بقلم: الهاني إدريس

"والتنبؤات الاجتماعية العلمية الدقيقة المفصلة هي إذن مستحيلة"

(كارل بوبر)

مقـدمة

في الوقت الذي غدا فيه النظر إلى المستقبل علماً يستحوذ على اهتمام الانسان المعاصر، وتحول إلى صناعة قائمة ذات رواج في سوق العسكرية والسياسة والاقتصاد، وذو بعد شمولي ينبسط على مختلف المجالات. ويوظف آخر معطيات العلوم الانسانية والبحتة في اختراق حجب المستقبل المستور.

يجدر بنا أن ندخل هذا الميدان مع كثير من الحيطة، متجاوزين لكل خفة يد في تناول ذلك المستقبل الذي يختفي عن أنظارنا في سديم الزمن المتواصل متسلحين بالموضوعية في رد كل تعسف عابث بالمستقبل الإنساني لصالح نزوات الحاضر وغاياته الجهنمية. فالهدف من دراستنا ليس في عرض نتائج بحوث المستقبل وآراء المهتمين بحرفة التوقع، وإنما في مزاحمتهم بمحاولة نقدية لإنتزاع هذا الاختصاص الذي يقع خارج المعقولية، من عبث الكهنوت، وأخص بالذات، أحد أخطر أشكال الكهنوتية المعاصرة، وهي الايديولوجيا "العلموية" التي أصبحت عمدة علوم المستقبل، في مرحلة يعيش فيها الكوكب الإنساني اضطرابات سياسية وعسكرية واقتصادية وتناقضات حضارية وثقافية. وإن مصيراً عجيباً هو ذاك الذي ينتظرنا، وإنا حتماً لعلى شفى جرف مستقبل هار.

فليس المقصود من هذه الدراسة، تناول إشكالية المستقبل من الناحية التطبيقية، وعرض مصاديق النظرية المستقبلية على الطريقة المألوفة لدى رواد الريادة والمنظور. ليس همنا أن نتتبع حوادث الماضي والحاضر لإستقراء وقائع المستقبل. إنما نحاول هنا تناول الجانب المفهومي والنظري من القضية. علم المستقبل في ذاته، وكيف يشق طريقه من طور إلى آخر، ضمن مسيرة انسانية طويلة، ظلت فيها الإنسانية مشغوفة بالمستقبل، فاقدة لذة الحاضر، وممتعضة من ذاكرتها متشوقة إلى المستقبل يتملكها بشدة. لم يعد الحاضر إلا زئبقاً لا قرار له في ذهن الإنسان المعاصر. إنه يعيش الماضي والمستقبل من خلال نقطة تقاطع هي "الحضور" الأمر الذي ازداد حدة مما جعل البشرية تنظر إلى المستقبل والماضي، ليس كساحات لممارسة وعيها الحقيقي، وإنما كموضوعات للتآسي والفرح. أو حسب تعبير النص القرآني (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم). إن المقصود إذن من هذه المقاربة، هو بحث هذه الموضوعة من حيث المفهوم. لذا ارتأينا تقسيم الدراسة إلى قسمين:

القسم الأول يبحث في صور وأشكال تعاطي المجتمعات الإنسانية مع مسألة المستقبل، ابتداء من العهود القديمة حتى عصرنا الراهن.

أما القسم الثاني فهو يتعلق بالجانب النظري لعلم المستقبل، وإشكالية التنبؤ، إنطلاقاً من وجهة النظر التاريخية، التي نتبنى بعضاً من جوانبها، مع التعرض للاتجاه اللا تاريخي (ANTIHTORICSM) ممثلاً في "كارل بوبر"، المعارض لإمكانية التنبؤ في المجال التاريخي والاجتماعي.

القسم الأول: المستقبل بين الذاكرة والمعاش

1- نظرة تاريخية موجزة:

واجه الإنسان منذ انوجاده على هذا الكوكب تحديات كثيرة، تارة ضده نوعه وطوراً ضد الطبيعة القاسية، وكانت نتيجة هذه التحديات، نجاحات باهرة تشهد طموحه في الحياة، وإخفاقات تزعزع الثقة بقدراته الذاتية، وكان المستقبل في كلتا الحالتين متوقفاً على مدى جهد الإنسان ومرانه في تطويع الطبيعة لصالح رفاهيته، وسلمه ووفاقه مع بني نوعه، يخول له البقاء والأمن والاستقرار المستقبلية. وتولدت عن هذا التحدي نزعة خيالية تتجه صوب الإطمئنان من وقائع المستقبل. وأدى هذ القلق التزايد بالإنسان إلى اعتماد طرائق مختلفة في محاولات كثيرة لإختراق عالم المستقبل، وملامسة خفاياه. هذا القلق الذي يفسر بالعجز الذي كان دوماً يقيق مطامع المجتمعات الإنسانية في تحقيق رفاهيتها، أو بلوغها حياة المسلم والإستقرار.

وقد نقل التاريخ أشكالاً مختلفة تند عن الإحصاء، ظل الإنسان يعتمدها نهجاً في سبر أغوار ذلك المستقبل المستور والحافل بالوقائع المجهولة والمنطوي على الكثير من الفجاءات التي يضطرب لها حاضر الإنسان. وعلى ضوء هذا الاستكشاف المتواصل للمستقبل، كان يضع – الإنسان – مخططاً لإجتياز مخاطر ذلك المستقبل والاستبشار بنعمه المتوقعة.

وكانت تلك الطرائق التي يستند إليها الإنسان القديم في محاولاته الاختراقية تلك، تختلف باختلاف نظراته تصوراته الفلسفية، كما أنها كانت تصطبغ بطوره الثقافي وموقفه من الكون والحياة، وهكذا عرفت طرائق اختراق المستقبل المستور، حيويتها لدى الحضارات التي كان لها شأن عظيم في العلم والمعرفة. كما انحطت تلك الطرائق إلى سلوكيات ظلامية قاتمة عند شعوب أخرى لم يكن لها رصيد حضاري يسعفها في علمنة طرائقها الاستكشافية. ويمثل الصنف الأول كل من الحضارات الشرقية القديمة، كبابل وكلدان ومصر والهند والفرس والاغريق، بينما مثل الصنف الثاني كل من الشعوب الما قبل تاريخية، كهنود أمريكا وزنوج افريقيا.

- صور من الماضي:

لا شك في أن الإنسان منذ وقوفه على ظهر هذا الكوكب، كان يمارس دوراً متميزاً عن بقية الكائنات الحية. وكان العقل عمدة تلك الميزة التي حققت فرادته على مر التاريخ. وهي الملكة التي أخص بها البارىء جل وعلا هذا الكائن لتكون مناط مسؤوليته في الأرض. وعليه فإنه ليس بدعاً أن يكون الإنسان فيلسوفاً متأملاً منذ بداية وجوده، ما دام أن أسئلة كثيرة كانت تأخذ بتلابيب عقله، حول قضايا كثيرة، يكون " الزمن " واحداً منها. والزمن هذا بأبعاده الثلاثة (ماضي/حاضر/مستقبل) كان خاصية انسانية، يمكن بموجبها اعتبار الإنسان كائناً تاريخياً.

وكما أن الإنسان التفت إلى ماضيه، فأبدع ثقافة التاريخ، فقد نظر أيضاً في مستقبلة فابدع صوراً مختلفة من الثقافات الباحثة في المغيبات، ودخل الإنسان بذلك طور الغيبيات OCCULISME مستفيداً من كل ملكاته واحساساته. وتشعبت بذلك طرائق استكشاف المستقبل، وتشعبت معها قناعاته، مما شكل قلقاً جديداً للإنسان، زاد في جهله بالمستقبل وإمكانية تحصيل حقائق عنه.

وسرعان ما تحولت هذه المحاولات إلى طقوس محددة عند القدماء. وأصبحت قطاعاً للاحتراف في كثير من المجتمعات القديمة. لا أعني مهنة العرافة والكهانة المبتذلة –التجارية– وإنما أعني الاحتراف على مستوى رسمي راقٍ.

