بقلم: كارل بيلدت

ستوكهولم- أصبحت مسألة اتساع أوراسيا بين معقوفتين بسبب الحرب. فعلى الجبهة الغربية، نشرت روسيا عددًا متزايدًا من الوحدات العسكرية في المناطق القريبة من حدودها مع أوكرانيا، مما أثار موجة من التكهنات بشأن دوافعها. وفي الشرق، أصبح سلوك الصين تجاه تايوان مقلقًا بصورة متزايدة. إذ انتشرت تقارير على نطاق واسع تقول أن دراسة حول لعبة الحرب أجراها مركز أبحاث أمريكي، خلُصت إلى أن الولايات المتحدة لن يكون لديها "خيارات موثوقة" إذا شنت الصين هجومًا مستدامًا على الجزيرة.

وفي كلتا الحالتين، تبدو نِية المعتدي الاستراتيجية واضحة. فقد ركزت حكومة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، على الدعوة إلى "إعادة توحيد" الصين، معتبرة ذلك اختتاما مناسبا للحرب الأهلية الصينية. إذ بعد الحرب العالمية الثانية، استولى الحزب الشيوعي الصيني على البر الرئيسي الصيني، لكنه أخفق في القضاء على القوميين الموالين ل"شيانغ كاي شيك". إذ انسحبوا إلى تايوان (وبعض الجزر الصغيرة)، التي ظلت خارج قاعدة الحزب الشيوعى الصينى منذ ذلك الحين.

وأحيانا، تقول التصريحات الرسمية للصين بشأن "إعادة التوحيد"، أنه يجب تحقيق ذلك بأسلوب سلمي؛ لكن في مناسبات أخرى، يُسقِط قادة الصين هذا الأسلوب. وفضلا عن ذلك، أثناء عملية توسيع الجيش الصيني وتجهيزه، ركزت الصين على بناء قدرتها على إخضاع تايوان، إذا حاولت هذه الأخيرة يوما ما إعلان استقلالها.

ولطالما حافظت معظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، على سياسة "صين واحدة"، رافضة الاعتراف الرسمي بتايوان على أنها دولة مستقلة. ولكن في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، طورت العديد من الدول العلاقات معه هذه الجزيرة، من خلال قنوات أخرى مثل التجارة والتكنولوجيا. فتايوان رائدة عالميًا في إنتاج الرقائق الدقيقة المتطورة. ولها أيضًا تاريخ ديمقراطي ناجح ومشرق. وإذا كان المجتمع الصيني الموجود في تايوان قادر على أن يكون ديمقراطيًا، فربما تتوسَّع الرؤية السياسية من تلقاء نفسها يومًا ما لتشمل بقية الصين.

وعلى الجانب الآخر من أوراسيا، يختلف وضع أوكرانيا اختلافًا جذريًا عن حالة تايوان، لأسباب أهمها أن روسيا اعترفت رسميًا باستقلالها. إذ تم الإعلان عن احتلال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لشبه جزيرة القرم وضمها في عام 2014 بوصفه سلوكا غير قانوني، وأدانته الأغلبية الساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (حيث صوتت 11 دولة فقط ضد القرار).

ومع ذلك ، في الصيف الماضي ، نشر بوتين مقالًا مطولًا ورائعًا يقول فيه أن روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا كيان تاريخي واحد. وهو يدعي الآن أن السيادة الأوكرانية أو البيلاروسية لا يمكن أن تتحقق إلا مع روسيا ، تحت السلطة النهائية للكرملين. وتعد مراجعة بوتين بعيدة المدى لدرجة أنه انتقد وضع أوكرانيا المستقل رسميًا بموجب الدستور السوفيتي (لم يكن هذا يعني أي شيء في ذلك الوقت).

إن نية بوتين الاستراتيجية واضحة: فهو يعتبر استقلال أوكرانيا أمرا لا يطاق على نحو متزايد. إذ تماما كما كانت تخطط الصين بشأن تايوان، كانت روسيا تُعد جيشها وتجهزه لغرض محدد، وهو غزو أوكرانيا وقهرها، قبل أن تتمكن أي قوة خارجية من عرقلة الاحتلال. وبالإضافة إلى الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، أرسل الكرملين بالفعل قوات عسكرية نظامية إلى أوكرانيا، كما فعل في أغسطس/آب 2014، ومرة أخرى في فبراير/شباط 2015 في منطقة "دونباس" الشرقية. ويبدو أن بوتين جاهز ومستعد لشن هجوم مماثل آخر، إن لم يكن عملية واسعة النطاق.

ولا أحد يشك في أن استيلاء الجيش الصيني على تايوان من شأنه أن يغير بصورة جذرية النظام الأمني لشرق آسيا، تمامًا كما سيؤدي استيلاء عسكري روسي على أوكرانيا إلى قلب النظام الأمني في أوروبا. ولكن ما لم يتم تقديره بالكامل بعد هو إمكانية حدوث كليهما في وقت واحد بطريقة منسقة إلى حد ما. وستحول هاتين العمليتين أساساً ميزان القوى العالمي، وستدقان ناقوس الموت للترتيبات الدبلوماسية والأمنية التي دعمت السلام العالمي لعقود من الزمان.

ومثل هذا السيناريو ليس بعيد المنال كما يبدو. إذ على الرغم من أن الصين تدعي وقوفها إلى جانب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا أنها تلتزم الصمت التام بشأن مسألة السيادة الأوكرانية. ولا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأنها لن تدعم هجومًا روسيًا آخر على ذلك البلد، إذا كان ذلك يخدم أغراضها الخاصة.

ومن المؤكد أنه سيكون من الخطأ الفادح أن تغزو الصين تايوان، وأن تغزو روسيا أوكرانيا. إذ سوف تتراجع التنمية الاقتصادية في كلا البلدين بصورة حاسمة بسبب العقوبات واسعة النطاق التي حتماً ستتبع الغزو. وسيزداد خطر نشوب صراع عسكري ذي نطاقا أوسع، ومن شبه المؤكد أن دولاً مثل اليابان والهند ستشرع في بناء عسكري واسع النطاق لمواجهة الصين. أما الأوروبيون فهم بالفعل يتحركون بصورة أكثر حسما نحو سياسة تقوي نظامهم الدفاعي.

وبقدر ما قد تكون هذه التطورات حكيمة، فإنها توفر الراحة الباردة. إذ يمكن سماع طبول الحرب بوضوح تام. ومهمة الدبلوماسية هي ضمان ألا تتجاوز كونها مجرد ضوضاء الخلفية.

* كارل بيلدت، وزير الخارجية السويدي من 2006 إلى اكتوبر 2014، ورئيس الوزراء 1991-1994، الرئيس المشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق