ان فكرة الريع (rent) هي من الافكار القديمة في الاقتصاد. الريع بمفهومه البسيط هو ما ندفعهُ للمالك كل شهر، او ما ندفعهُ لوكالة تأجير السيارات مقابل استعمال سيارة لمدة اسبوع. هذا الريع يختلف عن مفهوم "الريع الاقتصادي" الذي يعني المبلغ الاضافي المدفوع (كلفة الفرصة) لشخص ما او لشيء ذو عرض محدود اما بفعل الطبيعة (كالأرض) او بفعل موهبة وابداع الانسان (كالملاكم او الرسام). انه يشير في الاساس الى ما يُدفع للمالك بما يتجاوز كلفة الفرصة في استخدام عنصر انتاجي ثابت، كالأرض مثلاً. كل مبلغ يُدفع لمالك الارض بما يزيد عن كلفة تنظيف الارض من الغابات او اي مصاريف اخرى يُعتبر ريعاً.

(هنري جورج) في القرن التاسع عشر انتقد فكرة دفع ريع للارض مبررا ذلك في اولاً ان هذه المبالغ كان الأجدر ان تُنفق من اجل انتاج اشياء جديدة مثل بناء بيت او انتاج سلعة، بدلاً من استخدامها في نقل ملكية شيء موجود سلفا من شخص الى آخر، وثانيا انها لاتخلق اي زيادة في عرض العنصر الانتاجي الثابت. وفق هذه النظرة يكون البحث عن الريع مضيعة وهدراً للموارد. غير ان هذا النقد قوبل بالرفض باعتبار ان الانتاج في الاقتصاد غير مرتبط بحركة الشيء او التحول الفيزيقي بقدر ما هو مرتبط بخلق القيمة، اي ان الايجار المدفوع للأرض لا ينقل الارض من فرد الى آخر، وانما هو يشجع نقل ملكية الارض من استخدام اقل ربحية الى استخدام ذو ربحية اكبر.

رأي غوردن تولوك

كان"البحث عن الريع" من اهم الافكار الاقتصادية في الخمسين سنة الاخيرة، وايضا من اكثر الافكار التي اسيء وصفها. احد منظّري نظرية البحث عن الريع (غوردن تولوك)، عرّفهُ بـ"استخدام الموارد لغرض الحصول على ريع ينجم من فعالية ذات قيمة اجتماعية سلبية". (غوردن تولوك) Gordon Tullock أوجد الفكرة عام 1967، الفكرة مبسطة لكنها قوية وهي ان الناس يبحثون عن ريع عندما يحاولون الحصول على منافع لأنفسهم عبر الوسائل السياسية. هم يقومون بهذا عبر الحصول على الاعانات للسلع التي ينتجونها او لكونهم ضمن طبقة معينة من الناس، وذلك من خلال الحصول على تسهيلات ضريبية لمنتجاتهم، او لوائح قانونية خاصة تكبح المنافسة امامهم. كبار السن مثلا يسعون للحصول على تأمينات اجتماعية كبيرة، وشركات الصلب تسعى للحصول على قيود على استيراد الصلب، والاطباء او الكهربائيين المجازين عادة يشكلون لوبي لاستحصال تعليمات تقيّد المنافسة من جانب الاطباء والكهربائيين غير المرخصين.

ان الريع المتولد في السوق الحر تكون له "قيمة اجتماعية ايجابية"، حيث يُعتبر خلق الثروة هنا شيء جيد. هنا لا يوجد انطباع سيء حول البحث عن الريع في السوق الحرة. (تولوك) يشير الى الفعاليات التي تحطم الثروة. اذا كان بإمكان رجل الاعمال او الفرد توفير سلعة او خدمة يرغب المستهلك بدفع اكثر من كلفة الفرصة للموارد المستخدمة فيها، وكان بإمكانه المنافسة ضد المنافسين في سوق اولئك المستهلكين، عندئذ فان هذا الفعل يحقق اضافة الى ثروة المجتمع. ويسمى (بحثا عن الربح).