لقد تبلورت في بلاد الاغريق ثقافة اسطورية تعنى بالمستقبل. فكان "أبوللو" إلاهاً للتنبؤ. وكانت إلى جانب ذلك "بيثيا" وهي الناطقة بالوحي في مدينة "دلفى" تتهيأ إلى مزاولة هذا الدور بالاستحمام في عين " كالستاليا " وصوم ثلاثة أيام، ومضغ أوراق الغار. وبعد هذا التروض، ترتقي مقعدا ثلاثي القوائم، ليدخل عليها "أبوللو". وهكذا تبدأ "بيثيا" بالتشنج والصراخ، وتصاب بعد اعلانها للنبوءة بغيبوبة. كثيراً ما أدى الأمر بها إلى مفارقة الحياة. ونفس الشيء يحدث مع "السيبيلات" SIBYLLES أيضاً.

وكثيراً ما استخدمت هذه الأعمال من قبل جهات مستفيدة، وبذلك دخل التنبؤ إلى سوق التجارة بدأ يخرج رويداً عن قداسته ونزاهته. فيذكر أن "ألبيثيا" تلك الناطقة عن الوحي، كانت قد استلمت من قبل "فيليب" المقدوني ذهباً مما جعل أهل "أثينا" يتهمونها بالرشوة. لم ينته الأمر إلى هنا، بل شهدت العرافة، وسبر أغوار المستقبل أهمية كبرى عند استخدامها في أغراض الحرب. فلا تسير الجحافل إلا بعد مراجعة الطالع، وكانت " الطيرة " عقيدة أساسية لدى كل القدماء، أي مراقبة حركة الطيور وأصواتها. وكانت شجاعة الجندي تزداد وتنقص بحسب ما تجود به نبوءات العرافين وحركات الطيور. بل ربما راوحت الجيوش مواقعها على اثر حركة لطير بارح أو سانح. لقد تعرض القنصل " أبيوس كلوديوس بولشير " إلى هزيمة نكراء في الحرب البونية الأولى، وذلك بسبب انهيار معنويات الجيش. إذ حدث أن استشار القنصل " ابيوس كلوديوس " الطالع عندما أزمع على مهاجمة أسطول قرطاجة، فأخبره العراف بأن الدجاجة المقدسة رفضت الخروج من خمها، فأمره بأن تلقى في البحر. وحين سماع الجند بذلك، خارت عزائمهم وانهارات معنوياتهم. إن "بيثيا" الاغريقية تلك كانت محج كل من يهم بمشروع مستقبلي خطير، ولعلها هي التي اشارت إلى " أوريستيس " شقيق الكترا للانتقام من قتلة والده " أدجاممنون " (1).

لعبت الكهانة دوراً أساسياً في توجيه الحروب. وكان للعرافة DIVINATION والكهانة (AUGURES) سلطة في المجتمع القديم. واشتهر العرب أيضاً بهذا النوع من الاستكشافات المستقبلية، إذ غرق المجتمع العربي قبل الإسلام في أوحال من الاعتقادات التي يختلط فيها الموروث الجاهلي ببعض ما كانت تجود به قرائح الأحبار والرهبان الذين كانوا يشكلون التشكيلة اللاهوتية الرئيسية في جزيرة العرب التي عملت على شد الذهن العربي بأساطير رزحت بها كتبهم المحرفة، مع تكريس الطقوس السحرية التي يقوم بها كهنة الجزيرة العربية. وكانت "عبقرة" منطقة تكتظ بالجان، في العقيدة الجاهلية عند العرب، وهي مصدر كل النبوءات التي كانت تفيض بها بعض أشعار العرب و "المحدثون" منهم.

وظهرت عند العرب مذاهب أخرى في استكشاف الغيب، كالقيافة والزجر والتفاءل والتطير.. وبعض من هذه كانت من مختصات العرب دون غيرهم من سائر الأمم. وربما شاركتهم أمم أخرى في بعضها الآخر. كالطيرة والفأل.. وقد اعتبر "المسعودي" هذه، من مختصات العرب، وربما أخذها الافرنج وورثوها عن العرب. ولقد حللنا هذا الاشكال فيما تقدم من وجود الطيرة عند الأغارقة والروم، فلا مجال للاستكشاف. يقول المسعودي في مروج الذهب: (2)

"وهذه المعاني من خواص ما للعرب، وما تفردت به، دون سائر الأمم في الأغلب منها، وإن كانت الكهانة قد وجدت في غيرها، فإن القيافة والزجر والتفاؤل والتطير ليس لغيرها في الأغلب من الأمور، وليس هو موجوداً في سائر الأمم، كوجود ذلك الإفرنج وما جانسها من هنالك من الأمم، فيمكن أن يكون ذلك موروثاً عن العرب، ومأخوذاً منها في سالف الدهر (...) فنسب ذلك على الجنس الذي قطنت بينهم العرب (...) ويمكن أن يكون الله عز وجل خص بذلك أمماً غير العرب كما خص العرب به، إذ كان داخلاً في الإمكان، خارجاً من باب الممتنع (..) ".

ويذكر أن عبيد الراعي، وقف مع ركب بفيفاء قفر، يريدون استقصاء رجل من تميم، إذا بظباء سود تسنح منكرة، فاعترضت الركب، فأنكر ذلك عبيد الراعي فقال لصاحبه:

ألم تدر ما قال الضباء السـوانح-----أطفن أمام الركب رائح؟

فكر الذي لم يعرف الزجز منهم-----وأيقن قلبي أنهن نوائح (3)

بل أكثر من ذلك، أن كل قبيلة عربية كانت تنفرد بطقس من هذه الطقوس، كالكهانة عند اليمن والقيافة عند بني مدلج أو الزجر لنبي أسد.

والقيافة هي ضرب من العرافة، يمكن العراف من تشخيص وتتبع الآثار. فقد كانت بعض العرب تعرف طارقي بلادها من خلال آثار أقدامهم، كما تعرف سراق نخيلها بعد غيبة طويلة.

بل لقد بلغ بالقدماء أن برعوا في تفسير ظاهرة أهل المكاشفة والعرافة، فاعتبروها خاصية لبعض الأفراد، وبعضهم رآها خاصية إنسانية عامة تكتسب بالرياضة.

وعن الأولى يعلل المسعودي ظاهرة الكهانة واختصاص العرب بها انطلاقاً من خصوصيات جغرافية معزياً أسبابها إلى العوامل البيئية والطبيعية للانسان إذ يقول:

"الكهانة أصلها نفسي، لأنها لطيفة باقية ومقارنة لإعجاز باهرة، وهي تكون في العرب على الأكثر وفي غيرهم على وجه الندرة، لأنه يتولد على صفاء المزاج الطبيعي، وقوة مادة نور النفس، وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفة النفس وقمع شرها بكثرة الوحدة وإدمان التفرد وشدة الوحشة من الناس وقلة الانس بهم، وذلك أن النفس إذا هي تفردت، وإذا هي فكرت تعدت هطل عليها سحب العلم النفسي، فنظرت بالعين النورية ولحظت بالنور الثاقب، ومضت على الشريعة المستوية فأخبرت عن الأشياء على ما هي به وربما قويت النفس في الإنسان فأشرفت به على دراية الغائبات قبل ورودها " (4).

وبينما يعزو المسعودي والكثير من أمثاله هذه الظاهرة إلى هاتيك العوامل المادية، فإن البعض يعتبرها خاصية مشتركة بين الناس وتحصل عن طريق الاكتساب بالرياضة والتروض. إذ يعتقد أخصائيو ميدان المغيبات OCCULTISME أن ثمة حيثيات موضوعية تقع في متناول عموم البشر. وذلك عندما اعتبروا الإنسان مكون من ثلاث أجزاء هي:

- النفس (وهي متصلة بالعالم العلوي)

- الجسد الفيزيائي (ومجاله الطبيعة)

- الجسد النجمي أو الفلكي CORPS ASTRAL (*)

وعند الفناء، يتحول كل جسد من هذه الأجساد إلى مجاله الخاص به، إذ يتحلل الجسد الفيزيائي في مجاله الطبيعي، وتراود النفس مجالها الإلهي، في حين يرجع فيه الجسد النجمي CORPS – ASTRAL إلى مجاله السماوي. وأن تأثير الكواكب والنظام الكوني العام على الإنسان يتم من خلال الجسد النجمي. ويحدث أن يفارق هذا الجسد، الجسد الفيزيائي –في حالات خاصة كالنوم أو اليقظة أو بواسطة الرياضة أو– مجاله السماوي، وحيث ساد الاعتقاد عندهم بأن الأحداث المستقبلية تتخذ في هذا العالم صوراً و "كليشهات"، فإن إطلاع هذا الجسد عليها، وهو سبب إلهام الإنسان وقدرته التنبؤية.

