آراء وافكار - وجهات نظر

سمات الشرق الأوسط بعد الانتفاضات العربية

تحالفات جديدة وقمع متزايد
بقلم: جوست هيلترمان

انتهى المطاف بالانتفاضات الجماهيرية العربية لتهاوي معنويات الشعوب العربية وتثبيطها، وفي البلدان التي لم تنزلق إلى أتون الحرب الأهلية عادت الأوضاع لما كانت عليه في سابق عهدها من القمع. بيْد أن هذه الثورات الشعبية أسفرت عن نتيجتين إضافيتين كان لهما تأثير ضار على حقوق الشعوب في المنطقة؛ بسبب الإخفاق الذي أصابها. كلتا النتيجتين كانتا رد فعل على محاولات فاعلين انتهازيين ملئ فراغ السلطة.

النتيجة الأولى تمثلت في ظهور دول تغالي في فرض المراقبة الجماعية؛ إذ شاهدت تلك الدول بقلق كيف حاول الإخوان المسلمين، مستعينين بقدراتهم على التعبئة، السيطرة على مفاصل الدولة في مصر ودول أخرى. الأمر الذي دفعها لرفع مستوى قدراتها على سحق المعارضة قبلما تتمكن من النزول إلى الشارع.

فيما تمثلت النتيجة الأخرى في استراتيجية صمّمتها إسرائيل للرد على ما اعتبرته يشكل تهديدًا متناميًا من جانب إيران والجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعمل عنها بالوكالة، والتي استغلت فراغ السلطة في بلدان الشرق الأوسط التي سقطت حكوماتها، أو فقدت زمام السيطرة على أقاليمها فيما بعد 2011. شجع هذا التصور إسرائيل على الدفع نحو المزيد من التعاون الأمني مع الدول السلطوية نفسها التي تغالي في فرض المراقبة الجماعية. إلا أن إسرائيل وجدت، في سياق مبالغتها في إبراز وجود أعداء خارجيين، وسيلة ناجعة يسّرت لها الاستمرار في صرف انتباه المجتمع الدولي وموارده عن أي مبادرة من شأنها بلوغ حل لنزاعها مع الفلسطينيين، الأمر الذي أضر بحقوق الإنسان للفلسطينيين.

ظهور الدول التي تفرض المراقبة الجماعية

تبوّأ أداء الدولة موقع الصدارة في الانتفاضات الشعبية التي اندلعت عام 2011. فحينما بدأت الأنظمة السلطوية في المنطقة –التي كانت تتعهد الوصاية على الدولة– تتهاوى وتتداعى، فإنها وجدت نفسها أمام اختيار حاسم الأهمية؛ إما الاستجابة لبعض مطالب المحتجين وإطلاق الوعود بإجراء الإصلاحات (وربما تباشر بعض الخطوات في هذا الاتجاه)، أو المواصلة والمضي فيما هي عليه. وبناء عليه، إذا استخفّ هؤلاء المحتجون بما تعرضه تلك الأنظمة عليهم، أو تحدوا العنف الذي تشنّه بحقهم، فإن الأنظمة أضحت في مواجهة اختيار آخر؛ إما أن تتنحى، أو تخاطر بعزلها من سدة الحكم. وقد ساعدت القرارات التي اتخذتها تلك النخب أثناء هذه الأوقات العصيبة في تحديد شكل الدول التي ظهرت بعدها.

مع أخذ كل العوامل في الاعتبار، وفي سياق التنازع بين الغضب الذي تملّك الشعوب، وبين ما أبدته الأنظمة من استعداد لتجاوز جميع الحدود في قمعها؛ تصدّر القمع المشهد رغم كل شيء. ولم يكن ذلك قدرًا محتومًا؛ فقبل عام 2011 كان الباحثون على قناعة بقدرة الدول العربية على الصمود في وجه الضغوط التي تدفع في اتجاه إرساء قواعد الديمقراطية، إلا أن الثورات الشعبية أجبرتهم على مراجعة تحليلاتهم. فبينما كان واضحًا أن هذه الأنظمة كانت قمعية؛ إلا أن ذلك لم يكن بالقدر الكافي الذي يحول دون ظهور حركات احتجاجية، بل ويحالفها النجاح في بعض الحالات المبكرة (تونس ومصر). فعلى سبيل المثال، لاحظت إيفا بيلين أنه، بالإضافة لأجهزة القمع، ينبغي وضع عوامل أخرى في الاعتبار «وهي…انتشار وسائل التواصل الاجتماعي».

