يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه الكريم:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. [1])

عوداً إلى الآية الشريفة نقول: إنه يستنبط من الآية الشريفة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ) أمور منها: لعله يستفاد من العموم الأفرادي والإطلاق الأحوالي في الآية الكريمة إن هنالك مسؤولية متقابلة على الفرد تجاه سائر الأفراد، وتجاه المجتمع، وتجاه الجماعات، وتجاه الدولة، وكذلك الحال في الدولة بالنسبة إلى الأفراد والجماعات والمجموع كمجموع، والدولة بالنسبة للدولة أيضاً، وبالعكس، والجماعات بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر وإلى آخره.

وعلى أي تقدير، سواء أقلنا: أنَّ الأصالة للفرد أم للمجتمع أم قلنا بالرأي الثالث أو الرابع فإنه لا شك أنَّ المسؤولية حاكمة على الجميع وفي كل الصور (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ).

فالبحث حول (مسؤولية الجماعة تجاه الفرد) في ضمن مبحث اتجاه أسهم المسؤولية، التي تخرج من الجماعة. إذن:

1- تارة تلاحظ الجماعة بالقياس إلى الدولة، وإن لها مسؤولية (والجماعة كما سبق تعني النقابة أو الهيئة أو الحوزة العلمية أو الجامعة، أو الحزب أو التنظيم، أو الاتحاد أو الاتحادات، أو ما أشبه ذلك).

2- وتارة ثانية تلاحظ مسؤوليتها تجاه أفراد الشعب.

3- وثالثة تلاحظ المسؤولية تجاه المجموع من حيث المجموع.

4- ورابعة تلاحظ مسؤوليتها تجاه الجماعات الأخرى.

مسؤولية الجماعة تجاه الفرد:

والمبحث الآن منصرف إلى مسؤولية الجماعة والجماعات المختلفة، سواء أكانت هيئات، أم أحزاب أم اتحادات أم غير ذلك، تجاه الأفراد، وهو مبحث هام جداً وأمر مبتلى به بشدة؛ وذلك نظراً لأن الجماعات عندما تقوى، وتحصل على قوة أكثر فأكثر، فإنها –عادة- تهمل الأفراد وتتجاهلهم وتنساهم، وقد تسحق حقوقهم بالكامل، وإن الجماعة –عادة- ما دامت ضعيفة، والحكومة كذلك ما دامت ضعيفة، والأحزاب كذلك عندما تكون ضعيفة، فإنها تتواضع، بل وتتملق الناس، تحترم الفرد وتستمع له وتصغي لشكاواه واقتراحاته، فإذا قويت فأنها تطغى.

والحاصل أن الجماعات والأحزاب عندما تكون خارج السلطة أو تكون محاصرة أو ضعيفة فإن كثيراً منها تهتم بالأفراد وبالقاعدة أبلغ الاهتمام، ولكنها عندما تقوى تتفرعن، فكيف بها لو دخلت للسلطة؟ وهذا مرض خطير وداء عضال يشكِّل الصورة المرضية الأولى من صور علاقة الجماعة بالفرد.

في الصورة الثانية: نرى أن الجماعات عندما تنمو عددياً فإنها – أيضاً- تهمل الأفراد، بمعنى أنه عندما يبدأ هذا التجمع بأعداد قليلة نجده يهتم بالأفراد كثيراً، لكنه عندما تتزايد أفراده لا يعود يهتم بهم، بل نرى بعض الحسينيات والمساجد والهيئات قد تكون كذلك، فعندما يكون الحضور في المجلس قليلاً نجد المدراء يهتمون بالأفراد ويقدرونهم من خلال توفير ما يتيسر لهم من الخدمات، وعندما يزداد الجمع ويكون الجمهور حاشداً فربما تجد بعض المدراء والمسؤولين لا يهتم ذلك الاهتمام الأول بالحضور، أو بنظافة المكان أو بالإضاءة أو بالاستقبال والتوديع، أو بما أشبه ذلك من الأمور الاعتبارية.