وتقوم رياضة "اليوغا" YOUGA أساساً على تنمية المناطق التي يتداخل من خلالها الجسد الفيزيائي بالجسد النجمي، وهي خاصية مشتركة بين البشر، وفي تنميتها يحصل الإنسان على مقدرة هائلة في اختراق حجب المستقبل.

وهكذا غدا التنبؤ، ثقافة موضوعية، تقوم على أساس تنمية خاصيات متوفرة، ومشتركة وازدهرت النجامة أو علم التنجيم في العصور القديمة، وظل هو أقوى الطرق في استكشاف المستقبل. ولا يزال التنجيم طريقة معتمدة على مر العصور، بل لقد زادت قوة حتى القرن العشرين.

يقول بن خلدون في معرض حديثه عن صناعة النجوم: (5)

"هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوة الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية" (6)

وباتت هذه الصناعة علماً أقرب إلى الموضوعية من باقي الطرق التي راودت نشاطها في هذا القرن وأصبحت تشيد لها المدارس والمؤسسات في بلاد الغرب، وظل التنجيم رديفاً لكل الاكتشافات التي عرفها علم الفلك بدءاً من بطليموس في "المسجطي" ومروراً بأرجوزة الرازي المجددة للمسجطي، وانتهاء باكتشافات كوبرنك وغاليليو ونيوتن.

وأصبح بذلك التنجيم صناعة رائجة، لا تزال ترسم من خلالها سياسات الكثير من دول الغرب، وتعتبر مرجعاً للكثير من المجتمعات الراقية إلى التوقع، إذ غدت ثقافة جماهيرية في أوربا، بل وكل والعالم، لا تخلو منها دورية أو مجلة، ولم يعد التنجيم مقتصراً على الأحوال الشخصية، بقدر ما أصبح علماً ينبىء بما ستؤول إليه حياة المجتمعات والدول والنظم، كاشفاً عن وقائع المستقبل المتعلقة بأحوال البلاد والعباد وقيام الحروب والثورات. (7)

2- المستقبل في عين الحاضر (8)

يبدو للوهلة الأولى أن ما أطلق عليه الغرب علم المستقبل FUTUROLOGIE (9)، ما هي إلا محاولة واقعة في سياق بسط علموي على مختلف القطاعات المعرفية التي انشغل بها الذهن الإنساني. وحداثة في هذا العلم، ما هي في واقع الأمر سوى حداثة الإقتناع بهذا النوع من الاهتمام الذي ظل مرفوضاً لدى العقل الوضعاني الغربي، الذي طالما صنفه في خانة التفكير الوسطوي أو البدائي، الذي يند عن المقاربة والتجريبية، ويند عن مجال المعقولات. لقد ظلت ثقافة التوقع حليفة العقل البدائي الذي انقهر تحت حروب الطبيعة، مما حدى به إلى تفويت حلول الحاضر إلى المستقبل، معلقاً بديل –هذا المستقبل- على كائنات مستقبلية موهومة. ويمكننا القول، إن الإنسان الأوربي رغم الطفرة العقلانية والعلمية التي أحدثها في كل المجالات، بقي متشبثاً بطرق مختلفة لاكتشاف المستقبل. وكانت القطيعة بين نمطين من التعاطي مع المستقبل نمط القدماء ذي الطابع الشرقي ونمط الغرب المعاصر ذي الطابع الريادي والإحصائي. كانت هناك مرحلة انتقالية، أو نمط آخر استشكاف المستقبل، سيطرت عليه الروح الأفلاطونية، مما جعل المستقبل يأخذ في ذهن المفكرين، والفلاسفة الاوربيين طابع الحلم. فظهرت في القرن السادس عشر "اليوتوبيا" (10)، وكان توماس مور (1477 – 1535) أحد روادها الكبار الذين لعبوا دوراً كبيراً في الحركة الإنسانية في عصر النهضة، إذ كان الاعتقاد سائداً في أن المستقبل للعقل، وضمن تلك الآراء في كتابه الشهير "يوتوبيا"، التي كانت إحدى الوسائل والطرق في توقع عالم مستقبلي –غير موجود حاضراً– تكون العقلانية فيه أساساً، فيقول في كتابه:" وهم باختصار (أهل جزيرة يوتوبيا) يتمسكون قبل كل شيء بأنواع اللذة العقلية، التي يرون فيها أول جميع أنواع اللذات وأهمها، ويعتقدون أنه منها ينبع الجزء الأكبر من ممارسة الفضائل والإحساس بالحياة الصالحة" (11).

لقد أثر إلى حد كبير كل من مؤلفات افلاطون (الجمهورية الفاضلة) وأرسطو (السياسة) والفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة). في الكثير من الفلاسفة الاوربيين بدأ من العصر الوسيط إلى عصر النهضة الأوربية، واستمر إلى القرن السادس عشر والسابع عشر عند البعض –بل كما سوف نرى– قد امتد في ثوب جديد إلى بعض فلاسفة القرن العشرين.

لقد كتب كل من القديس أوغسطينوس "مدينة الله" وكامباينللا "مدينة الشمس" وتوماس مور "يوتوبيا"، متأثرين بمن سبقهم من الحالمين بمستقبل أفضل للانسانية. وكان ذلك نمط آخر من انماط التعاطي مع المستقبل، والذي يمتد إلى عصور متأخرة، إذ سوف نحده عند فلاسفة في القرن السابع عشر، والقرن التاسع عشر والعشرين.

إن الطابع الحالم، والمشبع بروح توقعية، كان موجوداً بدرجة كبيرة في أعمال "توماس هوبز"، خصوصاً فيما يخص فلسفته الاجتماعية. إذ لا مناص عنده من الاعتراف بسلطة ديكتاتروية مستبدة، واقعة خارج العقد الاجتماعي، لا تخضع للابرام ولا للنقض، كضمان لإرساء الأمن والسلم والاستقرار لمجتمع انساني غابوي الفطرة. ووضع عنواناً حالماً لهذا لحاكم وهو "لواياثان" أو التنين، وهو عنوان كتابه الرئيسي. وهذا الواقع أقرب إلى اليوتوبيا، وإن كان فيه شيء من التكريس للواقع الاستبدادي في عصر الملك شارل الثاني.

ونجد ذلك أيضاً مع نيتشه، في نظرية السوبرمان SUPERMAN، أو الرجل المتفوق والمستحق للبقاء، والحلم بواقع يسوده الأقوياء، وتموت فيه كل القيم الأخلاقية والنظم القانونية التي منشأها الضعف وإلهام الضعفاء. ونجد ذلك الطابع الحالم بقوة في عمله الأدبي الكبير "هكذا تكلم زرادشت" وقد كانت هذه الفلسفة النيتشوية أساساً للحكم الجرماني في نظرية المجال الحيوي عند الرايخ، وحروب هتلر النازية إن هذا الطابع الحالم للتنبؤ والتوقع سوف لن يكون إلا نمطاً متجاوزاً في ظاهره. لكنه سيظل رديفاً للعقل الأوربي، وسيأخذ طابعاً "علموياً" يعتمد التجربة والفيزياء والرياضيات أساساً له. وسيأخذ طابعاً تحليلياً يوهم الإنسان بعلميته..

لقد كان لأوجست كونت، مؤسس علم الاجتماع الفرنسي، دوراً كبيراً في تجديد العقل الأوربي، ونقله من طور الميتافيزقا إلى طور العلوم التجريبية. واعتبر الفترة الوضعية هي آخر مرحلة في التفكير الإنساني.

ومنذ ذلك العهد، بقي التنبؤ المستقبلي يعتمد التحليل العلمي، ويخفي طابعه الميتافيزيقي، وإن ظلت الميتافيزقا كامنة في ثناياه، متخفية بين طياته.

كان هدف التيار العلموي هو إلغاء كل ما يند عن التجريب، من حيز العلمية. وتكييف ما يمكن تكييفه مع التجربة والعقل الوضعاني. ومن هنا كان المستقبل هو أيضاً من بين تلك الحقول الكثيرة التي تعرضت لإختراق متعسف من قبل العقل الوضعاني، فأحالها إلى التحليل العلمي بعيداً عن فكرة القابلية النفسية والروحية التي تنتمي لها الحقبة المقبورة، حقبة القرون الوسطى والعصور القديمة، أو التصورات ذات الطابع الحالم عن المستقبل التي تقوم على الافتراضات والخيالات. ولأن السؤال العلمي في الطور الوضعاني يختص بالكشاف عن العلاقات بدل البحث في حقيقتها وأصلها، فإن المستقبل خرج بذلك أيضاً من الـ "لماذا؟" إلى حيز "الكيف"!

إن البحث في "الكيف" والعلاقات، يقتضي الكشف عن قوانين اجتماعية يتم من خلالها الكشف عن مسيرة الفعل الإنساني على امتداد الزمن.. وقبل أن ندخل في معالجة ما ستطرحه هذه المسألة من اشكاليات، سوف نعطي نظرة عن الطريقة التي أسفرت عنها مسيرة الفكر الوضعاني في تشكيلاته الأخيرة التي هي طريقة الإحصاء والريادة والاحتمالات.

- المستقبليات والبروسبيكتيف المعاصر:

بعد الحرب العالمية الثانية، أنطلقت شرارة البحث عن مجريات المستقبل. وكانت أول بادرة في ذلك قامت بها – RAND – (12) المتصلة بسلاح الجو الأمريكي. وكان القلق عن مستقبل القدرة العسكرية والعلمية للأمم المتحدة الأمريكية سبباً في تركيز الاهتمام على هذا القطاع الناشيء، الذي خصصت له ميزانية خيالية. وزاد في تغذية ذلك الشعور ما كان من تنافس وصراع بين الروس والأمريكان، فيما كان من الحرب الباردة بينهما. وهكذا أصبحت دراسات المستقبل في معظمها خاضعة للأغراض العسكرية.

وسرعان ما سرى القلق في باقي المجالات، ليدخل هم المستقبل إليها، ففي السياسة والاقتصاد والاجتماع.. كان ثمة هم مستقبلي يخيم على هذه المجالات الحيوية.

اعتمدت هذه البادرة، أسلوب المؤسسات والهيئات، وتخصصات دقيقة في الميدان الذي تخصه تلك الدراسات. غير أنه على الرغم مما عرفه هذا الميدان العلمي من طفرات تقدمية، عانى هو الآخر من أزمات صعبة. فالتحديث في طرائق النظر في أحوال المستقبل تعرض إلى نفس الأوزار التي رزحت بها حقول المعرفة في الاختراق العلموي الذي أحل عقيدة العلم –في صورته الوضعانية– محل العقائد التي كانت وعاء للنظر المستقبلي عند القدماء. وكان الجانب السياسي الايديولوجي قد دخل بقوة في صلب القضية، فغدت مهمة المستقبليات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة في خدمة الايديولوجيا الليبرالية، والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. PROSPECTIVE وظهر على المسرح السياسي مجموعة من المنظرين والمهتمين بالبروسبيكتيف، الذين استطاعوا انطلاقاً من معطيات دراسية، أن يتنبؤوا بسقوط الاتحاد السوفياتي بسبب بنيته الاقتصادية الهشة التي لن تساعده على مجاراة التحديات الغربية.

والدراسات المستقبلية في عصرنا الراهن، جاءت متأثرة بالطرق التي سارت عليها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، أي الطريقة التي تقوم على نظرية المباراة وهندسة الأنظمة والاستناد إلى البرمجة الكمبيوترية والعمليات الرياضية، وكذا المخابرات واستطلاعات الرأي... ولا شك في أن الدراسات المستقبلية في أمريكا هي أقوى من أي بلد آخر، نظراً لما توفره الدولة من ضروريات وشروط لقيام هذه الدراسات المهمة. ففي سنة 1970 بلغ عدد الهيئات المخصصة للدراسات المستقبلية 356 هيئة.

إن لهذا التطور الرهيب في بحث المستقبل دلالات خطيرة، تسفر عن الوجه القبيح للغايات الأمريكية، التي هي تحقيق التفوق والهيمنة على شعوب العالم قاطبة. إذ لا أجد ما يعبر بوضوح عن هذا الإمعان في إخضاع مجالات الحياة الاجتماعية طراً لنمط الدراسات المستقبلية، لا أجد قولاً أنفذ مضموناً وأعمق رؤية، مما قاله المفكر العربي "قسطنطين زريق":

"إن هذه المحاولات لتحري المستقبل في الولايات المتحدة وسواها من الدول الغربية المتقدمة، إنما هي محاولات برجوازية رأسمالية ترمي إلى "استعمار المستقبل" أو "الانتقال من استعمار الأرض إلى "استعمار الزمن" " (13).

نعم، لقد أصبح المستقبل مجالاً للبحث والدراسة، لا من قبل هذه الأنظمة المتقدمة، بل أيضاً من قبل الشركات المتعددة الجنسيات، التي تحاول الإحاطة بمستقبل شعوب العالم النامي، كطريقة لنهب ثرواته والسيطرة على اقتصاداتها.

وعرفت الظاهرة المستقبلاتية توسعاً، إذ دخلت العالم الثالث والشعوب النامية، وأصبحت تعتمدها في رسم خططها العسكرية والسياسية، وضبط نموها الاقتصادي والاجتماعي والعلمي. وبالذات في هذا القطاع الأخير (التنمية) ومن هذه الكوة، دخلت الاهتمامات بالمستقبل إلى العالم الثالث.

ولكنها تبقى دراسات متواضعة، إن لم نقل تعتريها نواقص كثيرة. ففي العالم العربي لم تتجاوز الدراسات المستقبلية 14 سنة، وهي دراسات تفتقر إلى أبسط الضروريات، بل الحصول على الوسائل المعقدة والدقيقة، هذا إلى أن الاهمال الكبير للأطر المهتمة إن لم نقل عزوف كامل عن مثل هذه الاهتمامات.

إن كانت المستقبليات في العالم المتقدم صناعياً وليدة نزوع للسيطرة. فإنها في العالم الثالث، وليدة يأس وقنوط، ولد مع الزمن ثقافة تبريرية، تتغيى التخفيف عن إنسان العالم الثالث المثقل بالقهر والجوع والحرمان... فتلك التوقعات كلها كاستجابة لطموح يراود إنسان العالم الثالث ويفشل في تحقيقه في واقعه السياسي والاجتماعي. لا أقول أن العالم الثالث يعيش قلق الخوف من المستقبل، ذلك لأن وضعيته الراهنة يستحيل معها تصور حالة أبشع مما هي عليه الآن.

إنه من لحظة اليأس يستنجد بمستقبل يحمل آماله وطموحه في أن يعيش ضرورياته الإنسانية. غير أن القلق الذي يستحوذ على العالم المتقدم صناعياً هو قلق الخوف على الحاضر، من أن يتلاشى مع مرور الزمن، لينفتح على مستقبل جديد تبرح فيه الوفرة عالم الغرب، لتعم الأرض طرا، أو لا تعمها. فهو قلق يترجمه العالم المتقدم (صناعياً) في التهيؤ لهذه الطوارىء المستقبلية الخطيرة على شكل توفير احتياطاته من الطاقة والعملة.

يعلمنا علم النفس بأن الأسباب، التي تجعل البخيل بخيلاً هو ذلك الاضطراب الذي يصيب الانسان في غريزة حب البقاء. ان "مالتوس" عندما أنذر مستقبل المجتمعات بخطورة انفجار سكاني يقضي على الانتاج المحدود، في ضوء توقع يقوم على ملاحظة وتيرة الانتاج بموازاة مع التطور السكاني –ذي المتوالية الهندسية– فإنما كان يخاطب تلك الغريزة. ان كل الاجراءات الاحتياطية والتدابير السياسية والاقتصادية التي يقوم بها الغرب اعتماداً على التقارير التي يتقدم بها خبراء "البروسبيكتيف" انما هي بدافع، وضغط ذلك الاضطراب الذي تتعرض له السيكولوجيا الغربية.

