يكشف تاريخ جون روكفلر كيف يمكن أن يتحول النجاح الاقتصادي الهائل إلى مصدر قلق عام عندما تقترن الثروة بالاحتكار والنفوذ السياسي وإضعاف المنافسة. واليوم يواجه أباطرة التكنولوجيا مسارًا مشابهًا مع اتساع قوة شركاتهم وتأثير الذكاء الاصطناعي، ما قد يثير ردود فعل شعبية وتشريعية إذا بدا أنهم يخدمون النخب على...
يستعيد المقال تجربة جون د. روكفلر وصعود «ستاندرد أويل» من رمز للنجاح الرأسمالي الأميركي إلى عنوان للاحتكار والنفوذ السياسي، ليقارنها بالنفوذ المتزايد لأباطرة التكنولوجيا المعاصرين. ويبين الكاتب جوليان إي. زيليزر في مجلة «فورين بوليسي» (Foreign Policy) أن القوة الاقتصادية الهائلة التي يتمتع بها قادة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد تتحول، عندما تقترن بإضعاف المنافسة والتأثير السياسي واتساع التفاوت الاقتصادي، إلى مصدر رد فعل اجتماعي وتشريعي شبيه بما واجهه روكفلر في العصر المذهب.
ويقول الكاتب في مقاله:
أصبح أباطرة الأعمال اليوم من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في السياسة الأميركية. ويقف إيلون ماسك وبيتر ثيل وسام ألتمان ومارك زوكربيرغ وآخرون في قلب المخاوف المتزايدة بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في البلاد. وهذه الشخصيات، التي كانت قبل بضع سنوات فقط تحظى بالإشادة بوصفها رائدة في الابتكار التكنولوجي ويُنسب إليها الفضل في تعزيز المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة، يُنظر إليها الآن بصورة مختلفة تمامًا. ففي أغسطس/آب، أظهر استطلاع أجرته شبكة «سي إن بي سي» ومؤسسة «جينيريشن لاب» أن عددًا أكبر من الأميركيين الشباب لا يثقون بقادة الذكاء الاصطناعي مقارنة بمن يثقون بهم.
ويروّج قادة الأعمال هؤلاء لتكنولوجيات يمكن أن تخلق مخاطر على الأمن القومي، في الوقت الذي تزيد فيه عدم المساواة الاقتصادية سوءًا وتهدد وظائف الأميركيين من ذوي الياقات البيضاء والطبقة العاملة على حد سواء. وهم أعضاء في طبقة من النخبة تمارس نفوذًا سياسيًا هائلًا بفضل ثروتها، وتجسد الأخطار التي يمكن أن يشكلها المال على النظام الديمقراطي. وهم يشرفون على شركات بلغت قوتها حدًا هائلًا يجعل مبدأ حرية المشاريع والمنافسة في السوق أكثر هشاشة باطراد. وفي الواقع، وكما ظهر بوضوح خلال حفل تنصيبه الثاني، أصبح كثير منهم متداخلين بصورة وثيقة مع إدارة ترامب، مشاركين في تحالف وثيق بين قطاع الأعمال والحكومة، وهو نمط لطالما انتقده كثير من الأميركيين عندما شاهدوه في بلدان أخرى.
وليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها الأميركيون هذه المشكلة. فعلى امتداد تاريخ البلاد، تعرض عدد كبير من الأشخاص الذين احتُفي بهم في وقت ما بوصفهم رموزًا للنجاح الاقتصادي إلى تدقيق شعبي وإعلامي مكثف بسبب الأخطار التي كان يُعتقد أنهم يمثلونها بالنسبة إلى بقية البلاد. وقبل أكثر قليلًا من قرن، سار قطب النفط جون د. روكفلر الأب في مسار مشابه على نحو لافت.