وهذا الأمر ملاحظ في الكثير من الأحزاب والتنظيمات والاتحادات والنقابات وغيرها، فعندما تكون أعدادهم قليلة يهتمون بالأفراد؛ لأن ذلك التنظيم يريد أن يكسبهم، ولكنه عندما يزداد أعضاؤه فإنه يتحول إلى مصداق لقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَىٰ) وهنا مكمن الخطر، ومربط الفرس في مبحث المخاطر والأمراض التي قد تبتلى بها مؤسسات المجتمع المدني؛ لأن الفرض في مؤسسات المجتمع المدني أو الإنساني أنها انبثقت وانطلقت لثلاثة أهداف، هي: أولاً: لبناء المجتمع، والمقصود منه هو البناء الفكري والثقافي، وثانياً: لتوفير الخدمات للناس، وثالثاً: أن تقف بوجه الطغيان ودكتاتورية الدولة.

ولكن هذه الأهداف الثلاثة قد (تنعكس) في نفس هذه المؤسسة التي انطلقت من أجل تحقيقها أو بعضها، بمعنى أن هدف بناء المجتمع - مثلاً- لم يعد قائماً في الحزب، أو إنّ هدف الخدمات سيغيب عن باله، ولا يبقى أمام ناظريه إلا المزيد من السلطة، وكيف يحصل على هذه الوزارة، أو ذلك الموقع السيادي أو القيادي؟ وهذا خطر حقيقي؛ لأن هذه المؤسسة قد انطلقت لكي تكون خادمة للناس وإذا بها شيئاً فشيئاً وبمرور الزمان تصير فرعوناً يواجه الناس، والأعضاء والجماعات الأخرى، فبعد أن انطلقت لكي تكون سداً أمام الاستبداد، وإذا بالاستبداد والدكتاتورية تتجسد في أعمالها هي، وفي بنائها الداخلي.

وهذا البحث يرتبط جوهره بمبحث أخلاقيات مؤسسات المجتمع المدني، الذي ستنصرف اليه الدراسة مستقبلاً بالتفصيل، إن شاء الله[2]، ويتداخل مع موضوع البحث في هذا الإطار، وهو أن هناك جملة من الأخطار والأمراض تبتلى بها (التجمعات) عادة، أولاً عندما تتقوى بسلطة أو تثرى بمال، وثانياً: عندما يزداد أعضاؤها أو مؤيدوها أو المنتسبون إليها أو المشاركون في أنشطتها، وثالثاً: عندما تتعارض مصالحها مع مصالح الأفراد، فإنها كثيراً ما تسحق الأفراد دون رحمة أو إنصاف.

المجتمع المدني ضد المجتمع المدني[3]:

وهنا لابد أن يوجّه علماء الأمة ومفكروها تحذيراً أكيداً للناس عامة، وللحوزات العلمية وللجامعات خاصة، من الأخطار التي تتهدد مؤسسات المجتمع المدني، وأحد أهم الأخطار أن تتحول مؤسسات المجتمع المدني إلى عدو لدود للمجتمع المدني، وقد يحتاج لهذا البحث فصلاً مستقلاً، ينصرف لأفعال المجتمع المدني ضد المجتمع المدني، كما أنه قد يكون الإنسان ضد الإنسان، فيقتل شخصاً آخر، أو يسرق أو يغتصب أو يثور ضد الأخلاق والقيم والدين، كما أن المجتمع المدني – أحياناً- قد يكون بنفسه ضد المجتمع المدني أو مؤسساته، سواء في الشرق أم الغرب[4].

(النیو لیبرالیة) اللیبرالیة الحدیثة:

إن إحدى أهم المؤسسات الهامة والمفتاحية في هذا الحقل، والتي يتشكل عبرها مصير العالم بدرجة أو أخرى، والتي تجسد أسمى مظاهر مؤسسات المجتمع المدني ذات الخطورة البالغة على المجتمع، هي تلك التي تسمى بمؤسسات المجتمع المدني العابرة للقارات، وإن من أهمها تلك المؤسسات التي تتخذ من (الليبرالية)، ومن النيوليبرالية (الليبرالية أو التحررية الحديثة) فلسفة ومنهجاً لها في الحياة، وللإشارة فقط، نذكر أن هذه السيئة هي من أسوأ مساوئ الحضارة الغربية وإن دول العالم الثالث اليوم مبتلاة بهذه الغدة السرطانية العالمية وبهذا الداء الخطير.

إن الدول الغربية وتحت شعار النيوليبرالية (الحديثة) تدمّر اقتصاد الشعوب المستضعفة، ومن آلياتهم الشهيرة منظمة التجارة العالمية.

إن (النيوليبرالية) تدعو إلى تحرير الأسواق، وتبشر بسياسة السوق الحرة وتنظّر بأن الأسواق تصحح أوضاعها بنفسها وبذلك يزيدون المستضعفين استضعافاً، والفقراء فقراً، والأثرياء غنى، وهذه هي أعمدة النيوليبرالية (الحديثة).

برنامج عمل (النيوليبرالية:)

وهذه هي عناوين برنامجها العملي:

أولاً: تخفيض الضرائب المفروضة على الأغنياء دون الفقراء !وقد أشرنا في بحث آخر إلى أن أصل الضرائب بهذا الشكل هو خطأ فادح، وإن النظام الضريبي الإسلامي المحدّد بالخمس والزكاة والجزية والخراج فقط وحسب ضوابطها هو الصحيح عقلياً، ومع قطع النظر عن هذا البحث، فإن الضرائب إن كانت صحيحة فلماذا تخفف فقط عن الأغنياء بعنوان النيوليبرالية (الليبرالية الحديثة) مستندين إلى حجة خادعة، وهي أن المحرك الرئيس لاقتصاد البلد هم الأغنياء والشركات الكبرى، فعندما تفرض الضرائب عليهم تشل أيديهم، فلا يستطيعون أن ينهضوا باقتصاد البلد؟!

ثانياً: تفكيك برامج التعليم العام، وأيضاً بحجة براقة مشابهة، وهي إن هذا يناقض سياسة السوق الحرة، وتفجير الطاقات الفردية!!

ثالثاً: تفكيك برامج الرفاه الاجتماعي التي تستوعب المرضى المزمنين، والمقعدين والعاطلين عن العمل أو العاجزين عنه، وكبار السن، إن هؤلاء ينبغي أن يحظوا بالرعاية والعناية المالية وغيرها، لكن النيوليبرالية (الحديثة) تناهض ذلك بكل قوة، وتعاديه بعنوان أنه يحطم الأصنام الجديدة، أصنام تحرير الأسواق، والأسواق الحرة، والأسواق التنافسية، وما أشبه ذلك من هذه الشعارات البراقة.

رابعاً: مناهضة ومحاربة قوانين حماية البيئة.

خامساً: وهذه النقطة هي التي ترتبط بنا مباشرة، وهي التي تدمر وتحطم دول العالم الثالث، لكن تحت شعارات براقة، فإن هذه النيوليبرالية (الحديثة) تدعو إلى رفع الحماية عن الدول خاصة عن دول العالم الثالث، من البرازيل إلى إندونيسيا، ومن تونس إلى الباكستان إلى سائر الدول، حيث يشترطون: إن أردتم أن نساعدكم فبشروط الشركات الكبرى! وإن الرأسمال الكبير لهذه الشركات الكبرى لا يأتي إلى بلدكم جزافاً، وإنما يجب عليكم أن ترفعوا الحماية المفروضة من قبل الدولة لتحصين وحماية الصناعات الوطنية من المنافسة غير المتكافئة مع منتجات تلك الدول.

وهذا يعني بكلمة واحدة تحطيم الاقتصاد الوطني؛ لأن اقتصادهم مستقر منذ مئات السنين ومزدهر، وبضاعتهم متطورة، في حين إن بلادنا لتوّها تريد أن تنهض باقتصادها، وتنهض بصناعاتها، وعندما تغزو صناعاتهم، من طائرة أو سيارة أو قطار أو نقال أو حاسوب أو غير ذلك، وهي الأكثر تطوراً والأدنى سعراً، فمن الطبيعي أن يتحطم اقتصاد البلد، وكذلك الأمر في مجال الزراعة، كما هو جارٍ في الثروة الحيوانية وإنتاج اللحوم، إلى مختلف الأشياء الأخرى.

والغريب هو ازدواجية المعايير لديهم، فإنهم من جهة يقولون: إن مقتضى تحرير الأسواق أن ترفعوا يا دول العالم الثالث حماية دولكم عن منتجاتكم الوطنية، ومن جهة أخرى يفرضون قوانين حمائية، كلما رأوا أن سِلَعاً منافسةً أقوى تدخل من دولة أخرى مثل اليابان وتغزو بلادهم، وتؤثر على اقتصاده الوطني!

والخلاصة: إن من مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني حماية الأفراد والبلاد من أخطار مؤسسات المجتمع المدني العابرة للقارات، وهذه كانت مجرد إشارة، وللبحث تفصيل نتركه للمستقبل، مع الاستناد إلى بعض الروايات الشريفة بإذن الله.

مسؤوليات الجماعة تجاہ الأفراد واستراتيجية الاهتمام بهم:

سبق البحث أن اتجاه سهام المسؤولية قد تكون منطلقة من الفرد، وقد تكون نابعة من الجماعة، وقد تكون منبعثة من الدولة، وقد تكون محمّلةً على عاتق المجموع، وفي هذا المساق ينصرف البحث الى الجماعات وإن عليها مسؤوليات تجاه الأفراد أولاً، وتجاه الجماعات الأخرى ثانياً، وتجاه الدولة أمراً ونهياً ثالثاً، وتجاه المجموع رابعاً، وموضوع البحث هو مسؤولية الجماعات تجاه الأفراد، وهذا البحث فيه تفصيل نقربه بإيجاز.

يمكن أن ينصرف البحث إلى عنوان استراتيجية الإهتمام بالأفراد، وضرورة إشراك القاعدة، وكافة الأفراد الذين ينضوون تحت لواء وراية هذا الجمع، أو هذه الجماعة، فنقول: إن الجماعة سواء أكانت مرجعية من المرجعيات، أم حزباً من الأحزاب ومنظمة أم نقابة أم اتحاداً، أم هيئةً في حسينية أو مسجد، يجب أن تكون استراتجيتها أولاً: الاهتمام البالغ بالأفراد، فإن من المعتاد أن تقوم الجماعات التي ينتمي إليها الفرد بإهماله تدريجياً، مع تنامي قدرتها وتوسع قاعدتها.

وإننا نرى التقريع الشديد في سورة (عبس) قال تعالى:

8 (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)).

وموجز القضية أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالساً مع جمع من أصحابه وفيهم عثمان، فجاء ابن مكتوم وكان مؤذِّنا لرسول الله، وكان أعمى، فقدمه رسول الله على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله تعالى:

(عَبَسَ وَتَوَلَّى)، يعني عثمان، (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى)، كما جاء في (تفسير القمي)، وكما نقل عنه (الصافي).

إن من الواضح أن النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو على (خلق عظيم) لا يمكن أن يقوم بما يستوجب تقريع الله سبحانه وتعالى الشديد له على مر التاريخ.

إضافة إلى أن النبي معصوم لا يرتكب خطأ أبداً، وخاصة خطأ بهذا المستوى، وهو إهانة مؤمن، ثم هو على خلق عظيم، فلذا من البديهي أن لا يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الذي قد عبس.

ونحن نعجب من قوم، يبرّؤون ساحة عثمان بن عفان عن هذه القضية؛ لأنهم يعتبرونها نقيصة، ثم تجدهم يسندونها إلى رسول الله الأعظم، فإذا كانت نقيصة فهي أولى بأن تسند إلى عثمان، وإذا كانت فضيلة فما ضركم أن تنسب لعثمان؟ ثم من الواضح إنها نقيصة، لأن الله سبحانه وتعالى يقرع ذاك الشخص بعتاب شديد وذم أكيد (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى).

فهذا الاهتمام بالفرد في هذه الآية له دلالات ومفادات كثيرة، ومنها: أن الفرد مهما كان صغيراً، ومهما كان ضئيلاً في تصور الناس، فإن له قيمته عند الله سبحانه وتعالى، فلا يحق للجماعة بحجة أن هذا الشخص إنسان مستضعف أو عادي أن يهملوه، أو أن يغضّوا الطرف عن مد يد العون إليه، وأما إذا كان الشخص ذا مكانة رفيعة فيهتمون به، وبكلمة: فإن الفرد – كل فرد – في استراتيجية الجماعة يستحق أولاً: الاهتمام البالغ وعلى امتداد الخط، بعكس الجماعات التي عندما يلمع نجمها تبدأ بإهمال الأفراد.

وثانياً: يستحق الفرد (المشاركة) في أبعاد عديدة، أولها: المشاركة في الرأي، وأن احد أهم أسباب تخلفنا في البلاد الإسلامية هو أنَّ الأفراد ليس لهم سهم في الرأي، وذلك مشهود في الأحزاب والمنظمات ونظائرها إلا القليل النادر منها، فالقائد والرئيس بمفرده هو الذي يتفرد باتخاذ القرار، فلا شورى ولا مشورة، رغم قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر).

ولكن أين سهم الأفراد الذين قد يكونون بالمئات في الرأي وفي النقد البنّاء والاستماع له، أو في الاقتراح الإيجابي والتفاعل معه؟ والغريب إن آراء ومقترحات الأفراد الصغار في أغلب التنظيمات لا تصل إلى القيادة أصلاً، وهذا هو الخطأ بذاته؛ وذلك لأن المشاركة هي حقهم الطبيعي أولاً، وثانیاً: ولأن الأفراد في مختلف الهيئات إذا شاركوا جميعاً في اتخاذ القرار فإن ذلك سيكون من أقوى عوامل التقدم بدون شك؛ لأن (من شاور الرجال شاركها في عقولها).

والسيد الوالد، (رحمة الله عليه) كتب كتاباً بعنوان (الشورى في الإسلام)، في القسم الثاني منه و ذكر أكثر من مائة روايةً، ولعلّه أكثر، من روايات الشورى والاستشارة والتشاور، مثل (ما خاب من استشار)، و(من استبد برأيه هلك) و: قيل يا رسول الله ما الحزم؟ قال: (أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره) إلى غير ذلك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،

وصلاة الله على محمد وآله الطاهرين.

* فصل من كتاب "معالم المجتمع المدني" في الفكر الإسلامي
والكتاب سلسلة محاضرات ألقيت في الحوزة العلمية الزينبية
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/writer10-

............................................
[1] سورة التوبة، الآية.71
[2] في مجلد آخر إن شاء الله تعالى.
[3] يعد هذا المبحث نوع استكمال للمبحث السابق في الفصل الحادي عشر (مهمة المجتمع المدني في درء التداعيات الداخلية والخارجية﴾، كما ستاتي مباحث اخرى في هذا المضمار في الفصل الاتي باذن الله تعالى.
[4] وذلك كما لو صوتت الأكثرية لصالح الاستبداد أو الدكتاتورية أو لصالح الحروب العدوانية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0