2237

سيمون جونسون

 

واشنطن، العاصمة ــ بعد ما يقرب من عشر سنوات من الأزمة، وعمليات الإنقاذ، والإصلاح في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أصبح النظام المالي ــ في هذه البلدان وعلى مستوى العالم ــ شبيهاً إلى حد لافت للنظر بذلك الذي كان لدينا في عام 2006. وقد جربنا العديد من الإصلاحات المالية منذ عام 2010، ولكن الآثار الإجمالية كانت محدودة. وكانت بعض البنوك الكبرى متعثرة، ولكن بنوكاً أخرى ارتفعت لكي تحتل مكان المتعثرة. وقبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، واليوم أيضا، كان ما يقرب من عشرة بنوك كبيرة تهيمن على المشهد المالي العالمي. بيد أن الأرض تتحرك الآن تحت قواعد القطاع المالي، وربما تصبح البنوك الضخمة قريباً آثراً بعد عين.

ويُعرِب قِلة من المسؤولين في جلسات خاصة عن ارتياحهم لسير الإصلاح المالي، ولكن نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، مَسَّ وتراً حساساً مؤخراً عندما دعا إلى إعادة تقييم مدى التقدم الذي أُحرِز في التصدي لمشكلة المؤسسات المالية التي هي "أكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس".

كان كاشكاري يعمل تحت قيادة هنري بولسون في وزارة الخزانة الأميركية، بدءاً من عام 2006. وهو لم يراقب الأزمة المالية وهي تتطور فحسب؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2008 أصبح مساعد الوزير المسؤول عن برنامج إغاثة الأصول المتعثرة، بهدف الحفاظ على استقرار النظام المالي. وهو جمهوري عمل في جولدمان ساكس (وهو بنك كبير) وبيمكو (شركة كبيرة لإدارة الأصول). ولهذا، يصغي الناس إليه عندما يقول: "أعتقد أن أكبر البنوك لا تزال أكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس ولا تزال تفرض خطراً كبيراً ومستمراً على اقتصادنا".

وكاشكاري محق في تقييمه لإصلاحات دود-فرانك المالية لعام 2010. فقد دَفَع هذا التشريع وما ترتب عليه من لوائح تنظيمية بعض القضايا في الاتجاه الصحيح. ولكن كما يقول كاشكاري، "في ضوء التكاليف الهائلة التي قد ترتبط بأزمة مالية أخرى والافتقار إلى اليقين حول ما إذا كانت هذه الأدوات الجديدة فعّالة في التعامل مع أي أزمة أخرى، فأعتقد أننا لابد أن ننظر بجدية في خيارات أكثر جرأة وقدرة على التغيير".

والآن يقترح كاشاري النهج الصحيح على وجه التحديد: عقد مؤتمرات عامة ومناقشات مستفيضة لتقييم ما إذا كان من الواجب تفكيك البنوك الضخمة، وما إذا كان من الواجب إرغامها (هي وغيرها من المؤسسات المالية) على تمويل أنفسها بقدر أكبر من رأسمال المساهمين وقدر أقل من الديون، أو ما إذا كان من الواجب فرض ضريبة على الديون لتثبيط الاستدانة المفرطة. وسوف يُعقَد المؤتمر الأول في الرابع من إبريل/نيسان (وسوف أكون أحد المتحدثين).

الواقع أن كاشكاري واحد فقط من اثني عشر رئيساً لبنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية، وهو يترأس لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، التي تحدد السياسة النقدية ــ ولكنه لا يترأس لجنة محافظي نظام الاحتياطي الفيدرالي الذي يشرف على التنظيم المصرفي. ومع هذا فإن دعوته لتقييم مشكلة البنوك الأكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس سوف تخلف تأثيراً كبيراً لثلاثة أسباب.

السبب الأول أن وجهات النظر التي يعبر عنها معقولة تماماً ولا تتعارض مع التيار السائد، وتستند على خبرة عميقة (خبرته وخبرات آخرين) في التعامل مع هذه الأزمة وغيرها من الأزمات المالية. ويقدم كاشكاري من موقف السلطة رسالة كان كثيرون آخرون من العقلاء يحاولون نقلها إلى الناس طوال ما يقرب من عشر سنوات.

وثانيا، كان كاشكاري حريصاً على تفصيل نفس الرأي الذي يطرحه بقية المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين على الناخبين ــ بلغة البنوك المركزية المناسبة. والواقع أن هيلاري كلينتون لديها خطة مفصلة ومدروسة للإصلاح المالي، مع التركيز على فرض الضرائب على الاستدانة وزيادة متطلبات رأس المال. ويفضل بيرني ساندرز تفكيك البنوك. ولكن الهدف واحد؛ وكما يشير كاشكاري فإن أياً من هذه الأدوات من الممكن أن تحملنا إلى مكان أفضل.

وعندما يبدأ الجمهوريون والديمقراطيون العقلاء في التقارب بشأن السياسات، فسوف يصبح احتمال حدوث التغيير المعقول أكثر ترجيحا.

والسبب الثالث أن توقيت كاشكاري يتزامن مع وصول تكنولوجيا "سلسلة التجميع"، التي تجعل من الممكن تنظيم المعاملات المالية على نحو أكثر ابتعاداً عن المركزية. والواقع أن العديد من النسخ من هذه التكنولوجيا إما أصبحت متاحة بالفِعل أو قيد التطوير حاليا ــ وهناك احتمال حقيقي للغاية أن تنجح هذه التكنولوجيا في الحد من تكاليف المعاملات في قسم كبير من القطاع المالي.

ونحن لا نعرف حتى الآن أي نسخة قد تكون لها الغَلَبة، وهناك مناقشة نشطة تدور حول كيفية التأكد من أن المعايير والأنظمة الجديدة تعمل على تعزيز الاستقرار ــ وليس إنتاج عواقب غير مقصودة وغير سارة (كما كانت الحال مع بعض الإبداعات المالية السابقة).

والأمر الأكثر أهمية هو أن تكنولوجيا سلسلة التجميع لديها القدرة على التقليل إلى حد كبير من ــ أو حتى إزالة ــ قيمة الوسيط الموثوق به، مثل البنوك الضخمة. ورغم هذا فإن البنوك الضخمة أنفسها تضخ المال في هذه التكنولوجيا ــ على أمل إنقاذ جزء ما على الأقل من تجارتها من خلال الحد من درجة اللامركزية المطلقة.

سوف يقود كاشكاري الطريق إلى إعادة النظر في ــ وربما إنهاء ــ مشكلة البنوك الأكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس في البنوك الكبرى التقليدية. وفي عالم سلاسل التجميع، من المرجح أن يعمل هو وزملاؤه جاهدين لمنع مشكلة البنوك الأكبر من أن يُسمَح لها بالإفلاس من العودة إلى الظهور في أي من أشكالها العديدة المتغيرة.

* كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سلون، وزميل بارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1