بقلم: بروس ريدل

واجه الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، في خلال العقدين من الزمن اللذين استلم فيهما العرش، تحديات شبه مستمرة تُهدّد استقرار المملكة وازدهارها، شأنه شأن والده الملك حسين طوال فترة حكمه التي بلغت نصف قرن. ويشكّل الصمود في جوار خطر موطن القوة الأبرز التي يتحلّى بها الهاشميون. واليوم، يواجه الملك عبد الله مجموعة جديدة من المخاطر والتهديدات، ومنها ما يأتي من حلفائه التقليديين.

لقد استلم الملك عبد الله العرش بعد أن قرّر والده في اللحظة الأخيرة أن يغيّر سلسلة الخلافة، فطرح أخاه حسن جانباً وعيّن ابنه الأكبر خلفاً له. وعلى الفور تقريباً، وضع انهيارُ عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية في كامب ديفيد والانتفاضة الثانية ضغطاً هائلاً على معاهدة السلام بين الأردن ولإسرائيل. فأكثرية المواطنين في الأردن فلسطينيون (بمن فيهم الملكة) وهم يتأثرون إلى حدّ بعيد بالتطّورات في الضفّة الغربية والقدس الشرقية. ولم تحظَ معاهدة السلام بالشعبية يوماً.

وأضاف الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 المزيد من التحديات. إذ لم يلقَ قبولاً أبداً لدى الأردنيين، وأدّى إلى تدّفق أعداد من اللاجئين العراقيين بعد الاجتياح مما وضع عبئاً على الاقتصاد. فما زال قرابة نصف مليون عراقي في الأردن. وهاجم تنظيم القاعدة فنادق في عمّان، وما زال تنظيم الدولة الإسلامية تهديداً إرهابياً قائماً.

وقد أفضت الحرب الأهلية في سوريا إلى تدفق موجة أخرى من اللاجئين. فحوالي 700 ألف سوري مسجّلين لدى الأمم المتحدة على أنّهم لاجئون في الأردن. وأكثر من نصف هؤلاء صغير جداً في السنّ. ويعيش ثمانون في المئة منهم في مدن الأردن المزدحمة. ومع تحقيق نظام الأسد الفوز في الحرب، من المستبعد أن يعود هؤلاء اللاجئون إلى بلادهم. وفيما يتردّد السوريون في العودة إلى ديارهم، قد يضغط عليهم الأردنيون للمغادرة، ولا سيما أولئك المقيمين في مخيمات على طول الحدود، وذلك من أجل استعادة العلاقات “الطبيعية” مع سوريا، بما في ذلك العلاقات التجارية.

ويضع هذا المزيج من الأزمات المتراكمة ضغطاً هائلاً على الاقتصاد. فتبعاً لمجلّة ذي أيكنوميست، تبلغ نسبة بطالة الشباب 41 بالمئة ونسبة الدين العام 95 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويقع مليون أردني رسمياً في خانة الفقراء. وباتت وتيرة التظاهرات التي تحتجّ على هذه المشقّات في تزايد. وعادة ما يكون الملك بمنأى عن هذه المشاحنات، لكنّ التظاهرات الآن تستهدف الملك عبد الله مباشرة.

ويزداد الوضع خطورة لأنّ الالتزام الذي يكنّه حلفاء المملكة التقليديون للملك عبد الله عادة بات أدنى من السابق. فالأردن يتلقّى نحو مليار دولار من المساعدات من الولايات المتحدة كلّ سنة. ولطالما كانت واشنطن الصديق والداعم الأقرب للأردن: فقد قدّم كل رئيس منذ أيزنهاور الدعم للهاشميات على الرغم من بعض التوترات العرضية التي شهدتها هذه العلاقةً.

بيد أنّ إدارة ترامب مختلفة. فقد رفضت الاستماع إلى النصائح من عمّان حيال قرارات مهمة، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقطع العلاقات مع الفلسطينيين والمساعدات عنهم وما تسمّيه الإدارة “صفقة القرن” لحلّ الصراع. ويتحدّث الملك صراحة حول ضرورة إبقاء مستقبل القدس بنداً من بنود المفاوضات. وله حقوق بحكم نسبه بأن يمثّل المواقع المقدّسة المسيحية والمسلمة في القدس، وهي حقوق تمّ الإقرار بها في معاهدة السلام. لكنّ ترامب تجاهله.

وتشكّل المملكة العربية السعودية والدول الخليجية مصدراً آخر للدعم المالي. فالعام المنصرم، وعد السعوديون والكويتيون والإماراتيون بتقديم مساعدات بقيمة 2,5 مليار دولار بشكل قروض بالإجمال. لكنّ الأردن لم يستلم سوى قسم يسير من هذه المساعدات. فالسعوديون غاضبون لأنّ الأردن لم يقطع علاقاته مع قطر ولأنه سحب الدعم للحرب في اليمن.

إنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان العنصر القائد لكلتا السياستين وهو لا يكنّ المودّة للملك عبد الله. في الواقع، تسري شائعات أنّ ولي العهد استغلّ الأوضاع في العائلة المالكة الهاشمية ضدّ الملك عبد الله. فعندما خسر اثنان من أخوة الملك غير الأشقاء وظيفتهما في الجيش العام الماضي (قاد أحدهم الحرس الملكي والثاني سلاح الجو)، سرت شائعات عن تدخّل لمحمد بن سلمان. وتبرز شكوك أيضاً أنّ ولي العهد السعودي يعمل على استبدال دور الملك عبد الله في القدس. والموقف السعودي معقّد لأنّ الملك سلمان يُبدي دعماً أكبر بكثير من ابنه للموقف العربي التقليدي حول القدس.

أما “ورشة العمل” التي ترعاها الولايات المتحدة والتي ستقام في المنامة، البحرين في 25 و26 يونيو والتي ستناقش كيفية زيادة الاستثمار والتجارة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمنطقة المحيطة بها، فهي مصدر قلق آخر لملك الأردن. فلا يمكنه مجافاة واشنطن والرياض بعدم مشاركته، لكنّ لقاء المنامة لا يلقى أي شعبية على الإطلاق محلياً. فالأردن بحاجة شديدة إلى دعم اقتصادي، لكن لا يمكن أن يأتي ذلك على حساب التخلّي عن حلّ الدولتين. وقد اندلعت تظاهرات أمام السفارة الأمريكية في عمّان عندما دعا جاريد كوشنر الملك إلى إرسال ممثلين إلى لقاء البحرين.

وفي الشهر المنصرم، أقال الملك عبد الله رئيس جهاز المخابرات لديه واستبدله بضابط شركسي يدعى أحمد حسني له سنوات كثيرة من الخبرة. ويتألف المجتمع الشركسي من لاجئين فرّوا من روسيا إلى الإمبراطورية العثمانية منذ أكثر من قرن، وهم الأتباع الأكثر إخلاصاً للنظام الملكي. يبدو أنّ الملك يحضّر نفسه لأي تهديد.

الملك عبد الله بارع في التعامل مع التحديات التي تواجهها بلاده، شأنه شأن أبيه الملك حسين قبله. لكنّ النجاحات في الماضي ليست ضمانة للنجاح في المستقبل. وإن كانت إدارة ترامب مهتمة بالاستقرار في الأردن، ينبغي عليها التخلّي عن خطّة السلام غير الناضجة التي وضعتها قبل طرحها حتّى. ومع تزايد التوترات في الخليج العربي عقب الهجمات على ناقلتي النفط، سيصبح الأردن عرضة للمزيد من الخطر من الوقوع في مرمى تقاطع النيران بين واشنطن والرياض وطهران.

https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4