الصوت ظاهرة فيزيائية ينتج عن أي حركة أو اهتزاز، وبما أن السينما وحسب براءة اختراع ويليام بول وج. ويلز هي "سرد القصص عن طريق عرض صورة متحركة"( )، ما يعني إن هناك تعارض فيزيائي بين مفهوم الحركة ومبرراتها، وما بين مفهوم السينما وجوهرها، كون أن السينما وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً ظلت صورة متحركة دون صوت، فكيف تسنى للجمهور المتلقي استساغة تلك الصور المتحركة دون أن يصاحبها الصوت الناتج عن تلك الحركة المستمرة.

في الحقيقة إن فكرة السينما في الواقع قد طرأت لمخيلة إديسون، منذ البداية، باعتبارها اختراعاً "يمكن به تسجيل الحركة والصوت معاً في آن واحد" وقد قال إدمارك. دكسون إنه في عام في عام 1889، في تجاربه التي أدت إلى ابتكار الكنتسكوب قد طابق بين صوته المسجل على اسطوانة وصورته المعروضة على الشاشة"( )، ومع ذلك بقي الصوت مصاحب للصورة من الخارج وليس من داخل الصورة المتحركة، عن طريق الفرق الموسيقية الموجودة في القاعات السينمائية، حتى حلَّ عام (1927) والذي يعد عام الفصل بين سينما لم تتكلم (صامتة) وسينما بدأ الصوت يدب عبر أشرطتها الغنائية والموسيقية والروائية (ناطقة)، أن أول شريط ناطق هو (مغني الجاز) والذي قدمته شركة (أخوان وارنر) حيث ضم الشريط حواراً ناطقاً، وقد أتبعت في معظمه طريقة مماثلة للتجارب التي سبق عملها مع الموسيقى التصويرية التي كانت مسجلة على الشريط بينما الحوار عبارة عن عناوين مطبوعة ومع ذلك فقد تطابق أصوات الممثلين مع صورهم على الشاشة.

وقد تبع دخول الصوت الى الصورة، الى دخول كل أجزاءه وأصنافه الأخرى وهي (البشرية، الطبيعية، الاصطناعية) وكذلك الموسيقى ومؤثراتها الأخرى وأخيراً الصمت، لتكتمل الصورة بعد ذلك باكتشاف اللون، لتصبح الصورة مكتملة النضج من الصوت الى اللون، ولتستمر عجلة التطور والاكتشاف ليتكلل ذلك في بداية الخمسينات من خلال اكتشاف جهاز التلفزيون الذي غزى العالم حتى أصبح جزء من البيت لا يمكن الاستغناء عنه.

وفي مقابل ذلك بدأت عجلة الإنتاج السينمائي والتلفزيوني بالدوران لتنتج الكثير من الأعمال الدرامية، وبما أن السينما والتلفزيون في أحد أوجههما أداة إعلامية وثقافية كان لابد لتلك الأعمال من أن تترجم الى لغات العالم الأخرى، فشاعت الأعمال الدرامية بين العالم من خلال تلك الترجمات، ومن جهة أخرى فإن تلك الدراما بكل أصنافها، صناعة تكلف الجهات المنتجة لها ميزانيات ضخمة، ومن أهم شروط تلك الصناعة هي الترويج وإيجاد لها أسواق استهلاكية، لاسترداد ما تم إنفاقه بالإضافة الى الأرباح، فقد ظهرت في العقدين الأخيرين، ظاهرة دوبلاج المسلسلات الأجنبية على وجه الخصوص الى العربية، حتى أصبحت أسواقنا الفنية وشاشاتنا العربية متخمة بالمسلسلات الأجنبية من أمريكا الجنوبية (كوادة لوبي)، وتركيا (مراد علم دار، العشق الممنوع) وإيران (أصحاب الكهف، مريم العذراء) المدبجلة، وكذلك المسلسلات الأمريكية (الضائعون) على سبيل المثال.

ومن قبل كانت المسلسلات الدرامية الأجنبية تخضع الى الترجمة، قبل أن تصبح فكرة الدوبلاج شائعة في الوسط الفني والذي انعكس ذلك على المشاهدين، في استسهال متابعة مثل هكذا أعمال، لعدة أسباب مقارنة بالترجمة لها، ومن أولى تلك الفوارق هي رداءة الترجمة وصغر حجم الكلمات، وسرعة رفعها من على الشاشة لمتابعة استمرارية الحوار، بالإضافة الى نقطة محورية مهمة هو أن الكثير من كبار السن ممن يعشقون الشاشة التلفزيونية، لا يجيدون القراءة والكتابة، وكذلك جراء ضعف نظرهم، ما يضطرهم الى العزوف عن متابعة الأعمال الدرامية المترجمة وليست المدبلجة، أما النقطة الجوهرية في الفرق بين (الترجمة والدوبلاج) هو إن الأعمال المترجمة تذهب بنظر المشاهد وتركيزه على الحوار وليس الى الصورة وبالتالي يذهب ذلك بالعمل في أدراج الرياح.

