يكشف المقال أن الناخبين الأميركيين أصبحوا أقل ارتباطًا بالولاءات الحزبية وأكثر استعدادًا لتغيير خياراتهم تحت ضغط القلق الاقتصادي والاجتماعي. وتظهر التحولات بين الشباب واللاتينيين والمستقلين أن المشهد الانتخابي أكثر سيولة مما توحي به صورة الاستقطاب. وأن استعادة الثقة تتطلب برامج عملية تعالج تكاليف المعيشة والهجرة والصحة والتعليم والإسكان...
يتناول المقال التحولات السريعة في السلوك الانتخابي الأميركي، مبينًا أن صورة المجتمع المنقسم إلى معسكرين ثابتين لا تفسر وحدها ما يجري، لأن قطاعات واسعة من الناخبين باتت أقل ارتباطًا بالأحزاب وأكثر استعدادًا لتغيير خياراتها. ويرى فريد زكريا في مجلة «فورين بوليسي» (Foreign Policy) أن القلق من المستقبل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الثقة بالأحزاب التقليدية، تدفع نحو سيولة سياسية متزايدة لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تظهر أيضًا في أوروبا وأميركا اللاتينية، بما يجعل الناخبين أقل ولاءً وأكثر انفتاحًا على البرامج التي تمنحهم شعورًا بالأمن والقدرة على التعامل مع المستقبل.
ففي مختلف أنحاء العالم، وقبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، يتخلى الناخبون القلقون عن ولاءاتهم السياسية بسرعة قياسية.
ويرى الكاتب أن:
الصورة السائدة عن أميركا هذه الأيام هي صورة بلد منقسم بعمق، تفصل بين أبنائه خطوط التعليم والطبقة والثقافة، وتحوله إلى معسكرين متصارعين لا يطيق أحدهما الآخر. وعندما تشاهد الرئيس دونالد ترامب في الحملة الانتخابية، أو تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، يتعزز هذا الانطباع باستمرار. لكن استطلاعات الرأي، ونحن نقترب من انتخابات التجديد النصفي، تشير إلى أننا ربما أغفلنا شيئًا بالغ الأهمية بشأن أميركا اليوم. فالبلاد تمر بحالة من التحول، وتشعر قطاعات واسعة من سكانها بالقلق إزاء المستقبل، كما أنها غير واثقة من ولاءاتها السياسية. وبعبارة أخرى، فإن الناخبين الأميركيين متاحون سياسيًا للمنافسة على أصواتهم.
ولنتأمل التحولات التي جرت خلال عامين فقط. ففي عام 2024، حصل ترامب على [44 في المئة] من أصوات الناخبين من أصول لاتينية، وفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز». أما في استطلاع حديث للصحيفة نفسها، فقال [31 في المئة] فقط من الناخبين اللاتينيين إنهم يعتزمون التصويت لمرشح جمهوري للكونغرس في انتخابات التجديد النصفي. وكان ترامب قد [قلص] قبل عامين الفجوة الضخمة التي كان يعانيها الجمهوريون بين الناخبين الشباب إلى عشر نقاط مئوية فقط. أما اليوم، فأصبحت هذه الفجوة أوسع مما كانت عليه أثناء [انتخاب] باراك أوباما عام 2008، إذ بلغت [44 نقطة] لمصلحة الديمقراطيين في سؤال التصويت العام للكونغرس. وهذه تحولات زلزالية نادرًا ما تحدث خلال فترة قصيرة لا تتجاوز عامين.
لكن الزمن تسارع، وأصبحت التحولات التي كانت تستغرق سنوات قادرة على الحدوث خلال أشهر، بل حتى أسابيع. ففي البرازيل، جاء الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في المرتبة الثانية في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، [متأخرًا] عن فلافيو بولسونارو بأكثر من مليوني صوت. وخلال ثلاثة أسابيع، تمكن لولا من إقناع عشرة ملايين ناخب إضافي بالتصويت له، وفاز بالجولة النهائية بفارق مريح. ولم يسبق في تاريخ الانتخابات الرئاسية البرازيلية أن استطاع مرشح [حل ثانيًا] في الجولة الأولى تغيير عدد كافٍ من الآراء بما يسمح له بالفوز في الجولة النهائية.
نحن نعيش في عصر من القلق، وهذا يعني أن الناس أصبحوا غير واثقين من انتماءاتهم السياسية. ففي مختلف أنحاء أوروبا، تخلوا عن الأحزاب التقليدية واتجهوا إلى أحزاب جديدة، غالبًا ما تكون أكثر تطرفًا على اليمين، ولكن أيضًا على اليسار. ويأتي جزء من ذلك ردًا على حقيقة أن أحزاب الوسط، يمينًا ويسارًا، أخفقت في معالجة بعض القضايا الكبرى، مثل الهجرة غير الشرعية وانهيار نظام اللجوء.
كما نُظر إلى هذه الأحزاب بوصفها غير مستعدة للدفاع عن اندماج المهاجرين في الثقافة العامة للمجتمع، ومكتفية بإجراء تعديلات محدودة على دولة رفاه أصبحت مختلة ومتهالكة. لكن عندما تكون النتيجة غضبًا يساريًا يتحول إلى أعمال شغب في الشوارع، فإن اليمين هو الذي استفاد تاريخيًا. ويبدو أن هذا النمط [سيتكرر] في فرنسا مع اقتراب انتخاباتها الرئاسية في العام المقبل.
والحقيقة أن عددًا أكبر من الناس، أكثر من أي وقت مضى، باتت ولاءاتهم السياسية ضعيفة. فقد أظهر [استطلاع حديث لمركز بيو] أن ربع الذين صوتوا لترامب عام 2024 أصبحوا ينظرون بصورة سلبية إلى الحزب الجمهوري. ومن بين هؤلاء، قال نحو نصفهم فقط إنهم سيدعمون مرشح الحزب الجمهوري للكونغرس في انتخابات التجديد النصفي.
ويعرّف [نحو نصف] الأميركيين أنفسهم اليوم بأنهم مستقلون سياسيًا. وحتى أولئك الذين يميلون إلى أحد الحزبين لا يفعلون ذلك بالضرورة نتيجة تعلق عميق به. فقد أظهر [استطلاع لمركز بيو] أن 64 في المئة من المستقلين الميالين إلى الديمقراطيين ذكروا الضرر الناجم عن سياسات الجمهوريين سببًا رئيسيًا لتفضيلهم، في حين أشار 27 في المئة فقط إلى المنافع التي حققتها السياسات الديمقراطية. وأظهر المستقلون الميالون إلى الجمهوريين نمطًا مشابهًا. ووفقًا [لاستطلاع حديث لصحيفة «وول ستريت جورنال»]، أراد 52 في المئة من الديمقراطيين أن يصبح حزبهم أكثر اعتدالًا أو أن يبقى كما هو، بينما أراد 37 في المئة فقط أن يصبح أكثر ليبرالية.
أما مشكلات الجمهوريين، فهي في جانب كبير منها من صنع أيديهم. فالناخبون ينظرون إلى الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب وإلى الحرب على إيران، ويربطونهما مباشرة بارتفاع الأسعار وأزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وهناك آخرون رحبوا بإغلاق الحدود، لكنهم لم يرحبوا بالمداهمات المتطفلة والقاسية التي تنفذها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية بحق من يُشتبه في أنهم مهاجرون غير موثقين. وبالنسبة إلى آخرين، أصبحت الطبيعة العلنية والصارخة للفساد في ولاية ترامب الثانية أكثر مما يمكن احتماله.
لكن لا شيء من ذلك يشير إلى أنهم أداروا ظهورهم للمبادئ الأساسية لأجندة «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» (ماغا). فمرشح من تيار ماغا يكون أكثر اتساقًا في التزامه بأيديولوجيته، ولا يكون نرجسيًا أو فاسدًا، قد يتمكن من استعادة أولئك الجمهوريين الذين أصيبوا بخيبة أمل.
وهناك فرصة هنا للوسط السياسي، لكنها لن تتحقق بمجرد القول إن أصحاب النهج المسؤول قد عادوا، وإنهم سيحاسبون ترامب ويصلحون ما أفسده. فهم يحتاجون إلى أجندة إيجابية تستطيع تهدئة بعض المخاوف بشأن المستقبل. والأجندة الأفضل ستكون تلك التي تستمد عناصر من اليسار واليمين معًا. أبقوا الحدود مغلقة، وأعيدوا هيكلة نظام اللجوء بحيث لا يستطيع الملايين استغلال الثغرات للدخول إلى البلاد. وعالجوا تكاليف الرعاية الصحية باستخدام التقنيات الجديدة، ولكن أيضًا باستخدام سلطة الحكومة للإبقاء على التكاليف منخفضة وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية، وهذان الهدفان يمكن أن يتحققا معًا، لأنه كلما ازداد عدد الأشخاص الأصحاء [داخل مجموعة التأمين] أصبح النظام أكثر قابلية للاستمرار.
وأعيدوا تشكيل التعليم، عبر تشجيع المدارس الحكومية وتنسيق جهودها، باستخدام قوة الذكاء الاصطناعي لمنح كل شخص مدرسًا خاصًا به. وابنوا المساكن، الكثير منها وفي كل مكان. وارفعوا الضرائب على رأس المال، وخفضوا الضرائب على الأجور والعمل.
قدموا للأميركيين أجندة يجدونها مقنعة، تمنحهم شعورًا بأن المستقبل يمكن التعامل معه، وأن لهم مكانًا فيه. وقد يؤدي فعل ذلك إلى كسب أصواتهم ليس في الأسبوع المقبل فحسب، بل إلى كسب ولائهم لسنوات.



اضف تعليق