بقلم: سوزان مالوني

من خلال زيادة التوتّر، تأمل إيران أن توسّع الأزمة مع الولايات المتحدة وتفرض حواراً على أمل العثور على طريقة للخروج من أوضاع آخذة في التفاقم.

في يوليو 2012، قام عدة مسؤولين حكوميين أمريكيين رفيعي المستوى بزيارة سرّية إلى مسقط حيث التقَوا بدبلوماسيين إيرانيين لأوّل مرة في ما سيصبح سلسلة من المفاوضات عبر القنوات الخلفية. رسمياً، ما كان من المفترض أن يتمّ لقاء على غرار ذلك الذي جرى في عمان: فقد كان البلدان قد قطعا علاقاتهما الدبلوماسية الرسمية منذ عقود، وأدّى الضغط الاقتصادي الأمريكي المتزايد على إيران إلى جعل الدبلوماسية المباشرة أكثر حدّية من ذي قبل.

بيد أنّ هذا الحوار السرّي أفضى إلى ولادة الاتفاق النووي التاريخي في العام 2015 بين طهران وواشنطن وخمس قوى عظمى أخرى، فكانت المرة الأولى التي يتمكّن المجتمع الدولي من إبطاء التقدّم المتواصل الذي يحرزه النظام الديني للوصول إلى قدرة إنتاج أسلحة نووية.

وبعد مرور سبع سنوات، أصبحت هذه الاتفاقية معلّقة بين الحياة والموت. فقد انسحبت منها إدارة ترامب في مايو 2018، وبدأت إيران مؤخراً بخرق قيود الاتفاقية حول نشاطاتها النووية. ومستوى التوترات في الخليج العربي مرتفع، مع استيلاء إيران على سفينة بريطانية وإعلانها عن خطط لإعدام مجموعة من الجواسيس الأمريكيين المزعومين. وتتزايد المخاوف من أنّ الدولتين تسيران في مسار تصادمي وتتجهان نحو صراع عسكري أوسع بأثر مزعزع أكبر بكثير.

بيد أنّ أمراً غريباً حدث في خضم المسار المتّجه إلى الانهيار: يبدو أنّ المسؤولين الإيرانيين يفاوضون الآن، وعوضاً عن اللجوء إلى القنوات الخلفية، هم يفاوضون في العلن.

فيحاول المسؤولون الإيرانيون، ولا سيما وزير الخارجية، العمل من منطلق دبلوماسي مع واشنطن. وإذا نظرنا لما بعد العناوين المبهرة، يمكن اعتبار استفزازات طهران في الخليج جزءاً من استراتيجية التفاوض عبر التودّد من جهة والتهديد من جهة أخرى، وهي استراتيجية تعزّز الإقناع بواسطة الترهيب. وعند جمع هذه العناصر معاً، تشير هذه الإشارات إلى أنّ الإيرانيين يحضّرون الوضع للتفاوض، وإن كان الرئيس ترامب جدّياً حيال رغبته في “جعل إيران عظيمة من جديد”، عليه أن يستفيد من هذه الفرصة قبل أن تخرج التوتّرات عن السيطرة.

لقد قطع الارتباط بين جمهورية إيران الإسلامية والحكومة الأمريكية التي ما زالت إيران تطلق عليها اسم “الشيطان الأكبر” شوطاً كبيراً مؤخراً. ففي العام 1979، بعد الثورة، أشعلت التغطية الإعلامية للاتصالات الرسمية بين قادة إيران الجدد وكبار المسؤولين الأمريكيين تظاهرات ساخطةً في طهران أفضت إلى الاستيلاء على السفارة الأمريكية وأزمة الرهائن التي دامت 444 يوماً. وبعد فضيحة إيران كونترا، التي تبيّن فيها أنّ الولايات المتحدة وإيران منخرطتان من جديد في صفقات سرّية، نظرت المؤسسة الإيرانية إلى العمل الدبلوماسي، حتى الكتوم منه، مع المسؤولين الأمريكيين على أنّه أمر مدمّر. ولعقود، رفض مرشد الثورة الإيراني آية الله علي خامنئي أي اقتراح بإجراء محادثات رسمية مع واشنطن، وأُبطلت موافقته القسرية على المفاوضات النووية في عهد الرئيس أوباما جملة وتفصيلاً بعدما خرق ترامب الاتفاقية.