وُلد روكفلر في 8 يوليو/تموز 1839 في شمال ولاية نيويورك. وكان والده متزوجًا من امرأتين وبائعًا متجولًا يروج لعلاجات طبية مشكوك فيها، بينما كانت والدته امرأة شديدة التدين غرست فيه قيم العمل الجاد والعمل الخيري، وشكلت أكبر مصدر للاستقرار في حياته خلال نشأته. ومنذ سن مبكرة، تولى روكفلر أعمالًا صغيرة في حيه لكسب المال قبل أن يلتحق بأكاديمية أويغو. ثم انتقلت عائلته إلى كليفلاند بولاية أوهايو، حيث أثبت روكفلر براعته في الرياضيات خلال دراسته الثانوية بين عامي 1853 و1855. وبعد ذلك التحق بكلية فولسوم التجارية، حيث أمضى عشرة أسابيع يتعلم ممارسات تجارية مختلفة، من بينها مسك الدفاتر.
وفي سبتمبر/أيلول 1855، حصل على وظيفة مساعد محاسب في شركة الشحن «هيويت آند تاتل». وتقدم بثبات داخل الشركة، فتولى مسؤوليات أكبر، وانخرط في نهاية المطاف في صفقات تجارية بنفسه. وبعد عدة سنوات في الشركة، قرر روكفلر الدخول في عمل خاص به. وفي الأول من مارس/آذار 1859، أسس مع موريس كلارك شركة «كلارك وروكفلر»، وهي شركة وساطة تجارية تعاملت في السلع الزراعية مثل الحبوب واللحوم. وازدهرت الشراكة وتوسعت الأعمال بسرعة.
ودخل روكفلر صناعة تكرير النفط عام 1863 عبر شركة «أندروز، كلارك وشركاه». وفي غضون عامين، كان قد اشترى حصة مجموعة كلارك وحصل على سيطرة أكبر على الشركة. وبالتعاون مع شقيقه وليام، أسس شراكة جديدة وافتتح مصفاة في كليفلاند عُرفت باسم «ستاندرد ووركس». وفي عام 1867، دعوا هنري فلاجلر للانضمام إلى الشركة شريكًا. وبعد عام واحد، أصبحت شركة روكفلر وأندروز وفلاجلر أكبر شركة تكرير في العالم. وتفاوضت الشركة للحصول على أسعار تفضيلية للغاية مع خطي سكك حديد «نيويورك سنترال» و«إيري»، ما منحها ميزة قوية على منافسيها.
وفي 10 يناير/كانون الثاني 1870، أسس روكفلر وشركاؤه شركة ستاندرد أويل. وواصلت الشركة توسعها لتصبح عملاقًا مؤسسيًا هائلًا، إذ دمجت شركات متعددة تحت سيطرتها. وفي عام 1872، اشترت ستاندرد أويل 22 شركة من أصل 26 شركة منافسة في مدينة روكفلر، في عملية أصبحت تُعرف باسم «مذبحة كليفلاند». وكتب رون تشيرنو في سيرته الملحمية لقطب النفط أن روكفلر أقدم على «تواطؤ واسع النطاق لم تشهد الصناعة الأميركية مثيلًا له من قبل».
وكان روكفلر يعتقد أن الاقتصاد اللامركزي غير كفوء، ولذلك دمج تقريبًا كل جوانب عمليات ستاندرد أويل: فبنى المصافي، وتفاوض للحصول على حسومات تفضيلية من شركات السكك الحديد، بل وأنتج البراميل الخاصة بالشركة بنفسه. واستحوذت الشركة على كثير من منافسيها، وسرّعت من إحكام سيطرتها مستفيدة من الاضطراب الاقتصادي الذي أعقب ذعر عام 1873، وبحلول عام 1880 كانت تسيطر على ما يقرب من 90 في المئة من سوق تكرير النفط في البلاد. وفي نهاية المطاف، أشرفت «ستاندرد أويل تراست» على عشرات الشركات التابعة. ولفترة من الزمن، وقف روكفلر مثالًا ساطعًا على الثروة الهائلة والقوة الاقتصادية التي تستطيع الرأسمالية إنتاجها. لقد كان الحلم الأميركي.