يبقى ان نعالج مشكلة الدراسات المستقبلية من وجهة النظر المعرفية، لتوضيح ما كنا قد أشرنا إليه من وجود بعض الاشكاليات التي يطرحها هذا التخصص على النظرية التاريخية، محاولين تسليط الأضواء على مجمل تلك الاشكاليات مع تكوين رؤية واضحة عن الدراسات المستقبلية من ناحية المفهوم لا المصداق.

النظرية التاريخية وامكانية التنبؤ:

تقوم النظرية المستقبلاتية على افتراض علمي، يجعل من التنبؤ أمراً ممكناً في العلوم الاجتماعية كما في العلوم الطبيعية. وهذه الفكرة تنبع في جوهرها من نظرية تاريخية تجعل من التاريخ مكمناً لوعي حقيقي للصيرورة الزمنية. ذلك الذي يجعل من الماضي مقدمة لمسيرة تطورية واحدة تمتد إلى الحاضر في انسياب متواصل باتجاه المستقبل. انها نظرية (الماضي/الحاضر، الماضي/المستقبل) ولكن لا بد من التوقف عند هذه القضية.

يبحث المؤرخ في أحداث الماضي، يحصي الوثائق، ينقب عن الأثر، يربط بين الشواهد... كل ذلك من أجل غاية نبيلة، هي الوقوف عند تفسير للظاهرة التاريخية. وانطلاقاً من الحاضر ومعطياته المختلفة، يعتمد المؤرخ على تأويل ما يند عن التفسير والايضاح المباشر. فالحاضر له اذن تأثير على التاريخ، ومدخلية ضرورية في الوعي بأحداث الماضي. ولكن لا بد من الاشارة إلى أن المؤرخ وهو يخوض غمار البحث التاريخي، يحمل هماً معيناً، ويشكل هذا الهم الحاضر للمؤرخ منشوراً محدداً وموزعاً لرؤية أحوال الماضي. فالحادثة التاريخية كما ينقلها المؤرخ، تختلف عن وقوعها في زمانها. انها تتحول في التاريخ إلى صورة متكاملة، بعد ان كانت هيكلاً عظمياً يصعب تمييز قسماته، واعطاءه الهوية اللائقة به. لقد قتل "غاليغولا" الناس، وقتل "معاوية" الناس وقتل "هولاكو" الناس... وبين هذه القتلات، هناك فروق شاسعة. والذي ساهم في خلق تلك الفروقات، هو المؤرخ، الذي طوع قتل معاوية، ليجعله شرعياً، وطوع قتل هولاكو، ليجعل منه جريمة تاريخية. الذي أضفى الهوية على الحدثين، هو المؤرخ! فتلك الأحداث، لا تظهر كما هي عليه في دائرتها التاريخية، وانما كما تحددها ذهنية المؤرخ وخبرته.

يعيش المؤرخ هم الحاضر، والحاضر في حقيقة الأمر، هو حضور خال من المعنى، انه اعتباري أكثر مما هو حقيقي. والحاضر ليس سوى تقاطع أشكالها على الحاضر، ان أزمة الحاضر، هي أزمة ماضي/مستقبل. ومن هنا فإن الحاضر الذي يحمل همه المؤرخ، ليس سوى قلق المستقبل الذي ينعكس على العملية التاريخية عند المؤرخين. يحاول المؤرخ جهده تفسير ماضيه، ليتسنى له انقاذ حاضره من المصير الذي يتهدده، أي المستقبل. فالكشف عن سر النشوء والتطور في الظاهرة يستقرىء من خلالها المؤرخ قوانين تصلح كآلة لفهم التاريخ وسير الظاهرة التاريخية. وما دام ان الظاهرة التاريخية ليست حبيسة الماضي، بل هي ملازمة لكل الأحداث التاريخية بالقوة، فهي تمتد إلى الحاضر ثم إلى المستقبل، ومن هنا كان الفضول يتشكل عند المؤرخ من حيث أن ضبط السنن التاريخية، وان كانت نفعيته قائمة ومتطلبة لدى الحاضر، غير أنها أقوى بالنسبة للمستقبل. ان المستقبل بغموضه، وصعوبة قراءته، يطرح تلك الأهمية على المؤرخ وقوانينه التي اكتشفها في معرض نظره في الوثائق والشواهد التاريخية.

هذا الرأي في الحقيقة ينطلق من موقف معين من المؤرخ، أي المؤرخ الذي تمثل الظاهرة التاريخية مسرح دراسته. أعني بأن المؤرخ هنا ليس بمعنى الاخباري الذي ينظر في الأحداث الماضية بذهنية إحصائية وجدولية، أي لصنع تاريخ أحداث ووقائع وأخبار. وإنما تاريخ ظاهرة، وبالتالي فإن الظاهرة التاريخية لا علاقة لها بالماضي، وان كان هذا الأخير أحد مسارحها الأساسية. وعلى هذا الأساس، أي السنن والقوانين التاريخية يقوم صرح المستقبليات الشامخ في الأبنية الاجتماعية.

ان قيام علم حقيقي للتوقع، يحب أن يقوم على أساس التاريخ، ولكن أي تاريخ؟ ان احتواء التاريخ من قبل الايديولوجيا الوضعانية يحوله إلى مصنع للتناقضات، حسب تناقض التجربة الضاغطة على الوقائع.

كان هذا مدخلاً ضرورياً لتناول احدى أهم مناشىء التنبؤ العلمي، وهي التاريخانية Histoicisme، وهي النظرية التي تعتبر علم الاجتماع جزءاً لا يتجزأ من علم التاريخ. وترى ان للتاريخ قوانين تتحكم بحركته، وتوجه تطوره بنوع من الضرورة والحتمية. وانه من خلال الاحاطة بهذه القوانين يمكننا التنبؤ بسير الأحداث في المستقبل. فالتاريخانية باختصار هي نظرية الماض/المستقبل.

في كتابه العرب والفكر التاريخي، يحدد "العروي" المقومات التي تحدد التاريخانية في أربعة نقاط:

1- ثبوت قوانين التطور التاريخي أو حتمية المراحل.

2- وحدة الاتجاه (الماضي، المستقبل).

3- امكانية اقتباس الثقافة (وحدة الجنس).

4- ايجابية دور المثقف والسياسي (الطفرة واقتصاد الزمان) (14)

ولا بد من التركيز على هذه النقاط، لأنها تكون أساس النظرية التاريخانية، ولأن فيها جانب يتسع لإمكانية التنبؤ، ومساحة لترصد المستقبل.

كيف يتداخل هذا المستقبل مع الماضي؟

يتضح ذلك من خلال فهمنا لطبيعة السنن والقوانين التاريخية. فهذه الأخيرة على الرغم من أنها تضارع في اضطرارها المنطقي الكثير من القوانين الطبيعية في المجال الفيزيائي. إلا أنها تتميز بالطبيعة الواعية لقوانينها. فالقانون الطبيعي في النظرية الميكانيكية مثلاً يقوم على ربط النتيجة بالمقدمة، بل وفي كل أشكال وأحوال الواقعات الفيزيائية، هناك ربط بين النتيجة والمقدمة على نحو علة ومعلول(15). والعلية والمعلولية في مجالها الفيزيقي هنا تأخذ طابعاً بسيطاً، تتحكم فيه النظرية الأرسطية البسيطة، من سبق العلة لمعلولها، وعدم تأخر هذا الأخير عنها في حالة تماميتها. ولكن ثمة شكل آخر من تلك العلية الارسطية، هي العلة الغائية. العلة التي تسبق معلولها ذهنياً لا واقعياً. وعلى ضوء هذه النظرية نوافق السيد باقر الصدر على ما ذهب إليه في تأمله للسنن التاريخية، من أنها – أولاً أقل قسم منها – يخضع لهذا النوع من العلية. وبناء عليه، تكون القوانين التاريخية، بخلاف القوانين الطبيعية الفيزيقية ذات بعد مستقبلي. وعليه فإن " المستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورة هذا النشاط من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شـروط ومواصفات (...) " (16).