حينما كُتب للدول البقاء، سواءً في ظل النظام نفسه أو في ظل نظام جديد، سرعان ما لجأت لتطبيق الدروس التي تعلمتها؛ للحيلولة دون عودة التحديات التي أثارتها الشعوب. إذ عملت تلك الدول على «إعادة تسليح نفسها»، لا سيما في المجال الذي ثبت فيه ضعفها ووهنها: آليات التعبئة الجماهيرية –وسائل التواصل الاجتماعي، عن طريق تطوير قدراتها السيبرانية، الأمر الذي أتاح لها تكثيف حملات التضليل الإعلامي وصقلها، بعدما خاضت غمارها على نحو اتسم بتدني درجة تطوره في ذروة ثورات عام 2011؛ بغية نشر بذور الشقاق بين أبناء الشعب في الميادين، وبث الفرقة بينهم.

في هذا الميدان، تولت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية زمام القيادة، بعدما تكفلت ثرواتهما الضخمة وقدرتهما على التصدق بالامتيازات بحمايتهما من صدمات عام 2011، وكذا حماية نظيريهما النظامين الملكيين اللذين يفتقران نسبيًا للموارد في الأردن والمغرب. كما أتاح هذا الأمر للإمارات والسعودية المسارعة في تقديم المساعدات لحليف آخر محاصر، وهو البحرين، إلى جانب تحييد قوة التعبئة التي امتلكتها قناة الجزيرة التابعة لقطر. في الوقت نفسه، ألقت قطر وتركيا معًا بثقليهما الاقتصادي والمالي وراء حركة الإخوان المسلمين، التي –وأن لم تكن في صدارة الاحتجاجات الجماهيرية– كانت تتبوأ الموقع الأفضل، الأمر الذي يسّر لهما الاستفادة سياسيًا في بلدان كمصر وتونس، وبقدر أقل في سوريا واليمن وليبيا.

التكنولوجيات السيبرانية تتيح طائفة من الممارسات القمعية، من بينها التجسس والمراقبة، واختراق الحسابات، وتحميل البرمجيات الخبيثة والفيروسات، ونشر الدعاية الإخبارية والمضللة وما إلى ذلك. كما تسمح الإمكانيات المتاحة أمام الدول بالوصول إلى موارد أكبر، بمراكمة هذه الممارسات واستخدامها على مستوى تصنيعي. وبينما يدّعي مطورو الأدوات السيبرانية أن أدواتهم مصممة بالأساس لمحاربة الجريمة ومكافحة الإرهاب؛ إلا أن هذه الشركات عاجزة عن التحكم في طريقة استخدام هذه التكنولوجيا بشكل كامل، أو قد لا تلقي بالًا لذلك، حينما يعمد هؤلاء المستخدمين، على سبيل المثال، لتوسيع نطاق تعريف «الجريمة» و«الإرهاب»، ليتضمن المعارضة السياسية أو الصحافة، أو حتى سير الحياة في مجتمع مفتوح بصورة طبيعية.

وتقدم حالة مجموعة «إن إس أو» دليلًا واضحًا على هذا الواقع. إذ باعت هذه الشركة الإسرائيلية منتجاتها من برمجيات التجسس لعدة دول، من بينها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية. وفي يوليو 2021، أعلنت منظمة العفو الدولية عن «كيفية استخدام الحكومات في جميع أنحاء العالم لبرنامج التجسس بيغاسوس التابع لمجموعة «إن إس أو» لوضع نشطاء حقوق الإنسان والقادة السياسيين والصحفيين والمحامين في جميع أنحاء العالم تحت المراقبة غير القانونية».

