لا تبدو هناك اية نهاية للازمات الاقتصادية السائدة في العالم والسبب الحقيقي لذلك هو سيطرة النخب الكبيرة على الاقتصاد العالمي. هذه النخب تستخدم المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتحقيق اهدافها الشريرة. في الـ 65 سنة الماضية استخدمت تلك المؤسسات الثلاث سياسة معينة ادّت الى تحطيم اقتصاديات اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية واليوم ينفذون الشيء ذاته في دول اوربا مثل اليونان. في 9 مايو عام 2010 أقر صندوق النقد الدولي منح 30 بليون يورو كقرض لليونان لمدة ثلاث سنوات كجزء من حزمة مالية مشتركة مع الاتحاد الاوربي وصندوق النقد الدولي بقيمة 110 بليون يورو لمساعدة اليونان في مواجهة ازمة الديون. ولكن وكالمعتاد جرى فرض شروط قاسية قادت الى حلقة من الازمات الاقتصادية.

العملية تجري كالتالي:

اولاً: الدول تقترض النقود من صندوق النقد والبنك الدوليين.

تتقدم الدول بطلب قروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذه الدول تحتاج النقود لعدة اغراض مثل بناء السدود، خطوط الانابيب، البنية التحتية، بناء مصافي تكرير وغيرها او انها تقترض حينما تتعرض لأزمة اقتصادية مثل ازمة ميزان المدفوعات. وبشكل عام، تنشأ الازمات الاقتصادية في ظروف مفتعلة.

ثانيا: يستجيب صندوق النقد والبنك الدوليين بمنح القروض شريطة تنفيذ سلسلة من الاصلاحات الاقتصادية.

ان صندوق النقد والبنك الدوليين يعملان سراً وفق اوامر الوول ستريت والقوى الكبرى. هما يفرضان شروطا قاسية على الدول المستلمة للقروض، يطلقان عليها اصلاحات اقتصادية تعود حسب زعمهم بالنفع الى الدول المستلمة وتقود الى النمو الاقتصادي. ومن هنا تبدأ عملية نهب الدول.

الشروط تتضمن:

1- فتح الاسواق المحلية للمنافسة الاجنبية.

2- خصخصة الصناعة وقطاع البنية التحتية.

3- ازالة القيود مثل ملكية الارض والمزارع امام الشركات الاجنبية.

4- خفض قيمة العملة.

5- التقشف.

6- تصدير الموارد الطبيعية للشركات المتعددة الجنسية MNCs لكي يمكن استرداد الديون.

7- زيادة اسعار الفائدة.

8- خفض النفقات الاجتماعية.

9- السماح بزيادة هائلة في الاستثمار الاجنبي المباشر.

فتح الاسواق المالية امام المستثمرين الاجانب.

النتائج الكارثية لتلك الشروط

ان شروط صندوق النقد والبنك الدوليين تكون لها نتائج كارثية.

مع اشتداد المنافسة، لا تستطيع الصناعات المحلية الصغيرة الحجم مجابهة الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات مما يضطرها لمغادرة السوق. خصخصة الصناعة وقطاع البنية التحتية، يسمح للمالكين من القطاع الخاص والذين معظمهم من الاجانب بالاستحواذ على العائدات المتولدة من ذلك القطاع. زيادة اسعار الفائدة تؤدي الى هبوط الاستثمارات مما يؤثر على الانتاج في السنوات القادمة. افتتاح الاسواق المالية وإرخاء حركة رأس المال، ستعقبها فترة من عدم استقرار التوقعات المالية وهروب لراس المال مما يعود بالفائدة أكثر لمصلحة المضاربين والمستثمرين الاجانب الاثرياء بينما تبقى الشركات الوطنية تعاني ظروفا سيئة. خفض قيمة العملة يجعل الميزان التجاري لتلك الدول المقترضة اكثر سوءا، حيث ينخفض حجم الدخل الحقيقي والتوفير لدى تلك الدول. اجراءات التقشف تقود الى خفض الخدمات الاساسية كالصحة وايضا الى زيادة الضرائب على الدخل والتي تؤثر بقسوة على القوة الشرائية للناس العاديين.

منظمات دولية اخرى تمارس دورها ايضا في اللعبة

منظمة التجارة العالمية تتولى تنظيم التجارة الدولية. قواعد المنظمة تكرس ايضا سياسة فتح الاسواق. بعض اتفاقيات منظمة التجارة العالمية – منها اتفاقية الزراعة AOA – احدى قواعدها تضع قيودا على المساعدات الممنوحة للفلاحين، هذه القيود على المساعدات تؤذي المزارعين في الدول النامية، وهو سبب رئيسي لإنتحار الزراعة في تلك الدول. التجارة المتعلقة بمظاهر حقوق الملكية الفكرية TRIPS – هذه الاتفاقية تتعامل مع الملكية الفكرية. حيث سمحت بمنح براءات اختراع البذور الزراعية للشركات الكبرى مثل (DuPont) و(Syngenta) و(Monsanto). هناك عشر شركات تسيطر على 76% من بذور العالم.

اما التجارة المتصلة بتنظيم الاستثمار (TRIMS) – فهي تفتح القطاع المالي المحلي امام سيطرة الشركات المتحدة، فتصادر حق البلد في صياغة سياساته الخاصة والقواعد المتصلة بالاستثمار الاجنبي والسيطرة على رأس المال.

الاتفاقية العامة حول التجارة والخدمات (غات) – تتعامل مع قطاع الخدمات وقد لعبت دورا رئيسيا في مختلف الخدمات التي سُلبت واحتُكرت من جانب الشركات العابرة للقارات.

الحلقة المخيفة للديون(1)

ان الهبوط في الفعالية الاقتصادية يستمر لفترات طويلة بسبب الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد. الدول لا تستطيع الانتعاش وتلجأ لطلب المزيد من القروض والقبول بعبودية الديون. الحكومات لم يتبقى لديها من النقود الاّ القليل للانفاق على البنية التحتية ومشاريع التنمية لأن البلد يعيد تسديد كل انواع الديون المستحقة عليه بالاضافة الى دفع قيمة الاستيرادات. البلد المقترض سيخسر اصوله الاقتصادية وكذلك موارده الطبيعية للشركات العابرة للقارات. البطالة والفقر يتفاقمان لأن الصناعات المحلية الصغيرة تُطرد خارج السوق. الثروة تُستنزف بشكل منهجي من البلد مباشرة الى ايدي البنوك الدولية والشركات العابرة والمستثمرين الاثرياء. ليس فقط الثروة تتحول الى ايدي هذه النخب الثرية سلفا، وانما ايضا الموارد والتكنلوجيا والخدمات والاصول الاساسية.

..................................
الهوامش
(1) حلقة الديون هي مشابهة لحلقة الفقر المخيفة vicious cycle of poverty التي تعاني منها الدول والعوائل الفقيرة على حد سواء. في حلقة الفقر، العوائل تجد نفسها في فخ الفقر على الاقل لثلاثة اجيال، لأنها اما لاتمتلك موارد او تمتلك موارد قليلة. يستحيل على هذه العوائل كسر حلقة الفقر بسبب عدم امتلاكها لرأس المال وقلة التعليم والمهارات مما يساهم في زيادة السكان بالتزامن مع قلة الدخل والانتاجية. هنا يبقى الشخص او البلد الفقير فقيرا لأنه فقير.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4