بطريقة غير معتادة احتفت وسائل الاعلام السعودية برجل من المنطقة الشرقية بالبلاد شارك في القتال مع الجيش السعودي على الحدود مع اليمن، ونقلت اخبارا وتعازي لأمراء سعوديين يشيدون بما قام به باعتباره مدافعا عن وطنه، رغم انه ينحدر من الطائفة الشيعية التي تعد من الجماعات الدينية الكافرة وفق القاموس الوهابي الحاكم في البلاد.

الجندي الذي سقط في المعارك هو صادق حسين ابراهيم العواد (42) عاماً، من أبناء قرية الفضول في منطقة الإحساء شرقي السعودية التي يقطنها شيعة المملكة السعودية. وسارع امير المنطقة الشرقية للاتصال بأسرة الجندي معزيا بفقد ابنهم، إذ قال في اتصال هاتفي مع أسرة العواد: "إن ابنكم صادق إبراهيم العواد استشهد في ميدان العز والشرف، مؤديا واجبه في حماية مقدسات أرض الحرمين، والذود عن حياض بلادنا المباركة، وأفنى حياته في سبيل الحفاظ على أمن الوطن، وما استشهاده إلا دليل على إخلاصه وتفانيه في خدمة وطنه وقيادته الرشيدة، التي تفتخر بأبنائها وبما يقدمونه من تضحيات في سبيل الدفاع عن أمن هذا الوطن العزيز على قلوبنا جميعا".

نؤمن بحق أي شخص ان يدافع عن وطنه، وان يوصف بالشهيد كما فعلت وسائل الاعلام السعودية مع الجندي صادق العواد، وبالمقابل يفترض على السعودية ان تحترم حق الدول في الدفاع عن نفسها، من هجمات الجماعات الإرهابية التي تستبيح أراضيها وعلى الأقل ان تقلل من مناسيب شتائمها والتوصيفات الوضيعة ضد بعض الجيوش العربية والإسلامية التي تتعارض رؤيتها مع السياسة السعودية في المنطقة.

قناة العربية السعودية قالت ان الجندي صادق العواد كان يقاتل على الحدود السعودية مع اليمن معتبرة ذلك دفاعا عن الوطن، وهنا من حقنا ان نسأل عن صاحب الحق الذي يجب ان يدافع عن وطنه، هل ان الأراضي السعودية تمتد الى عدن او حضرموت وتعز والعاصمة اليمنية صنعاء، وهل من يقتل في هذه المناطق سيعتبر مدافعا عن الأراضي السعودية. قد نجد إجابة معاكسة عند قناة العربية ولكن في دولة أخرى وفي العراق تحديدا حيث تصنف الحشد الشعبي العراقي الذي يدافع عن المدن العراقية كمليشيا طائفية كونه يحارب لتحرير العراق من الجماعات الإرهابية. رغم ان الحشد والجيش العراقي يحاربان داخل الأراضي العراقية الا ان كل افعالهما تعتبر غير شرعية ومن يقتل منهم يجب الاحتفال بمقتله وتحقيره وفق المفهوم السعودي.

هذه الازدواجية في التعامل لم تأتي من فراغ فنظام الحكم في السعودية يتبنى الفكر الوهابي كمذهب رسمي في البلاد، وان طبيعة الحكم قائمة على تعاون مشترك بين المؤسسة الدينية التي توفر الغطاء الشرعي والفتاوى التي تعطي مسوغا دينيا لطاعة حكام المملكة كما ان هذه المؤسسة الدينية وبحكم الصلاحيات التي تتمتع بها ونفوذها الواسع هي التي تحدد في اغلب الأحيان الحق والباطل بحسب الأعراف المعمول بها في المملكة، ومن جانب اخر تقوم الحكومة والعائلة المالكة بتوفير احتياجات المؤسسة الدينية المالية وتوفر لها الغطاء السياسي والقانوني للتحرك داخل البلاد من خلال هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر او حتى المؤسسات الدينية التابعة للمذهب الوهابي في الخارج، والمستفيدة من السفارات السعودية والتسهيلات التي تقوم بها من اجل نشر افكارها الدينية.