ويُعدّ لجوء الأنظمة إلى الأدوات السيبرانية بمثابة رد فعل مباشر لتوظيف النشطاء وسائل التواصل الاجتماعي للتصدي للروايات الرسمية، وتشكيل الرأي العام خارج إطار سيطرة الدولة، وتشجيع أفراد الشعب على الخروج إلى الشارع، وبالتالي إطلاق شرارة الانتفاضات الجماهيرية في وجه الحكم السلطوي. وبما أنه لم يكن في وسع هذه الأنظمة إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«تويتر»؛ تمثلت أفضل الخيارات المتاحة أمامها في السعي لهزيمة هؤلاء النشطاء في لعبتهم نفسها. فاعتمادًا على التكنولوجيا والخبرات الإسرائيلية، أطلقت دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حملات أخبار كاذبة مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي باستخدام «جيوش» من أناس حقيقيين إلى جانب روبوتات إلكترونية محسنة بشريًا (bots)، لتقدم روايات بديلة كوسيلة للتأثير في الجماهير وتغيير مجرى النقاش حول المواضيع السارية. وبذلك، عملت أجهزة الدول التي تقف وراء هذه الحملات على زعزعة الثقة وبث الخوف وترسيخ حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، بطرق متعددة، منها استخدام العبارات المجازية العنصرية وتشويه السمعة وغير ذلك من الممارسات الشائنة، بالإضافة لانتهاز الفرصة لوصف خصومهم كإرهابيين في إطار «الحرب على الإرهاب» العالمي.

وقد أفرز الاتجاه الجديد الذي رافق الانتفاضات الشعبية، ولا يزال قائمًا، مصطلحات جديدة ظهرت في العلوم الاجتماعية، مثل «القوى الرقمية العظمى» و«تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى سلاح» و«السلطوية الرقمية» وإسرائيل كـ «دولة قادرة بامتياز على نشر أخبار مضللة». وتستعرض الأدبيات المستجدة في هذا المضمار أمثلة من قائمة، تتسع بشكل متسارع، للحالات المشهودة في الشرق الأوسط. ما دفع أحد الخبراء للتعقيب على ذلك بقوله إن «التأثير في الرأي العام استراتيجية موغلة في القدم، لكنه يتحول باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لاستراتيجية تشهد تعاظمًا في حجمها وقوتها».

وبما أن الدول البوليسية التي كانت قائمة قبل عام 2011 تحولت للمغالاة في فرض المراقبة الجماعية، فقد انغلق من جديد أي فضاء عام أُفسِح أمام الشعوب بفضل استعداد أبنائها لتعريض أعمالهم وسبل عيشهم وحتى حياتهم للخطر، بشكل أكثر فعالية ونجاعة عما كان عليه من قبل. وهو ما يضفي قدرًا هائلًا من التعقيد على المساعي الرامية لإصلاح نظام الدول العربية وحماية الحقوق الواجبة لشعوبها، رغم أنه يرسّخ أهميتها ويعززها في الوقت نفسه.

بناء تحالف مناهض لإيران

بعدما تعثرت دول عربية في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية، تقدمت إيران لمحاولة سد الفراغ الناشئ في سوريا واليمن، وبدرجة أقل نجاحًا في البحرين. وامتلكت إيران دوافعها التي أفضت إلى ذلك، وتمثل أحدها في التجربة التي خاضتها أثناء حربها التي دامت ثمان سنوات مع العراق أثناء ثمانينيات القرن الماضي، حينما واجهت غزوًا مدعوم ماليًا وسياسيًا، وفي بعض الأحيان عسكريًا، من جانب طائفة عريضة من الدول العربية التي سعت حينها لاحتواء الثورة الإسلامية. وبعدما وضعت الحرب أوزارها، ما انفكت إيران تشعر بحالة من الضعف، رغم أن ما تلا ذلك، حرب الكويت وفرض العقوبات الدولية على العراق، عمل على تهدئة مخاوفها إزاء انبعاثه وعودته إلى الظهور.

شرعت إيران في التحرك حتى قبل اندلاع انتفاضات عام 2011؛ ففي لبنان، شكّلت إيران حزب الله أثناء ثمانينيات القرن الماضي لتعزيز ما أشارت إليه بمسمى خط دفاعها الأمامي ضد إسرائيل –امتلاك القدرة على صد هجوم إسرائيلي من خلال حليفها غير التابع للدولة في لبنان؛ للتعويض عن افتقارها إلى القدرات الجوية أو الصواريخ طويلة المدى.

بعد ذلك، وحينما أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003، استغلت القيادة الإيرانية هذه الفرصة لنشر نفوذها في العراق؛ كوسيلة لتحسين عمقها الاستراتيجي في مواجهة العالم العربي الذي يكن العِداء لها. وأمدّت إيران بعض الميليشيات الشيعية التي برزت لحيز الوجود بالدعم، كما اخترقت القوات الأمنية وأجهزة المخابرات.

في عام 2011، شجع انهيار الدول العربية إيران على المضي خطوة أخرى في هذا النهج، إذ جلبت الجماعات شبه العسكرية التابعة لحزب الله من العراق وأفغانستان وأحضرتها إلى سوريا. ورسّخت أقدام أحد حلفائها غير التابع للدولة، وهو جماعة أنصار الله (الحوثية) في اليمن. وفي العراق، شجع وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014 الميليشيات التي تدعمها إيران على التحول لميليشيات الحشد الشعبي شبه العسكرية. وبعد ثلاث سنوات، مكّنت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الميدان ميليشيات الحشد الشعبي من توسيع نطاق وجودها على الأراضي الممتدة حتى الحدود السورية، وصولًا لمحافظة نينوى في الشمال.

وبينما نظرت دول الخليج العربي لهذه التحركات باعتبارها دليلًا على مطامع الهيمنة الإيرانية على حسابها، فإن إسرائيل –التي كان القلق يساورها بشأن برنامج إيران النووي تحديدًا– اعتبرتها بعدًا إضافيًا للتهديد الذي تشكله إيران.

الخوف من نهوض إيران، التي ربما زاد من إطلاق العنان لها الإفراج عن أموالها في سياق الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في عام 2015، أفضى لولادة شراكة، لم تكن في الحسبان إلى حد ما، بين إسرائيل وعدة دول عربية. وكانت إسرائيل في الأصل تعقد معاهدات للسلام مع مصر (1979) ومع الأردن (1994)، ولكن العلاقات التي كانت تجمعها بهذين البلدين لم تتجاوز حدود سلام بارد. أما الآن، فقد باشرت إسرائيل بذل الجهود الهادفة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع عدد من الدول الأخرى، بل وأماطت اللثام عنها في حالة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، بتشجيع من إدارة ترامب التي سعت –في الحد الأدنى– لكبح النفوذ الإيراني بتوظيف حملة تستند لتدابير اقتصادية قسرية.

وتشكل هذه المساعي انعطافًا حادًا عن المسار الذي خطه دافيد بن غوريون، رئيس وزراء إسرائيل في الفترة بين عامي 1955 و1963، حينما أطلق «عقيدة المحيط الخارجي»، التي تُعنى بتشكيل تحالف بين إسرائيل والجهات الفاعلة من الدول ومن غير الدول الإسلامية غير العربية (وهي إيران وتركيا وأكراد العراق) بهدف مواجهة العالم العربي الذي كان يعاديها. ورغم أن هذه الاستراتيجية أثبتت نجاعتها وفعاليتها إلى حد كبير في كبح العالم العربي، إلا أنها فقدت قوتها مع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.

اليوم، وفي أعقاب الانتفاضات الشعبية التي كشفت عن ضعف نموذج الحكم الذي اعتمدته الدول العربية وهشاشته، قلبت إسرائيل الأدوار التي كانت إيران والدول العربية تؤديها في سياق استراتيجيتها الإقليمية، فحولت الأعداء إلى حلفاء والحلفاء إلى أعداء. ويتمثل أوضح دليل على ذلك في اتفاقيات إبراهيم، التي وقعتها إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين في شهر أغسطس 2020، في الوقت الذي كان الزعماء الإسرائيليون يتحدثون فيه عن تحالف دفاعي أو «منظومة [أمنية] إقليمية» تضم الدول العربية وتُصمَّم لمواجهة إيران.

ومن الواضح تقريبًا عدم استعداد هذه الدول العربية للمضي في الاتجاه الذي يبدو أن إسرائيل تريد أن تأخذ حلفاءها الجدد فيه. ولا يعني هذا الأمر أن تلك الدول لا ترى تهديدًا إيرانيًا يلوح في الأفق أو أنها لا تريد الحماية، بل يعني أنها لا تنظر بالضرورة إلى إيران كما لو كانت هي التهديد الرئيسي الذي تواجهه، أو أن التحالف مع إسرائيل يُعَدّ الصورة الفضلى للحماية (الجماعية)، أو تعميم أي علاقات أمنية تقيمها مع إسرائيل أو قد تجمعها بها باعتبارها الرد المفضَّل.