ليست فقط القوانين التاريخية هي التي تنطوي على روح مستقبلي، بل حتى النبؤة التي لها علاقة بالمستقبل تبقى حليفة للتاريخ. ومن هنا إذا كانت القوانين التاريخية حسب مذهب باقر الصدر (ق.س) لها خلفية ومضمون مستقبلي، فإن النبؤة، وهي قضية مستقبلية لها أيضاً علاقة بالتاريخ، يقول كارل بوبر: "ومن الواضح ان هذه التنبؤات لا بد وان يكون لها هي أيضاً طابع تاريخي، من حيث إن اختيارها بواسطة التجربة، أي تحقيقها وتنفيذها، لا بد من أن يترك لمستقبل التاريخ"(17).

فهذا هو ما يميز الظاهرة التاريخية، أي الجانب المستقبلي المدخول في صميم أحداثها، وعلى هذا الضوء يمكننا القول ان التاريخانية استطاعت أن تحطم المفمهم الكلاسيكي للتاريخ الذي كان يحصر التاريخ في أحوال الماضي ووقائعة. لم يعد التاريخ، وعي الذاكرة بل أصبح وعياً للزمن منفصلاً عن أطره وتحقيباته. أصبح تاريخ الزمن، أي اضطراد الحضورات المتعاقبة، السائرة إلى الأمام.

التاريخانية والاشكال المطروح

هل ثمة ما يضمن للتاريخانية صدق نظريتها. هل ثمة فعلاً أحداثاً زمنية تسير ضمن قوانين مضطردة، وهل ثمة ما يضمن علمية ما ترمي إليه من الادعاء بامكانية التنبؤ بالمسيرة الزمانية؟

كما سبق وقلنا، أن الطابع الخيالي الحالم ما فتىء يراود باستمرار الفكر الأوربي، وواصل معه الطريق إلى القرن العشرين. ان افتراض سنناً وقوانين للتطور التاريخي، أعطى فرصة للكثير من الاتجاهات بأن تعلن قدرتها على تصور المستقبل. بل أبعد من ذلك بكثير –وهو حلم كل التاريخانيين– أن تتصور نهاية للتاريخ. لقد تبلور ذلك الاتجاه مع هيغل، عندما ادعى تلك القدرة على ضبط المستقبل وتحديد نهاية للتاريخ.

كما ذهب إلى نفس الادعاء ماركس. فنهاية التاريخ عند هيغل تتجلى في المجتمع الحر. وهي – أي نفس النهاية – عند ماركس تنتهي إلى شكل آخر من المجتمعات، ألا وهو مجتمع الشيوعية الكبرى، مجتمع اللاطبقة، واللادولة، والوفرة، وشيوعية وسائل الانتاج... ان نهاية التاريخ حسب رائد الجدلية المثالية تقف عند المجتمع الحر، المجتمع الذي عاصره هيغل بعد شيوع أنظمة جون لوك الليبرالية. والمقصود هنا، ان النموذج الذي يشكل نهاية تلك النظم الاجتماعية، هو الذي عناه من كون نهاية التاريخ تنتهي عند العهد الهيغلي. وذلك الحلم سوف يستمر طويلاً عندما اعتبر "فوكاياما" نهاية التاريخ عند المجتمع الحر الذي يقوم في روحه على النظرية التعاقدية لجون جاك روسو. ولعل هذا هو ما يوجه الذهنية الليبرالية خلال تاريخها، أي منذ عصر النهضة، لتوجيه المستقبل إلى هذه النهاية، وذلك لسبب بسيط، هو أن " فوكوياما" يمثل ثقافة البورجوازية الليبرالية التي تعيش مرحلتها الأخيرة. ان تبني النسق الاجتماعي "لجون لوك" أو "روسو"، ما هو إلا من قبيل الاعتقاد بنهاية للتاريخ ناجزة، في شكلها الهيغلي.

ان ماركس من جهته، عندما ادعى انه سوف يغير موقف الديالكتيك الهيغلي، كان أيضاً يقلب نهاية التاريخ، ونهاية التاريخ في النظرية الماركسية ما هي إلا بدايته. لكن في طور دياليكتيكي أكثر تكاملاً ورفاهية.

وعلى هذا، كان التاريخ يتباين في مسيرته من مجتمع إلى آخر. وذلك كله رهن بنمط الانتاج. فكل المجتمعات –حسب النظرية المادية التاريخية– آيلة حتماً إلى نهايتها الشيوعية، غير انها تتفاوت في سرعتها إليه. لأن ذلك لا يتحقق إلا ضمن شروط وقوانين تاريخية قاهرة. ولعل ذلك ما أثار الصراع بين ستالين وأعداءه ممن تحمس لتصدير الثورة. إذ ان تصديرها كان يعبر عن موقف مخالف للنظرية الماركسية القائمة أساساً على الايمان بقوانين صارمة للتاريخ. ان المجتمع لا يصير اشتراكياً إلا بالخضوع إلى قانون تاريخي، وليس بتبني الفكرة الشيوعية. وأنه ليس لهذا العمل سوى فائدة واحدة، هو محاولة رفع وعي الطبقة العاملة لاستيعاب دورها التاريخي. وعلى هذا الأساس، كان ستالين يمثل لسان حال النظرية الماركسية(18).

هذا هو الفهم الحقيقي للنظرية التاريخية الماركسية. ويزيدها وضوحاً "ألثوسير" Altusser عندما قال "في البدىء كانت البنية" أي لا مجال للتسريع أو التحكم بالقوانين التاريخية. مشكلة التاريخانيين اذن، هي في هذا الحلم، الذي يند عن المقاربة التجريبية. لأن التجربة هنا كما سبق من قول "بوبر" تبقى في أطار التعليق، على المستقبل، فالتجربة هنا لاحقة للحدث، وملازمة لتحقق النبؤة على أرض الواقع.

ان عدم تحقق النبؤة الماركسية حول قيام أول مجتمع اشتراكي بانكلترا، هو تلك التجربة التي أثبتها المستقبل وكان من الضروري أن تقدم برهاناً على خطأ التنبؤ التاريخي للماركسية، لا أقول التاريخي، الملازم للقانون التاريخي، وإنما أقصد الحلم الذي شيده المراكسة على تأمل موهوم للقوانين التاريخية. وليس استقرار انكلترا على النظام الحر، دليلاً على صدق النبؤة الهيغلي، ما دام المستقبل لا يزال ممتداً، وما زال التغير ممكناً !

القانون، الاتجاه، الارادة وأزمة النبؤة

ذهب الكثير من أنصار النظرية التاريخية إلى القول بوجود قوانين تاريخية صارمة، لا تترك للفاعلية الانسانية أي مجال لممارسة ارادتها. ولهذا الموقف من القوانين التاريخية تأثير غير مباشر على وقائع المستقبل. ذلك الذي تتحول إليه المجتمعات مرغمة، من دون ان تكون لها يد في صنعه أو الحؤول دون تحققه. وربما معرفة السنن هذه، لا يكفي لتغييرها. ولعل هذا هو الموقف الذي تقوم عليه التاريخانية الماركسية، إذ ذهب ماركس(19) إلى القول:

"إذا ما اكتشف مجتمع من المجتمعات قانونه الطبيعي الذي يعين حركته، فلن يمكنه ذلك من تخطي المراحل الطبيعية لتطوره أو حذفها من الوجود بجرة قلم. ولكن في استطاعته ان يفعل شيئاً واحداً: هو التقليل من آلام الوضع، والتقصير من حدتها".

ان التغيير في سير القوانين، أمر مستحيل في المنطق الماركسي. غير ان ماركس نفسه في مكان آخر يؤمن بدور الانسان في التغيير، لكنه تغيير يقع في خط تلك القوانين. أي تسريع الصيرورة باتجاهها الحتمي، يقول ماركس: " لقد وقف الفلاسفة حتى الآن عند تفسير العالم على أنحاء مختلفة ولكن المهم هو تغييره"(20).

ليس ثمة ما يبرر هذا التناقض سوى ما قلناه من حصر دور الارادة الانسانية في تسريع أو إعاقة سرعة الصيرورة التاريخية المحتومة. ان إمعان النظر في هذا النص الماركسي، يحيلنا إلى نفس التناقض الذي وقع فيه الهيغليون. ولعلها في التي كانت وراء انشقاق الهيغلية نفسها إلى يمين ويسار. وذلك عندما اعتقد هيغل أن "كل ما هو عقلي فهو واقعي، وكل ما هو واقعي فهو عقلي"(21).