وبحسب المؤسسة الوهابية السعودية فان الشيعة يعتبرون "كفارا وعبيد قبور"، ولا علاقة لهم بالإسلام وما تقوم به الجماعات التكفيرية في مختلف البلدان التي يتواجد فيها الشيعة تمثل تطبيقا عمليا لهذه الفتاوى، وهم يرفضون أي تعاون او حوار مع هذه الطائفة الإسلامية، وكثيرا ما يستخدمون كلمة صفوي للتعبير عن أي شخص شيعي في إشارة الى تبعية هذا المذهب لإيران.

الا ان السعودية بدأت تشعر بحجم العزلة التي وقعت فيها نتيجة انصياعها للمؤسسة الدينية الوهابية، وقيامها بانتهاكات لكل من لا يدين بالولاء المطلق لها، وتقارير منظمات حقوق الانسان تصرح بالاستنكارات في هذا المجال. لذلك تحاول هذه الدولة التي تكونت من خلطة دينية وعشائرية بدوية لإبراز نفسها كدولة متسامحة ومتعددة الطوائف، وهذا ما دفع جريدة الشرق الأوسط لاقتباس قول أحد أقرباء الجندي صادق العواد بانه لم يتعرض لأي ضغوط وانه كان سعيدا بعمله، ويعيش أجواء اخوية مع رفاقه. وبالطبع فان ذلك محل شك كبير بحكم واقع الممارسات السعودية القمعية واللامبدئية في التعامل.

ازدواجية السعودية في التعامل مع الاحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط لا تتوقف عند اطلاق صفة الشهيد او المليشيات كما تفعل مع الحشد الشعبي على سبيل المثال او مع الجندي صادق العواد، بل تتعداها ابعد من ذلك، فمفهوم الثورة مختلف تماما، والمعارضة التي تذبح طفلا عمرة 12 عاما في سوريا تعد ثورة سلمية يجب الدفاع عنها وتوفير الإمكانات المادية والبشرية لنجاحها، وفي المقابل فان التظاهرات التي تقوم بها الأغلبية البحرينية ضد نظام الحكم الذي تسيطر عليه الأقلية يعتبر من كبائر الذنوب ومن يكتب تغريده في تويتر قد تسحب جنسيته او يتهم بالإرهاب الذي بات مفهوما سائلا يوظف حيث تقف المصالح السياسية.

وما يتم توظيفه من نصوص دينية لتكفير الشيعة تأتي في اطار خدمة الأهداف السياسية للعائلة الحاكمة في البلاد من اجل التوسع والنفوذ ومحاولة تزعم العالم الإسلامي من خلال فرض الاحكام على ما يصلح ولا يصلح، وبالتالي فلا غرابة ان يكون صادق العواد شهيدا مدافعا عن وطنه وفي المقابل فان مصطفى العذاري الذي اعدمته جماعة داعش في الفلوجة والمكونة من جنسيات متعددة يعد رجل مليشيا يستحق القتل والتنكيل، وتسوق الحجج المزيفة لإثبات جرائم افتراضية يسوقها الاعلام السعودي.

قد يظن السعوديون انهم يديرون اللعبة بذكاء مستفيدين من أموال النفط وفتاوى الوهابية وغطاء الولايات المتحدة، لكنهم لم يهيئوا انفسهم للمستقبل فالمؤسسة الدينية قد تجذر التطرف فيها حتى باتت عصية على التأقلم مع ما يريده حكام البلاد، ومعارضتهم لبعض بنود رؤية الإصلاح التي اطلقها محمد بن سلمان تؤكد هذا الكلام، اما أموال النفط التي تعد المصدر الأساسي للمال السعودي فلم يعد النفط ذهبا اسود كما في السابق، وبفعل تطرف رجال الدين وانخفاض قيمة النفط هبطت قيمة السعودية كدولة تخدم المصالح الامريكية في المنطقة، ما يمهد الطريق لطلاق ابدي بين هاتين الدولتين، وعندما تحين ساعة ذلك الطلاق الذي يبدو انه بات قريبا جدا ستجد السعودية نفسها أسيرة سياسة استعداء الجميع وليس مستبعدا ان ينقض عليها هذا الجميع ليحولها الى أشلاء وكيانات صغيرة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0