وتتمثل الرؤية الاستراتيجية التي تراها هذه الدول للمنطقة في إقامة علاقات طيبة مع الجميع (باستثناء الإسلاميين)، وفي تعزيز الروابط والتنمية الاقتصادية الإقليمية على نطاق أوسع. ويرجع السبب في ذلك لأنها تنظر لانعدام الاستقرار الاقتصادي، وليس إيران، باعتباره أصل المشكلة التي أفضت إلى إحاطتها بدول فاشلة، في وُسع الجهات الفاعلة غير التابعة للدول (وتحظى بدعم إيران، إلى جانب تركيا وقطر) استغلال فراغ السلطة فيها.

ففي أثناء زيارة الرئيس جو بايدن إلى المنطقة في شهر يوليو 2022، سارعت دول الخليج للتنصل على الملأ من أي نية للانضمام إلى تحالف مناوئ لإيران، وأوضحت رغبتها في إقامة علاقات طيبة مع إيران، ومع إسرائيل أيضًا. وقال أنور قرقاش، وهو مستشار دبلوماسي رفيع المستوى في القيادة الإماراتية، أن بلاده «ليست منفتحة على تشكيل محور ضد أي بلد في المنطقة، خاصةً إيران». وتفضّل دول الخليج العربي موازنة رهاناتها في مواجهة الولايات المتحدة، التي ما فتئت تتقلب وتغير أولوياتها مع كل انتخابات جديدة، ويبدو في نظر تلك الدول أنه لا يمكن بالتالي التعويل على المظلة الأمنية التي ترعاها بالقدر نفسه الذي كانت تعول به عليها من قبل.

أي قضية فلسطينية؟

لقد بلغ ما مضى من عملية السلام التي انطلقت لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني نهايته حالما وصل تيار اليمين إلى سدة الحكم في إسرائيل قبل عقدين، وحشد، بقيادة المستوطنين اليهود الذي يشكلون طليعته، جميع موارد الدولة في سياق يسعى لاستعمار الأرض الفلسطينية عن بكرة أبيها، وتقويض الصفة الشرعية التي تكتسيها القيادة الفلسطينية وتدمير قدراتها المؤسسية.

وحتى قبل ذلك، تيسرت السيطرة المتنامية التي بسطتها إسرائيل على الأراضي التي احتلتها عام 1967 بفضل نجاحها في تشتيت شمل أعدائها الخارجيين، وبث الفرقة بينهم وصرف انتباه حلفائها الدوليين عن مساعي السلام من خلال اللعب على وتر التهديد الذي يشكله أعداؤها، بداية بالدول العربية وبعدهم إيران. ففي منتصف عام 2022، كانت إسرائيل ماضية بكامل طاقتها في ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية بحكم الأمر الواقع إلى إقليمها.

وحتى اندلاع الانتفاضات الشعبية في العالم العربي، تسببت القضية الفلسطينية التي لم يتسنّ حلها في إعاقة أي تقارب بين الدول العربية وإسرائيل. وقد جعلت الثورات العربية، التي انطلقت شراراتها عام 2011، وظهور إيران من ذلك أمرًا ممكنًا من خلال التقاء المصالح غير الاعتيادي.

وجاء التحول الحاسم مع إدارة ترامب والتقييم (الصحيح) الذي رأت فيه أن عملية السلام باتت ميتة وانعدمت أي فرصة لإحيائها، حتى وإن عُزي ذلك فقط إلى الاختلال العميق في ميزان القوى بين إسرائيل والجانب الفلسطيني الذي يعاني من الانقسام. ففي مطلع عام 2020، أطلق ترامب خطته بعنوان السلام من أجل الازدهار، والتي سعت لتفادي الحل السياسي للنزاع عن طريق تعزيز الأهداف التوسعية الإسرائيلية ومحاولة تهدئة مشاعر الفلسطينيين من خلال وعود غامضة بالمنافع الاقتصادية.

