملمحا الى ان "الجيش الوطني الليبي" يحق له الحصول على جزء من "الثروات من اجل التجنيد وشراء الأسلحة والمعدات". والجضران هو الرئيس السابق لحراس المنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي. وقد تمكن من منع تصدير النفط من هذه المنطقة طوال عامين قبل ان يطرده "الجيش الوطني الليبي" في أيلول/سبتمبر 2016.

ووقعت معارك عنيفة خلال الاسبوعين الماضيين بين قوات حفتر ومجموعات بقيادة الجضران، تمكنت خلالها هذه المجموعات من السيطرة على منطقة الهلال النفطي، قبل ان تشن قوات حفتر هجوما مضادا استعادت خلاله المنطقة الخميس الماضي. في أواخر أيار/مايو، جمع ماكرون أبرز أطراف الأزمة الليبية وبينهم حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج اللذين اتفقا على إعلان ينص على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في 10 كانون الأول/ديسمبر 2018 وتوحيد المؤسسات. بحسب فرانس برس.

وقال صنع الله في طرابلس ان القيادة العامة للجيش تحت إمرة المشير حفتر، ومن خلال قرارها الأخير، "أضاعت فرصة ممتازة لخدمة المصلحة الوطنية" و"أدارت ظهرها لاتفاقات باريس والمصلحة الوطنية والطريق إلى السلام". وقالت حكومة الوفاق من جهتها ان قرار حفتر الاخير "لا يخدم مسار التوافق" و"يقوض الجهود الدولية لترسيخ الاستقرار".

جهود وتحذيرات

من جانب اخر قال المستشار أحمد أبوزيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إن مصر تقوم بدور مهم في مواجهة مساعدة المؤسسة العسكرية الليبية على توحيد صفوفها لكي تطلع دورها بشكل كامل. وأضاف" أبو زيد"، أن دور الأطراف الإقليمية الزعامة الليبية كداعم للحوار بين الليبيين، لكن هذا لا يعنى أن هناك تدخل في الشأن الليبي. وتابع: لكن المطلوب هو اتاحة الفرصة للأشقاء في ليبيا هذا الحوار، والتوصل إلى التوافق المطلوب وهنا تطلع مصر بدور مهم مع الأشقاء الدول التي تجاور ليبيا ومنهم تونس والجزائر لحل هذه الأزمة. واستطرد: "هناك جهد أخر تقوم به المنظمات الدولية تحت رعاية الأمم المتحدة ودوها الرئيسي في الحوار الليبي وإجراء الانتخابات في أقرب فرصة". يؤكد المسؤولون المصريون على ضرورة الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وضرورة رفع حظر التسليح عن الجيش الليبي، الذي يخوض مواجهات مع التنظيمات الإرهابية.

ولم تستطع الكثير من القوى الخارجية الفاعلة في الأزمة الليبية أن تتبنى موقفا واحدا على طول الخط، مع أو ضد هذا الطرف أو ذاك، وبدا أن تأييدها لطرف لا يعني خصومة مع الطرف الآخر، وهي لعبة نجمت عن تعقد الأزمة وتعدد المؤثرين فيها، فضلا عن انفتاحها على احتمالات متباينة. وتدعم مصر وفرنسا المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي. وقد قامتا بتأييده في العمليات العسكرية الأخيرة في درنة. وساهم الدعم الفرنسي في تحقيق نقلة نوعية، تمثلت في سرعة تحرير درنة من قبضة الإرهابيين، وقبلها بأيام قليلة استعاد حفتر سيطرته على منطقة الهلال النفطي التي حاولت ميليشيات إبراهيم الجضران إحكام سيطرتها عليه، بدعم من جماعات إسلامية وحلفاء دوليين.

واتفقت القاهرة وباريس على دعم الجيش الليبي. وأعلنت فرنسا تأييدها لتحركات مصر من أجل توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة حفتر. لكن باريس لم ترتح لخطوة حفتر بشأن نقل تبعية المؤسسة النفطية إلى حكومة عبدالله الثني في شرق ليبيا، وإبعادها عن سيطرة حكومة فايز السراج في طرابلس والتي تحظى بشرعية دولية. وجاء قلق باريس من تقدير يشي بأن قرار نقل تبعية الهلال النفطي إلى حكومة الثني من الصعب أن يتخذه حفتر ويوافق عليه البرلمان، الذي يرأسه عقيلة صالح المدعوم من القاهرة أيضا، دون الحصول على ضوء أخضر من مصر.

ولدى مصر اعتقاد أن تعقيدات الأزمة تستلزم امتلاك حفتر جملة من الأوراق للضغط بها، بعد أن تأكدت من وجود جهات كثيرة تريد التخلص منه ووضع مصدات أمام صعوده سياسيا، الأمر الذي تكشفت معالمه أثناء فترة تلقيه العلاج في فرنسا منذ نحو شهرين. كما أنه من الضروري إحداث تغيير في مواقف القوى الغربية المرتبكة، والتي لا يزال بعضها يتعامل مع الأزمة دون إلمام كامل بجوانبها. وترى القاهرة أن استحواذ حفتر على ورقة الهلال النفطي ليس المقصود منه استفزاز أحد، لكن المراد تصويب مسار بعض التطورات والضغط على قوى تتبنى مواقف متناقضة، أي تعلن دعم الجيش الوطني وتأتي بتصرفات تسير عكس هذا الاتجاه.

الى جانب ذلك أكد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر حصوله على معلومات تشير إلى رغبة "بعض الأطراف الدولية" في إنشاء وجود عسكري جنوب البلاد تحت ذريعة التصدي للهجرة غير الشرعية. وحذرت القيادة العامة للجيش الوطني، في بيان لها، تلك الأطراف غير المسماة من الإقدام على هذه الخطوة، معتبرة إياها انتهاكا صارخا للقانون الدولي و"اعتداءً سافرا على الدولة الليبية وسيادتها على أراضيها".

وشدد البيان على أن الجيش الوطني سيتخذ "جميع الإجراءات والتدابير الكفيلة بحماية الدولة الليبية وحدودها وشعبها ومؤسساتها ومنشآتها ومقدراتها الاقتصادية، بما يمنع أي تصرف يمثل عدوانا وانتهاكا للسيادة الوطنية". وصدر البيان بعد يوم من زيارة وفد أمني وعسكري إيطالي إلى مدينة غات جنوب غرب ليبيا، بهدف إنشاء نقطة ارتكاز عسكرية ومدنية إيطالية بتمويل أوروبي لضبط حركة الهجرة غير الشرعية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0