وفي المقابل فإن للدبلجة رغم إبقائها على المؤثرات الصوتية والموسيقى والصمت كما هي كجزء حيوي من العمل الدرامي، إلا أن لها مجموعة من السلبيات التي تذهب بروح العمل من ناحية الحوار، كون إن الصوت في عمومه كما أسلفنا سابقاً هو جوهر الصورة المتحركة، رغم اكتشافه مؤخراً وذلك لأسباب تقنية بحتة وليست فنية، "إذ إن الكلمة هي عامل مكون للصورة"( )، والكلمة في الصورة تتخطى معناها الإشاري الى المعنى التعبيري عن الأفكار والأفعال بصورة مباشرة، وهي بذلك تختلف عن الكلمة المكتوبة (الأدب) " والتي لا تستطيع إلا أن تتقارب بشكل أولي مع دقائق وتنغيمات اللغة المنطوقة"( )، وبالتالي يمكننا أن نوجز أهم أشكال الحوار في العمل الدرامي: فالحوار هو الذي ينطقه الممثل عندما نشاهد صورته من على الشاشة، ويدعى هذا النوع من الحوار (داخل الإطار) بالمتزامن، والحوار الذي نسمعه ولكن نرى على الشاشة الصورة في حدث آخر فالحوار هنا (خارج الإطار)، والحوار الداخلي (المونولوج) أي نسمع صوت الشخصية من دون أن نشاهد نطقها فقط (أحيانا حركة الشفاه) وهذا النوع من الحوار يأتي للتعبير عن كوامن النفس البشرية أحياناً أو ترجمة : مثل رجل وامرأة ولتوضيح الرؤية الخاصة (الذاتية)"( ).

ولكن الدوبلاج يذهب بكل هذه الوظائف المذكورة أعلاه، فلم يصبح الشريط الدرامي صوري فقط بعد اليوم، بل هو سمع بصري، وإن عدم التطابق بين الصورة والصوت كما هو واضح جليا في الأعمال المدبلجة يعد استخدام غير واقعي للحوار واستخداماته بغض النظر عن شيوع تلك الأعمال بين الناس، إذ إن عملية إدخال الحوار أدت الى " توحيد الإحساس بالكلمة المنطوقة واستمرارية تدفق واقعي للأفعال والأحاسيس التي نراها على الشاشة"( )، بالإضافة الى التكثيف والوضوح، غير الموجود في تلك الأعمال الدرامية المدبلجة، والأهم في كل ذلك هو غياب علاقة الزمن بالحوار، فكثيراً ما نرى أن الدبلجة تنتهي والشخص لازال يحرك شفاه، والعكس أيضاً، ما يعني غياب الربط بين زمن الحوار كوقت وأحجام اللقطات وأزمانها.

في الختام لابد أن نقول إن التوجه العام لمشاهدة الأعمال الدرامية المدبلجة ربما يعود الى غياب الأعمال الدرامية العربية والعراقية التي تطرح مواضيع أكثر جرأة، سواء أكانت تناقش الواقع الحياتي أو الخيالي للإنسان في عمومه، وربما إن الأعمال المدبلجة تطرح بيئة درامية جديدة، لم تطرحها من قبل الأعمال العربية والعراقية، وربما هي موجه عصفت بالمشاهد سرعان ما تذهب أدراج الرياح.

----------------------------------
المصادر
- يوري لوتمان، مدخل الى سيميائية الفيلم، تر، نبيل الدبس، دمشق، منشورات وزارة الثقافة 2001.
- آلبرت فولتون، السينما آلة وفن، تر، صلاح عز الدين وفؤاد كامل، القاهرة، ص222.
- لوي دي جانيتي، فهم السينما، تر، جعفر علي، بغداد، دار الرشيد، 1981، ص272.
- عبد المجيد الخطيب، جدلية تفاعل العنصر الصوتي والعنصر الصوري بين الوظيفية والجمالية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، 1997، ص42.
- عبد المجيد الخطيب، جدلية تفاعل العنصر الصوتي والعنصر الصوري بين الوظيفية والجمالية، مصدر سابق، ص43.
- المصدر نفسه، ص42.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2