ويبدو أن العبارة في شقها الأول تنفتح على الارادة في رسم الواقع طبقاً لما تراه عقلانياً، فالعقلي هو الذي يحدد – هنا – الواقعي، والعقلي يتحدد ويحدد على أساس الارادة. غير أن العبارة في شقها الآخر، تعطي الأولوية للواقعي. فالواقعي القائم ضمن قوانين الصيرورة التاريخية، هو العقلي، أي لا بد من التعامل معه كواقع عقلي ضروري. وهكذا تكون القوانين التاريخية قاهرة، وموجهة نحو المستقبل. ونحن هنا لا نريد جزافاً أن نستغل هذه العبارات المتضاربة في ابراز تناقض النظرية التاريخية عند الماركسية، ولكن أريد أن أوضح المفهوم الذي تهدف إليه هذه الأخيرة، وهو أن هذه السنن سائرة باتجاهها المحدد. ولا دور للارادة سوى في تحفيف الآلام.

أو بمعنى آخر، تسريع أو تأخير هذه المسيرة، ولعل بذل الجهد في استنهاض الطبقة العاملة وتوعيتها، واستخدام قوة العسكر والاقتصاد، الا من قبيل التسريع بهذا الاتجاه أو حفظه من العوائق المفتعلة. إن هناك إذن اتجاه واحد، وهذا الاتجاه مختلف من حيث درجة الحركة. كل المجتمعات تسير باتجاه واحد، هو الشيوعية المستقبلية الكبرى. غير أنه ليس كل المجتمعات على نفس الخطوات. هناك إذن، سبق من قبل بعضها، وتأخر من قبل البعض الآخر. وعلى هذا الأساس تقوم نظرية الطفرة وامكانيتها، أو اختصار الزمان على حد تعبير "العروي".

إن المستقبل في ضوء هذا التصور الماركسي لقوانين التاريخ، يبقى مختلفاً من حيث ظهوره وخفاءه. أقصد ما ذهب إليه "بوبر" من أن التجربة في التنبؤ معلقة على المستقبل. فهي إذن خفية من حيث تحققها، لكنها حسب التصور الذي استنتجناه من النظرية التاريخانية الماركسية هو أن المستقبل قد يظهر لبعض المجتمعات، ويتشكل في صورة حضور. في مقدمة الطبعة الانجليزية لكتاب رأس المال، يقول "كارل ماركس": " والدولة الأكثر تطوراً في الصناعة تكشف للدولة الأقل تطوراً عن صورة مستقبلها " فهذا المستقبل هو قضية ناجزة وحاضرة بالنسبة للمجتمعات التي تأخرت فيها الصيرورة التاريخية، وهكذا تظهر وتختفي صور المستقبل المقرر في التصور التاريخاني الماركسي.

يبقى أن نشير إلى نقطة أساسية سبق أن أشار إليها ماركس في النص السابق، من أن معرفة المجتمع بقوانين حركته لا تمكنه من تغييره. لنجتاز ما يروم إليه ماركس من معنى. مركزين فقط على العبارة الأولى "قوانين حركته"، أي أن ثمة قوانين خاصة بحركة كل مجتمع. حتى وهو يسير في نفس الاتجاه، وهذا جانب مشترك بين كل التاريخانيين، إذ يعتقدون بأن كل مجتمع يتوفر على نظم وتقاليد خاصة، وأنه لا مجال للتنبؤ بمستقبله، من دون فهم تلك التقاليد والنظم، السؤال الصميمي في هذا المبحث، هو ذلك الذي يتعلق بامكانية التنبؤ بالمستقبل وامكانية تغيير هذا المستقبل؟

إنه لا فائدة من وراء التنبؤ، إذا لم يفض إلى تجنب أخطاره. وهذا لن يتحقق إلا مع افتراض امكانية تغيير اتجاه السنن والقوانين التاريخية. وهذا ما عبر عنه "مل" بقوله: "إن المنهج الذي وضعناه الآن، هو المنهج الذي يجب علينا اتباعه في بحثنا، عن قوانين تقدم المجتمع، ومن الآن فصاعداً لن يساعدنا هذا المنهج فقط على أن ننفذ بأبصارنا إلى المستقبل البعيد لتاريخ الجنس الانساني، بل إنه سوف يعين لنا أيضاً الوسائل الصناعية التي يمكن استخدامها للإسراع بالتقدم الطبيعي".

إن القول بامكانية التحكم بالمستقبل بعد التنبؤ به يقتضي التسليم بطواعية هذه القوانين، لنكون بالتالي أمام شكلين من التنبؤات، يسميهما "بوبر" النبوءة/التنبؤ التكنولوجي. أي الكشف عن صور المستقبل من جهة، وتوفير الاستعدادت الصناعية للتكيف معه. إن التنبؤ بالاعصار ليس سوى نبوءة. والكشف عنها لا يفيد في منع الكوارث التي يمكن أن تنجم عنه. غير أن البحث عن طرق لمقاومته، عن طريق بناء بيوت مانعة من "الاسمنت المسلح" تبقى هي أيضاً نبوءة لكنها نبوءة تكنولوجية. على هذا الأساس وحده، يمكننا التحكم بالمستقبل ولكن هذا التنبؤ التكنولوجي هو أيضاً ليس له دور في تغيير المستقبل وتغيير مجراه باتجاه آخر.

والحق أن الخطأ الكبير الذي وقع فيه الكثير من هؤلاء، هو في عدم تفريقهم بين نوعين من القوانين التاريخية. واحدة قاهرة لا مجال لتحويلها. وأخرى قابلة للتطويع، غير أنها ذات اتجاه. السيد باقر الصدر في مقاربته القيمة للقوانين التاريخية، فرق بينهما، وسمى أحداهما قانوناً بينما جعل للأخرى صفة الاتجاه. وضرب لذلك أمثلة كافية. كما استطاع "بوبر" أيضاً التفريق بين القانون والاتجاه، غير أن تفريق هذا الأخير، لم يكن محرزاً حقيقة بحيث يجعل المتتبع للسنن التاريخية قادراً على ممارسة ذلك التمييز. ولكنه اقتصر فقط على تأكيد نوعين من تعاقب الحوادث "فقد حاولت اظهار أن الميول التي يتبينها التاريخانيون في تعاقب الحوادث الذي نسميه التاريخ، ليست قوانين، وإنما هي اتجاهات لا أكثر، وقد بينت لم كان الاتجاه، على عكس القانون، لا يصلح بوجه عام أن يكون أساساً للتنبؤات العلمية" (22)

فالاتجاه هنا، هو تعبير عن تلك القوانين التاريخية القابلة للتغيير. في حين أن القانون التاريخي هو شكل آخر يتميز بضرورته وحتميته، وليس فقط باضطراده.

وبناء على ذلك، ليس من اليسير على عالم الاجتماع أن يتنبأ بدقة عن المستقبل، ما دام عسيراً عليه تحديد القوانين الحقيقية التي يقوم عليها التنبؤ. أي القوانين الصارمة. كما ليس يسيراً عليه الاحتياط من المستقبل، ما دامت القوانين صارمة في اتجاهها ولا تقبل التغيير. وهنا يكون المأزق حقيقياً بالنسبة للتاريخانيين. إذ ليس الاحتياط من أحداث المستقبل من اختصاص المستقبل، وإنما هو في تغيير الحاضر. أي السلوك الاجتماعي الذي يقع عليه أو مقدمه للمستقبل. وهذا أمر يقتضي تغييراً اجتماعياً حقيقياً! فهل للنبوءة دور ايجابي في تغيير سلوك المجتمع؟

نعم، وهذا بالطبع هو ما يجعل النبوءة نفسها حدثاً تاريخياً، يمكنه التأثير على أحوال المستقبل. فما يجري الآن من تفاوضات بين الاقتصادات العملاقة في اطار الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية GATT، ليس إلا تأكيداً ومصداقاً لهذه الحقيقة النظرية. إذ ما ترومه الولايات المتحدة الأمريكية والكتلة الأوربية متمثلة في السوق الأوروبية المشتركة، ليس إلا محاولة للحؤول دون تحقيق ما رزحت به تقارير المستقبليين في الدول الغربية من حتمية تدهور الاقتصاد الأوروبي والأمريكي في مقابل تعملق الاقتصاد الياباني. وإن تكتلاً غربياً كبيراً وموحداً في مفاوضات "الجات"، ليس إلا محاولة في كسر العملاق الياباني في سياسته الاقتصادية القائمة على أساس الاكتفاء الذاتي وانغلاق أجل التأثير –ايجابياً وسلبياً– على مستقبل الاقتصاد العالمي.