وتمثلت الخطوة التالية في اتفاقيات إبراهيم التي أُبرمت في شهر سبتمبر 2020. وقد أفصحت هذه الاتفاقيات عن العلاقات التي كانت مستترة إلى حد بعيد بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين وأخرجتها للعلن، وأضفت طابعًا رسميًا عليها، كما وسعت من نطاقها. وفضلًا عن المنافع الاقتصادية والأمنية الجلية التي جاءت بها الاتفاقيات المذكورة، فقد عملت فعليًا على حذف القضية الفلسطينية وإقصائها من المعادلة الإقليمية، من خلال إحداث شرخ في الإجماع العربي الذي جسّدته مبادرة السلام العربية. وكان ذلك العرض الذي قدّمه العرب عام 2002 يشترط لتطبيع العلاقات مع إسرائيل انسحابها الكامل من الأرض المحتلة، والتوصل إلى «تسوية عادلة» لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

ربما تصورت الدول العربية التي وقّعت على الاتفاقيات المذكورة أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل قد يمنحها الفرصة لممارسة نفوذها وتأثيرها بشأن القضية الفلسطينية، أو بشأن الأحداث التي تدور في المسجد الأقصى على الأقل. إن كان الأمر كذلك، فمن الواضح أن هذا التصور كان بعيدًا كل البعد عن دافعها الأساسي. ففي عام 2020، وحينما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضم نحو ثلث مساحة أراضي الضفة الغربية، أعلنت الإمارات جاهزيتها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بشرط تخلي نتنياهو عن خطط الضم التي أعلنها. وبقدر التأثير الذي خلفه موقف الإمارات على سلوك رئيس الوزراء نتنياهو، فلم يمثل ذلك إلا انتصـارًا باهظ الثمن في أحسن الأحوال، نظرًا لأن احتمال الضم بحكم القانون لم يكن هو ما يدفع بالاستعمار الإسرائيلي الجاثم على أراضي الضفة الغربية، ولم يزد نتنياهو عن التخلي عن طموحه، دون التعهد بنبذه. وتقتضي المساعي الصادقة التي تُعنى بحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الاعتراض على وجود إسرائيل نفسه في الأراضي المحتلة، بما يتماشى مع مبادرة السلام العربية.

إن حكام الدول الخليجية لا يكنّون الحب للفلسطينيين والمحنة التي ألمّت بهم، ويرون منفعة عظيمة في إقامة علاقة مع إسرائيل، وهي علاقة صرفتهم القضية الفلسطينية عنها منذ أمد بعيد، وربما، في وجهة نظرهم، شتّتت انتباههم عنها بغير وجه حق، ودونما يجنوا أي فائدة من ذلك. وقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة والبحرين زمام هذا التغيير الجديد مع إسرائيل. وتتأنى السعودية في اتخاذ قرارها في هذا المقام، ويرجع جانب من الأسباب وراء ذلك للدور القيادي الذي تضطلع به في المجتمع الإسلامي والعربي ورعايتها لمبادرة السلام العربية، بالإضافة إلى أن القادة السعوديين قد يشعرون بأن سكان بلادهم (الأكبر عددًا) سيعارضون إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل. ومن المحتمل كذلك أن تنتزع الرياض ما يمكنها انتزاعه من واشنطن قبلما تُقْدم على هذا القرار عظيم الأهمية.

وحتى الآن، تؤكد إدارة بايدن النهج الذي سلكته سلفتها إزاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وقد برز هذا التأكيد في جولة الرئيس بايدن في شهر يوليو 2022 إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ولكن بدون تبني الخطاب نفسه. فقد صادق بايدن على التطبيع، وعمل فعليًا على فصل علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل عن القضية الفلسطينية. وهذا يعني أنه ما من شيء يكبح جماح إسرائيل عن مواصلة استعمار فلسطين وقمع حقوق الفلسطينيين؛ إذ لا تواجه أي تحدٍ خارجي ذي بال.

الأضرار على حقوق الإنسان

كشفت الانتفاضات الشعبية، عن وجود انقسام آخذ في الاتساع بين النخب الحاكمة في المنطقة والمواطنين العاديين، بينما أفضت الآثار المدمرة التي خلّفتها الثورات لتوسيع هذه الهوة وتعميقها. ويعمل تطور الأنظمة القمعية للدول التي تغالي في فرض المراقبة الجماعية على حمايتها من تجدُّد التعبئة الجماهيرية –في المرحلة الراهنة. ودون معالجة جوانب القصور المستفحلة في الحكم، فلا يسع هذه الدول أن تصمد إلا بوصفها دولًا «شرسة»، قوية في مظهرها الخارجي ولكنها هشة أساسًا من داخلها.