لكن الصورة تغيرت. فقد هاجم منتجو النفط المستقلون شركة ستاندرد أويل بسبب ممارساتها الاحتكارية، متهمين شركة روكفلر بالتواطؤ مع شركات السكك الحديد من أجل خنق المنافسة. واتهم المنتقدون روكفلر باستخدام موارده ونفوذه السياسي للحصول على معاملة تفضيلية من المجالس التشريعية في الولايات. وكشف تحقيق أجرته ولاية نيويورك عن طرق متعددة استفادت بها ستاندرد من صفقات مع شركات السكك الحديد لم تكن متاحة لمنافسيها الأصغر.
ونشر صحفيون استقصائيون، مثل هنري ديمارست لويد، تحقيقات كاشفة عن الشركة، ما أدى تدريجيًا إلى تحويل صورة روكفلر وستاندرد أويل من رمزين يحتفى بهما للرأسمالية الأميركية إلى تهديدين احتكاريين للديمقراطية. وتحت ضغط شعبي متزايد، أقر الكونغرس قانون التجارة بين الولايات لعام 1887 الذي نظم عمل السكك الحديد، ثم قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890 الذي حظر على الاحتكارات تقييد التجارة بين الولايات. وفي عام 1892، حكمت المحكمة العليا في أوهايو بوجوب حل «ستاندرد أويل تراست». وأظهر روكفلر مرة أخرى فطنته، فأعاد بسرعة تنظيم الشركة في صورة شركة قابضة في ولاية نيوجيرسي، حيث لم تكن قوانين الولاية بالصرامة الموجودة في أوهايو.
وربما يكون روكفلر قد نجح بذكاء في الالتفاف على القانون، لكن الصحافة واصلت إخضاعه وشركته للتدقيق. ونشرت الصحفية الاستقصائية إيدا تاربيل سلسلة من المقالات جُمعت لاحقًا في كتاب بعنوان «تاريخ شركة ستاندرد أويل»، صورت فيه روكفلر وشركته بصورة سلبية للغاية. وكتبت عن ستاندرد أويل: «إنهم لم يلعبوا قط بنزاهة، وهذا ما دمّر عظمتهم في نظري». وفي عام 1904، نشرت مجلة «باك» رسمًا كاريكاتيريًا يصور خزانًا تابعًا لستاندرد أويل على هيئة أخطبوط يلف أذرعه حول الكونغرس ومباني حكومات الولايات، ويمد إحدى أذرعه باتجاه البيت الأبيض.
واستهدف الرئيس ثيودور روزفلت، الذي تولى الرئاسة عام 1901 بعد اغتيال وليام ماكينلي، شركة ستاندرد أويل، وصورها بوصفها مثالًا رئيسيًا على تجاوزات الشركات الكبرى، مع أنه كان يقبل في الوقت نفسه بحقيقة بقاء الشركات الكبيرة عنصرًا دائمًا في الاقتصاد الصناعي الحديث. وفي رأي روزفلت، كان روكفلر واحدًا من «أصحاب الثروات الكبرى المسيئين» الذين قرر كبح جماحهم.
ولم تكن هيمنة ستاندرد أويل على السوق مصدر القلق الوحيد. فقد هاجم المنتقدون أيضًا ثروة روكفلر الهائلة ونفوذه السياسي. وفي عام 1906، رفعت وزارة العدل دعوى قضائية ضد ستاندرد أويل. وبعد خمس سنوات، أمرت المحكمة العليا بتفكيك الشركة إلى عشرات الشركات المنفصلة. لكن في دلالة على طبيعة تلك المرحلة، استمرت ثروة روكفلر في النمو. وفي عام 1914، أقر الكونغرس قانون كلايتون لمكافحة الاحتكار الذي عزز السياسات المناهضة للاحتكار.
وبالنسبة إلى كثير من الأميركيين، أصبح روكفلر وجهًا لما بات يُعرف باسم «مشكلة التروستات» أو الاحتكارات الكبرى. ولم يكن روكفلر سوى واحد من أشهر «بارونات اللصوص» في العصر المذهب، وهو المصطلح المرتبط بمارك توين وتشارلز دادلي وارنر لوصف العقود الممتدة من سبعينيات القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين، حين وقفت الثروات الهائلة التي ولّدها التصنيع في تناقض صارخ مع الفقر الواسع والفساد السياسي والصراع العمالي. كما عُدّ جي. بي. مورغان وكورنيليوس فاندربيلت وأندرو كارنيغي من «بارونات اللصوص».
ومع أن روكفلر انسحب من عالم الأعمال بعد تعرضه لمشكلات نفسية وصحية أخرى، فإن اسم روكفلر لم يشهد تحسنًا كبيرًا في سمعته. ففي عامي 1913 و1914، أصبح ابنه جون د. روكفلر الابن محورًا لغضب الطبقة العاملة خلال إضراب مرير في حقول الفحم بولاية كولورادو.
وبلغ الصراع ذروته في مذبحة لودلو، عندما هاجم أفراد من الحرس الوطني وحراس تابعون للشركة معسكر المضربين. ووقع العنف بعدما كان روكفلر الابن، أحد المالكين الرئيسيين لشركة «كولورادو للوقود والحديد»، قد عبّر عن معارضة شديدة لاتحاد عمال المناجم المتحدين. وأسفرت مذبحة لودلو عن مقتل ما يقرب من عشرين شخصًا، بينهم أطفال، ودخلت التاريخ بوصفها مثالًا بارزًا على الكيفية التي أساء بها قادة الأعمال الأثرياء معاملة القوى العاملة لديهم.
وقضى روكفلر بقية حياته وهو يتبرع بجزء كبير من ثروته لأغراض خيرية، إلا أن سمعته لم تتعافَ بالكامل. فبعد أن كان يُحتفى به بوصفه تجسيدًا لريادة الأعمال، أصبح رمزًا لتجاوزات العصر المذهب المتمثلة في المركزية الاحتكارية، والثروة الفاحشة، والعداء للأميركيين العاملين، والفساد السياسي.
ويجد قادة التكنولوجيا المتقدمة اليوم أنفسهم في بداية موقف مشابه، وغالبًا نتيجة سلوكيات تعكس تلك التي ارتبطت بروكفلر. فمن نفوذهم السياسي ومحاولاتهم خنق المنافسة إلى التهديدات التي تشكلها تقنياتهم، أصبحت هذه الشخصيات محورًا لقلق شعبي متزايد.
وحتى المسؤولون المنتخبون الذين أبدوا تعاطفًا مع قطاع التكنولوجيا يواجهون ضغوطًا متزايدة لدعم إجراءات من شأنها الحد من استقلالية الشركات الكبرى داخل الاقتصاد. وينبغي لأباطرة الأعمال هؤلاء ألا يقللوا من مدى شدة المعارضة التي يمكن أن تتشكل عندما يُنظر إليهم على أنهم يخدمون مصالح النخب بدلًا من العمل محركاتٍ لازدهار اقتصادي واسع النطاق.
وعليهم أن ينظروا إلى الطريقة التي تتعامل بها كتب التاريخ مع إرث جون روكفلر الأب.
ويبقى السؤال مفتوحًا عما إذا كان النظام السياسي الأميركي ما يزال قادرًا على إنتاج أنواع الإصلاحات التي ظهرت خلال العصر التقدمي. فقد يكون الجمود الدائم في الكونغرس، والنفوذ المتغلغل للثروة، ووسائل الإعلام الإخبارية التي تكافح للحفاظ على تركيزها على قضية واحدة لفترات طويلة، عوامل تسمح لهؤلاء القادة بمواصلة الازدهار وتعزيز سلطتهم، بما يخلق أوضاعًا تترك ملايين الأميركيين في حالة من الحرمان وفقدان القدرة على التأثير.
وسيواصل كثيرون النضال من أجل تحمل تكاليف الضروريات الأساسية، وتأمين احتياجات أطفالهم، وتحقيق الأمن الاقتصادي، بينما يظل أسياد التكنولوجيا المتقدمة محصنين داخل فقاعات تعزلهم عن الوقائع التي يواجهها الأميركيون العاديون.



اضف تعليق