اما اذا كان بالإمكان استخدام الوسائل السياسية – سلطة الحكومة في خلق ريوع عبر منع الاخرين من المنافسة او عبر انتزاع ثروة الاخرين بالقوة، فان الناس سيميلون بطبعهم لانفاق موارد ثمينة في محاولة الوصول الى الريع. فهذا يسمى (بحثا عن الريع).

ولكن على عكس البحث عن الربح، البحث عن الريع لا يخلق ثروة، انه فقط ينقلها من طرف الى آخر. مهما كان الرابح للريع من استخدام الوسائل السياسية فهو سيكون افضل حالا، لكن الاخرين، والمنافسين المحتملين، والاكثر اهمية المستهلكين، سيكونوا بالتأكيد اسوأ حالاً. الفئة الاخيرة سيدفعون سعر أعلى، ويحصلون على سلع بنوعية رديئة، او تصبح لديهم خيارات اقل بسبب ان الوسائل السياسية اكثر فاعلية في احباط المنافسين. محصلة البحث عن الريع ايضا تكبح عملية المنافسة لأن المستهلكين سيصبحون اقل اطلاعا بالطرق الاكثر كفاءة او اقل معرفة بأفضل المجهزين.

وبهذا فان الموارد التي ينفقها الباحثون عن الريع في سعيهم لهذه الريوع المتولدة سياسيا هي في الحقيقة تالفة لأنها تُستخدم في انتاج محصلة ليس لها قيمة مضافة. هذا النوع من البحث عن الريع يحطم الثروة.

ولكن لماذا يستخدم الاقتصاديون مصطلح "ريع"؟

 لسوء الحظ لا يوجد هناك سبب مقنع. (ديفد ريغاردو) ادخل مصطلح "ريع "في الاقتصاد ليعني المدفوع لعامل الانتاج بما يزيد عما هو مطلوب لإبقاء العنصر في استعماله الحالي. فلو كان الموظف يستلم راتبا قدره الف دولار في وظيفته الحالية لكنه يقبل البقاء بوظيفته في اي راتب اكثر من ثمانمائة دولار، فانه هنا يحقق ريعا بمقدار مئتي دولار. لا توجد هنا مشكلة في الريع. انا سأكون باحث عن ريع حينما اطالب بزيادة في المعاش. صاحب العمل حر في اتخاذ القرار سواء في منح الزيادة او عدمها. ما اطالب به من زيادة بالمعاش ليس هو ما يقصده الاقتصاديون "بالبحث عن الريع". هم يستخدمون المصطلح لوصف اصطفاف الناس في لوبي لإقناع الحكومة لمنحهم امتيازات خاصة. المصطلح الاكثر دقة هو "البحث عن امتيازات".

مثال من امريكا

في الثمانينات من القرن الماضي فرضت الحكومة الامريكية قيودا على استيراد السيارات اليابانية، فخلقت نقصا مفتعلا في عرض السيارات الاجنبية. ماذا كانت النتيجة؟ ان شركة جنرول موتور الامريكية وشركات اخرى لم تبع فقط المزيد من السيارات وانما رفعوا الاسعار، وبهذا تمتعوا بريع اقتصادي (الفرق بين سعر السيارات المحلية وبين السيارات اليابانية الرخيصة غير المتوفرة). كذلك صناع السيارات اليابانية حققوا ريعا اقتصاديا لأن الطلب على سياراتهم في الولايات المتحدة فاق الهبوط المفتعل في العرض.

 ان الإنفاق على اللوبي لأجل الامتيازات هو مكلف كثيرا، وان هذا الانفاق يبدّد بعض المكاسب التي يحصل عليها المستفيدون ويسبب عدم فاعلية. لو ان احدى شركات الستيل، مثلا، تنفق مليون دولار على اللوبي لأجل فرض قيود على استيراد الستيل، حتى وان كانت النقود المتحصلة افتراضا اكثر من مليون، فهي ليست مكسبا صافيا، حيث يجب استقطاع كلفة الواحد مليون دولار للحصول على القيود. ومع ان هذا الانفاق ربما عقلاني من وجهة النظر الضيقة للشركة المنفقة له، لكنه يمثل استخداما لموارد حقيقية من اجل الحصول على تحويل من آخرين وبهذا هو خسارة صافية للاقتصاد ككل.

تجربة الباحثة كروغر

اما الباحثة كروغر Krueger اكتشفت الفكرة اثناء دراستها في عام 1974 لاقتصادات الدول الفقيرة التي فيها تتدخل الحكومات بقوة في الحياة الاقتصادية لشعوبها. هي اشارت بان التعليمات كانت مكثفة جدا لدرجة ان الحكومات كانت لديها السلطة لخلق "ريوع" مساوية لنسبة كبيرة من الدخل القومي. في الهند، مثلا، في عام 1964 قدّرت (كروغر) بان تعليمات الحكومة خلقت عائدا مساويا لـ 7.3% من الدخل القومي، وفي تركيا عام 1968 هي قدّرت الريع من اجازات الاستيراد وحدها حوالي 15% من اجمالي الناتج القومي التركي. كروغر لم تحاول تقدير نسبة الضائع من ذلك الريع لأجل الحصول عليه. هي ذكرت دون ان تجزم بان الانفاق على البحث عن الريع في الدول المتقدمة هو قليل نسبيا.

مخاطر البحث عن الريع

لاحظنا ان البحث عن الريع هو غير مرغوب لأنه يهدر الموارد. كذلك، بما انه يأخذ شكل القيود على المنافسة او على استخدام حقوق الملكية، فان الرغبة في الحصول على الريع من خلال السلطة السياسية سيشوّه عمليات السوق. هذه التشوهات، خاصة التدخل في سعر الفائدة او اسعار السلع والخدمات، تجعل من الصعب على المستهلكين والمنتجين التخطيط للمستقبل، فيزيد احتمال تعرّضهم للخطأ.

غير ان المشكلة الاكثر خطورة للبحث عن الريع على مستوى منظومة القيم الاجتماعية هي انه يميل بمرور الزمن لتشجيع نمو اعداد كبيرة من الناس للاشتراك فيه، محاولين اكتساب قوة سياسية للحصول على امتيازات ضد من هم اقل سلطة. وبهذا فهو يعطي دفعا لديناميكية مخيفة تُفسد بمرور الزمن احترام حكم القانون، والحكومة المحدودة، والملكية الخاصة.

ان حكم القانون يلزم الحكومة بقواعد ثابتة ومعلنة سلفا، ولم يُقصد بها منفعة او ايذاء فرد معين او مجموعة معينة. فمثلا، القاعدة التي تمنع كل شخص من التورط في اعلانات احتيال هي منسجمة مع حكم القانون، بينما القاعدة في منح امتيازات احتكارية لشركة معينة او اتحاد هي ليست كذلك. حكم القانون يعمل على حماية الافراد من تدخلات الحكومة العشوائية، وبهذا يكون واحد من دعائم الحرية الفردية، والحكومة المحدودة، وحرية السوق.

البحث عن الريع هو انتهاك واضح لحكم القانون لأنه يعطي امتيازات للبعض على حساب الاخرين. هذا بدوره يعطي الناس حافزا لإنفاق الموارد اما بربط انفسهم مع الرابحين او الابتعاد عن الخاسرين. الرغبة في الاستحواذ على ريع متولد سياسيا هو حافز اساسي لإنتهاك حكم القانون. في نفس الوقت، يميل البحث عن الريع ليسود بالمقدار الذي يسمح به المواطنون للحكومة لخرق حكم القانون.

الفرق بين البحث عن الربح والبحث عن الريع هو مشابه للفرق بين التجارة السلمية والسرقة بقوة السلاح. كلاهما يتطلب وقتا ومهارة، لكن واحدة تخلق ثروة بينما الاخرى تحطمها. واحدة تشجع التعاون السلمي، بينما الاخرى تضعفه.

..................................................
المصادر:
1- foundation for Economic Education
2- The concise Encyclopedia of Economics
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0