لكنّ الاتفاق النووي، حتى مع نتيجته المريرة، والاتصالات الثنائية الكثيفة التي جرت في السنوات الأخيرة من إدارة أوباما تركت أثراً في المشهد السياسي الإيراني. فبات التواصل مع واشنطن أمراً طبيعياً الآن في الجمهورية الإسلامية لدرجة أنّ لقاءً بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وعضو جمهوري في مجلس الشيوخ الأمريكي طلبَ دعمَ ترامب ليتمّ اللقاء بالكاد يلقى انتباهاً يذكر. منذ عشرين سنة، اعتبرت مقابلةُ قائد إيراني مع محطة أنباء أمريكية تطوراً صادماً. أما اليوم فالمقابلة أمر اعتيادي، مع لجوء ظريف إلى لسانه السليط ليبعث بإشارات إلى ذاك الشخص المقيم في البيت الأبيض.

وقد أجرى ظريف، وهو دبلوماسي مؤدّب رفيع المستوى ذو معارف كثيرة في واشنطن، زيارتين بارزتين إلى نيويورك في الأشهر الأخيرة، فالتقى بممثلين من الوسطَين الإعلامي والأكاديمي ومن الكونغرس، في ما يشبه جولة علاقات عامة تُبيّن أنّ الجمهورية الإسلامية تجسّ النبض مع إدارة ترامب.

وباسلوب إيراني بامتياز، تجري هذه الحملة في الوقت ذاته الذي يُرسل فيه قادة إيران إشارات قوية ضدّ القيام بأيّ تصرّف من هذا النوع. وقد كان لحملة الضغط الأقصى الأمريكية تداعيات كارثية على الاقتصاد الإيراني، وموقف إيران الرسمي كما عبّر عنه خامنئي هو أنّها لن تفاوض والسيف مسلول على عنقها. وقد رفض رفضاً قاطعاً فكرة التفاوض حول ما تعتبره طهران قدرات البلاد الدفاعية الجوهرية، مثل برنامجها الصاروخي. وعندما زار رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي طهران الشهر الماضي، بأمر من ترامب على ما يبدو، عاد أدراجه خالي الوفاض، مع صدٍّ فظّ تزامنَ مع جولة جديدة من الهجمات بالوكالة على حركة الشحن في الخليج. وفي حال لم تكن الرسالة واضحة، كانت ملكية إحدى ناقلات النفط التي تعرّضت للهجوم تعود لشركة يابانية.

وتعكس هاتان الضربتان المتتاليتان الواقع المرير للمأزق الراهن الذي يقع فيه النظام. إذ يصرّ المسؤولون الإيرانيون أنّهم قادرون على التأقلم مع الضغط الأمريكي، لكنّ الحملة المنسّقة لرفع مستوى التهديد حتّى في خلال إبداء بعض الانفتاح الدبلوماسي تكشف عن وعياً في الأوساط العليا للنظام الثيوقراطي بأنّ البلاد لا يمكنها أن تتحمل حصاراً اقتصادياً أمريكياً بأجل غير محدود.

وعكَس ظهور ظريف الإعلامي واجتماعاته الخاصة رسالة مرنة لا بل ودّية. إذ قدّم ثناءات مدروسة لترامب في لقائه مع فريد زكريا على محطة سي أن أن، مشِيداً “بقرار الرئيس الحذر جداً” بإلغاء الضربة العسكرية التي أمر بها في البداية بعد أن أسقطت طهران طائرة مسيّرة أمريكية الشهر الماضي. وطرح بعض الانفتاحات الطفيفة حيال الاتفاق النووي في حوار مع مراسلي الصحافة المكتوبة. وفي مقابلة أبدع فيها على محطة فوكس نيوز، دغدغ نرجسية ترامب وعدم ثقته بمستشاريه الصقوريين.

وبعد فترة قصيرة من كلام ظريف للمراسلين الأمريكيين عن إمكانية تبادل الأسرى، أطلقت السلطات الإيرانية على نحو غير متوقّع نزار زكا، وهو لبناني يحمل تأشيرة إقامة دائمة في الولايات المتحدة، بعد احتجازه لأكثر من ثلاث سنوات بتهمة تجسس باطلة. ولا يشكّل أيّ من هذا مكوّنات للاتفاقية الشاملة التي دعت إليها الإدارة الأمريكية، لكنّ المناورات الإيرانية بدأت رسمَ معالم إطار عمل أولي للمفاوضات الثنائية.

وتتماشى عملية مد اليد الماهرة التي قام بها ظريف مع الإطار الأوسع للنقاش ضمن المؤسّسة السياسية الإيرانية حيث برزت تخمينات غير علنية طوال أشهر حول الإمكانات المتاحة لوضع مسار دبلوماسي يُخرج البلاد من محنتها الراهنة. وأطلق المنشقّون والسياسيون المعتدلون المعروفون مؤخراً نداء لإجراء محادثات غير مشروطة. وحتى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد دعم علناً اعتماد دبلوماسية جديدة، علماً أنه يُعرف بنقده المتشدّد وبميله التمييزي لمد اليد إلى واشنطن.

ولا يرى مَن يراقب الأوضاع في إيران منذ زمن مفاجأة في إرسال ظريف إلى نيويورك حتى مع تزايد التوتر في الخليج العربي، مع سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط وأنبوب نفط وعدة منشآت ذات صلة بالولايات المتحدة في العراق وإسقاط الطائرة المُسيّرة والاستفزاز الأخير عندما استولت إيران على ناقلة نفط بريطانية عند عبورها الخليج العربي. وقد باتت الجمهورية الإسلامية بارعة في الجمع بين الدبلوماسية والقوة، مستغلة جاذبية ظريف المتملقة إلى جانب لكمة إلى الوجه يسدّدها الحرس الثوري.

وفيما يلقي بعض المحللين اللوم على التقاتل بين الفصائل، في كلام يردّد أقوال المسؤولين الإيرانيين، يبيّن تحذير ظريف المُرفق بابتسامة على محطة سي أن أن عندما قال “إن كان في هذه المنطقة المائية الصغيرة هذا العدد الكبير من السفن الأجنبية… سوف تقع حوادث” أنّ مقاربة إيران المزدوجة المسار متعمّدة، فهي تطبيق منسّق للضغط والإقناع لدعم مصالحها. فطهران تعتمد الدبلوماسية والقوة معاً على أمل إخراج النظام من مأزق متزايد الخطورة.

ويؤمّن هذا المخطط فعاليةً تفوق أي بديل آخر متاح لطهران اليوم. فقد بيّن باقي العالم أنه غير راغب أو غير قادر على الالتفاف حول العقوبات الأمريكية أو التخفيف من تداعياتها الاقتصادية على إيران. فعلى الأقل، إبراز عضلات إيران في ممر الطاقة الأهم في العالم يمكنه أن يرفع أسعار النفط، مما يحسّن مداخيل طهران المخنوقة ويعقّد جاذبية ترامب لقاعدته المحلية مع مباشرته بحملة إعادة انتخابه. وقد تستثير التوترات المتصاعدة الطاقة الدبلوماسية من أوروبا والجهات الأخرى صاحبة المصلحة في الاتفاق النووي. وتقدّم صور ناقلات النفط المحترقة تحذيراً قوياً لجيران إيران حيال التداعيات المحتملة التي تترتّب عن المزيد من التصعيد. وتضخّم الاحتكاكات المتزايدة من فداحة الأزمة لباقي العالم، فيما تعطي الخروقات المتزايدة للاتفاق النووي التي ترتكبها إيران طهرانَ عنصراً يمكنها مقايضته في حال بروز فرصة للمساومة.

ومع أنّ طهران تفرض في الوقت الراهن إيقاع التصعيد وحدّته، تعتمد الخطوة التالية التي ستحدث على إدارة ترامب.

فلطالما عبّر الرئيس الأمريكي عن ازدرائه للتدخل العسكري الأمريكي المكلف والمطوّل في الشرق الأوسط، ودعا مراراً وتكراراً للتحاور المباشر مع القادة الإيرانيين. لتحقيق ذلك، ينبغي على واشنطن أن تكون جاهزة لتقديم التنازلات في ما يخص استراتيجية “الضغط الأقصى” التي تنتهجها. فطهران جاهزة للتفاوض، لكنا ستطلب تخفيفات في العقوبات ثمناً للمشاركة.

أما ترامب، فهو يعلن أنّه غير متحيّز، مشدداً على أنه “ليس في عجلة من أمره”، ومصراً على أنه “لن يتدخّل”. لكن من المستبعد أن تمنحه طهران هذا المطلب. فإيران عازمة على تغيير الوضع الراهن لأنه لم يعد يصب أبداً في مصالحها. فمن خلال زيادة التوتر، يأمل الإيرانيون في توسيع الأزمة وفرض حوار على أمل العثور على طريقة للخروج من أوضاع آخذة في التفاقم.

نُشرت هذه المقالة بدايةً في مجلّة Politico، وهذه ترجمة للنسخة الأصلية.

https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0