دائماً ما يواجه اقتصاد أي بلد، مجموعة من التحديات والمعوقات التي تقوض كل من النمو والتنمية وتحد من نجاح الاهداف الخاصة بالسياسة الاقتصادية، ومن جملتها ولربما أهمها هي البطالة، اذ تمثل تحدي كبير ومستمر يفرض نفسه على الواقع الاقتصادي.

كما تعد من المتغيرات المتجددة والمتنوعة والمتشعبة والتي تأخذ ابعاد لااقتصادية وحسب وانما سياسية واجتماعية ايضاً، وهذا مايجعل أمر معالجتها شائك ومعقد أحياناً، ومما تجدر الاشارة اليه ان جميع الدول تعاني من البطالة ولكن بمعدلات وأشكال مختلفة، بسبب طبيعة كل بلد والظروف المحيطة به.

نناقش هنا فكرة مهمة طرحها الاقتصادي الانكليزي جون مينارد كينز، وهي مايعرف بالبطالة التكنولوجية، اذ اشار الى دور التطورات التكنولوجية في تحجيم قوة العمل وزيادة معدلات البطالة في الاقتصاد.

ولانريد هنا مناقشة هذه الفكرة بشكلها الاساسي، لأنها وببساطة واضحة وجلية للعيان، والأهم من ذلك هو كيف تعاملت الدول لاسيما المتقدمة منها مع هذه المشكلة الحرجة، والتجارب عديدة فمنها من ركز على رفع مستوى التعليم المهارات والقدرات البشرية ومنها من ركز على ان التكنولوجيا واعتمادها سيفتح المحال امام نشاطات ومجالات جديدة في الحياة ...الخ.

وقد نجحت معظم التجارب في ذلك ولو بالشكل الذي يجعل البطالة ضمن المعدل الطبيعي لها، والحفاظ على قوة العمل من مخاطر التكنولوجيا المتجددة، المهم في هذا الموضوع هو ان التكنولوجيا جاءت في تلك الدول على شكل مراحل وحلقات متسلسلة، وهذا ماسهل عملية معالجة البطالة التكنولوجيا الجديدة لديها.

ولكن لو أخذنا وضع كوضع العراق بالذات، لوجدنا الأمر مختلف كلياً عما هو الحال عليه في باقي الدول، فالعراق كان يعيش ضمن مستوى تكنولوجي متدني للغاية من وسائل الاتصال والانتاج وكذاك على صعيد البنى التحتية قبل العام 2003، وفجأة تحول كل شيء حتى أصبحت هناك طفرة كبيرة في مستوى التكنولوجيا وان كانت في كثير من معالمها مشوهه وغير صحيحة.

بسبب التقليد الأعمى والمحاكاة وفتح الابواب امام كل شي ودون وجود رقيب او سيطرة على الدخول والخروج، ولم يحصل الامر كما ذكرنا آنفاً على شكل تحول وانتقال طبيعي ومرحلي يتماشى وطبيعة البعد الزمني الذي يعيشه البلد.

وكأبسط مثال تطبيقي واقعي لذلك، نجد مثلا أصحاب محال صيانة غسالات الملابس القديمة وبعد انتشار الغسالات الجديدة او مايعرف بالفول اوتماتيك، أصبحوا شبه عاطلين عن العمل، او انهم تركوا عملهم هذا وأتجهوا الى نشاطات ومجالات أخرى، تؤمن لهم دخلا ما.

وفي ذات الوقت فأن هذه الغسالات الحديثة هي ذات تكنولوجيا اكثر تعقيداً من سلفها، لذا لاتجد من يستطيع صيانتها بشكل المطلوب، بسبب عدم توفر الكوادر اللازمة لذلك، بسبب الفجوة التكنولوجية التي حدثت نتيجة القفزة والطفرة بعد العام 2003، فضلاً عن ان اغلب من كان يعكل ضمن المجال القديم في الصيانة لم يطوروا قابلياتهم ومهاراتهم لأنتفاء الحاجة لذلك، وهم الأن في الغالب في مراحل عمرية متقدمة، لايستطيعون في الوقت الحالي تطوير مهاراتهم او تأهيل قدراتهم مع التطورات الحاصلة في التكنولوجيا.

الا ضمن مراكز صيانة محدودة للغاية، والامر يسري كذلك على أسواق السيارات ومايتعلق بصيانتها وادواتها الاحتياطية وصيانة الاجهزة الكهربائية المتطورة كالموبايل والتكييف ومنظومات الاتصال والانترنت ...الخ، وكذلك الحرف الشعبية والتراثية كالنجاريين والصفاريين وغيرها من المهن التي باتت في طور الانقراض.

فلو كان التطور التكنولوجي في العراق سلساً وطبيعياً، لأستطاع جميع من ذكرنا من التكيف والتأقلم مع الوضع من خلال رفع مستوى مهاراتهم وتدريبهم وتأهيلهم مع المستويات التكنولوجيا الجديدة، لضمان بقائهم في إطار قوة العمل.

الا ان التشوه والمحاكاة الخاطئة في انتقال التكنولوجيا سبب أضراراً واثاراً سلبية كبيرة على هذه الشرائح، لاسيما وانهم يعدون من ذوي الدخل المحدود.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0