وبينما تمنح تقنيات المراقبة المتطورة هذه الأنظمة أفضلية تكتيكية على المعارضة المحلية، فليس في وسع الانتهاكات التي تمسّ حقوق الإنسان، بفعل أسلوب القمع الذي يفوق في شدّته وحدّته عمليات التجسس التقليدية، إلا أن تضاعف استفحال المظالم.

وتعدّ الاتفاقيات الإبراهيمية اتفاقيات مرتكزة على النخبة؛ فلم تضع أي من الدول العربية المشارِكة فيها الاتفاقية مع إسرائيل بين يدي برلمانها أو عرضتها لاستفتاء عام. وتغيب الآليات القانونية الفعالة التي تيسر الطعن في توقيع الأنظمة على تلك الاتفاقيات. كما لم تبذل هذه الدول العربية جهود فعالة لترويج الاتفاقيات على المستوى المحلي. وحتى الآن، وباستثناء فئة من قطاع الأعمال التجارية، لا تعود اتفاقيات إبراهيم بمنافع جلية على جماهير سكان البلدان التي شاركت فيها. بينما يمكن أن تتأتى منافع من قطاع التجارة (والسياحة الإسرائيلية) شيئًا فشيئًا، فإن الدوافع الأساسية التي وقفت وراء القرار الذي اتخذته الإمارات العربية المتحدة على الأقل بالتواطؤ مع إسرائيل تكمن في الحصول على التكنولوجيا من إسرائيل والأسلحة المتطورة من الولايات المتحدة، إلى جانب حاجتها لإعادة تحديد محاور توازن القوى الإقليمية.

وحسبما أثبتته الانتفاضات، فإن الشعوب العربية لا تثق في وفاء أنظمتها بالتزاماتها تجاه العقد الاجتماعي الضمني، وسوف يقفون في وجهها حينما تسنح الفرصة المثلى لذلك. وإن لم يكن ذلك، فإن استيائهم يختمر؛ إذ يحتقر هؤلاء السكان الأساليب البوليسية التي تعتمدها هذه الأنظمة، وربما يعترضون عليها أكثر من معارضتهم للدور الذي تضطلع الولايات المتحدة وإسرائيل به في المنطقة.

في الوقت الحالي، لا يزال الشعور بالتضامن مع الفلسطينيين قائمًا، حتى وإن كانت المظاهر العامة لهذا التضامن تزداد ندرة يومًا بعد يوم. وترجح استطلاعات الرأي أن التأييد العام لاتفاقيات إبراهيم متدنٍ، وربما يتراجع عما كان عليه سابقًا، بما في ذلك في الخليج.

وسيتطلب احتدام مشاعر الامتعاض في أوساط الشعوب تعزيز المراقبة المحلية والإمعان في القمع، لا سيما مع تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وسوف تصبح الدول «الشرسة» أشد شراسةً عما هي عليه. الأمر الذي قد يدفع للتعجيل برد فعل جديد؛ فقد أثبتت الانتفاضات أن الدول السلطوية البوليسية التي تنتهج القمع ليست بمأمن من التحديات التي تفرضها شعوبها، وتحديدًا حينما يتغلب الناس، الذين تعودوا على تحمّل القمع وطفح بهم الكيل من الحكم التعسفي، على خوفهم من الانتقام المصرح به رسميًا.

وبينما قد تعمل العلاقة الناشئة بين إسرائيل والأنظمة السلطوية في المنطقة على ترسيخ هذا التوجه القمعي، وتزيد من ضعف الدول العربية ووهنها. كما يمكن أن تشكّل إيران الجهة المستفيدة غير المقصودة من هذا الحال، إذ تعمد إلى استغلال فراغ السلطة في العالم العربي لتوسيع نطاق نفوذها؛ فما من شك حينئذ أن الحقوق الواجبة لأبناء شعوب المنطقة ستكون هي الضحية الرئيسية التي يفزرها ذلك الوضع.

في إسرائيل/فلسطين، وجهت الاتفاقيات الإبراهيمية ضربة للاحتماليات، الضئيلة، للوصول لحل عادل ومستدام للصراع، كما أزالت عقبات أمام ضم اسرائيل الفعلي للأراضي. إلا أن الفلسطينيين أظهروا مرارًا أن قضيتهم لا تزال حية ولم تخسر دوافع تُذكر، وإن واجهت في بعض الأحيان انخفاضًا في مستويات الدعم والتضامن العربي.

* هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي
https://www.crisisgroup.org

اضف تعليق