ولا بد قبل ذلك من ايضاح الاشكالية أكثر. فالتمييز بين القانون والاتجاه، أي ما يصلح أن يكون أساساً للنبوءة وما لا يصلح أن يكون كذلك.. يجب أن لا يوقعنا في مشكلة نفي القانونية عن الاتجاه، ولا سلب الاتجاهية عن القانون. فالتفريق بينهما هو من جهة الاعتبار لا الواقع.

إننا نرتكب خطأ كبيراً عندما نعتقد على طريقة "بوبر" بأن القوانين شيء آخر –ربما مناقض– للاتجاه حتى وإن كان هذا الاعتقاد سليماً من ناحية محدودة واعتبارية.

ولكن يجب أن نؤكد على أن القوانين التاريخية لها اتجاه، حتى ولو لم تضعه لنا الحوادث المتعاقبة. إذ كثيراً ما يفاجئنا التاريخ بحالات فريدة من نوعها وانعطافات يصعب علينا تحديد علة وقوعها. غير أنها تبقى معلولة أبداً فالاتجاه صفة متماهية مع القانون. وهذا الأخير يساوقها هي والحتمية في آن معاً. ومن هنا يمكننا وصف القانون بأنه حتمية واتجاه.

فالمشكلة عند "بوبر" هي إذاً في بؤس النبوءة باعتبار أن الكشف عنها للناس قد يدفعهم إلى تغيير مسار واتجاه هذه النبوءة. وبهذا يحولون دون تحققها، وهو ما أسماه "بالأثر الأوديبي" نسبة إلى أوديب الأسطوري، ويعزو هذا إلى مبدأ آخر هو "اللاتعيين" وهو ضرب من التأثير يمارسه المتنبىء على النبوءة. أي أن عالم الاجتماع بإمكانه أن يساهم في احداث وقائع المستقبل أو الغاءها من خلال عملية التنبؤ. الشيء الذي يرفع صفه القهرية والقانونية الصارمة التي يقوم عليها بؤس النبؤة.

بالنتيجة تكون النبوءة استنتاج يقوم على قوانين، الانسان التاريخي مسؤول عن اتجاهها. وهو أيضاً قادر على تغيير هذا الاتجاه، بالتوسل بقوانين أخرى، تفرض اتجاهها على ذلك التاريخ.

نريد هنا القول بأنه يجب علينا الاشارة إلى أن التاريخانية عرفت طريقها إلى التعسف مع الاتجاه الماركسي. إذ لا قيام للمذهب التاريخاني من دون مناط "العلية" التي تقف منها الماركسية موقف الرفض المطلق، لقد بنت الماركسية التاريخانية نبؤاتها على مخطط غائي، يجعل الاتجاه يبدأ بالتناقض والصراع وينتهي بالتكامل، وإن النبوءة في الاتجاه النظري الماركسي تبحث عن غاياتها في صميم ايديولوجيتها.. يحل الترابط الكلي محل العلية، وهم هنا على الرغم من تسليمهم بالتاريخ، يلتقون مع "كارل بوبر" في التشكيك في العلية –في الساحة التاريخية– التي خصص لها هذا الأخير، حيزاً اثناء انتقاده للاستنباط العكسي عند "مل" وإن كان هذا الأخير –أي بوبر– لم يلغيها وإنما حدد وظيفتها التحليلية في دائرة "القوانين الكلية".

الخاتمة

كان همنا من هذه الدراسة، الخروج بموقف علمي تتأسس عليه قناعتنا بالأنماط القمينة بالاهتمام، نتمكن من خلالها الاقرار بإمكانية فعلية للتنبؤ في البنى الاجتماعية. غير أن الاشكالية امتدت لكي تعطينا يقيناً جديداً يتعلق بعدم القدرة على وضع جدول تفصيلي عن وقائع الغد. والسبب في ذلك كما رأينا من ذي قبل، راجع إلى اختلاط شكلين من القوانين التاريخية. الأولى ذات طابع قهري، والأخرى لا تعدو أن تكون "اتجاها" ليس إلا، والاتجاه على الرغم من كونه متماهياً مع القانون، إلا أنه لا يصلح أساساً للتنبؤ ما دام ممكناً تطويعه، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون المستقبل قابلاً للانكشاف في خطوطه العريضة، وصورته المجملة.. إن ما رامه ماركس من أن الدول الصناعية المتقدمة يمكنها أن تكشف للدول المتخلفة عن صور مستقبلها، هو مخص ادعاء، لا يحوز على أدنى دليل علمي.

كان يعني به صور مستقبل يقع في خط المراحل التاريخية كما هي في المادية التاريخية. وعليه فلا يعني أن وحدة الاتجاه ملازمة لتلك الأطوار التاريخية الماركسية. وإن كنا لا نسلم بأن اختلاف قوانين وحركات المجتمعات تفضي إلى مستقبلات عدة. فإننا نقر على الرغم من هذا التكثر، بأن وحدة الاتجاه تجري صوب عالم مستقبلي يستحيل مقاربته من خلال سنن تاريخية موهومة في التفكير الانساني المعاصر. ويبقى من الضروري تقييم هذا المعروض التاريخي الزاخر بأشكال مختلفة من اختراق المستقبل، أي طريق هو أصلح لضبط المستقبل وصنعه؟

ذلك المستقبل الذي مهما حاولنا استشرافه، لن نقع إلا على تكهنات جزئية ومضببة برواسب حاضرنا وهمومه. ولن نستطيع الامتناع عن ذلك المستقبل البعيد، الذي سوف يأتي بمفاجأت قد تنسخ كل الخيارات الموجودة من أجل خيار واحد، هو خيار المستقبل الذي تعود فيه الانسانية إلى فطرتها الأولى ونضجها الأخير(23). عالم حددته أحلام الفلاسفة والحكماء واليوتوبيين، لكنه عالم لا شك متحقق وان بصورة من الصور.

وليست اليوتوبيا نمطاً خرافياً مفلساً من العلمية. بل هي حلم يقوم على قيم طالما غيبها الانسان وأقصاها من حياته فهي ضرورة لا بد منها لتصور غد مشرق بكل ما تحتاج إليه الانسانية من كمالات مفقودة في حاضرها الجهنمي.

إي أن اليوتوبيا ما هي في حقيقة الأمر سوى مرآة تعكس الوجه البشع لحضارة تغيب عنها القيم الانسانية، وهي بالتالي دعوة ضمنية لمستقبل أفضل و "منمنمة" فارهة تعكس اللون الحضاري الأليق بالانسان، وبذلك تصبح "اليوتوبيا" تنبؤاً بالواقع وتعطي مؤشرات عن الانطلاقات الممكنة تخصب الحاضر فتمكن من المساهمة في تهييء المستقبل (...) (24).

* نشر في مجلة الكلمة، ربيع 1994/1414

...................................
هوامش
* باحث ومندوب مجلة " الكلمة " في المغرب.
(1) الأساطير اليونانية مدخل إلى علم الحضارة.
(2) مروج الذهب، ص 168 المجلد الثاني، دار المعرفة، بيروت.
(3) نقل المسعودي عن معمر بن المثنى: " وهذا من غريب الزجز، وذلك أن السانح مرجو عند العرب والبارح: هو المخوف، وأظن عبيداً إنما رجز الضباء في حالة رجوعها، ووصف الحال الأول في شعره، كما أن في شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضح عنها، فهذا وجه زجر عبيد الراعي في شعره.
(4) مروج الذهب، المجلد الثاني، ص 175.
(*) OCCUITISME COLLECTION DIRIGEES PAR CHARIES – HENRI FAVROD/ENCYCLOPEDIE DUMONDE ACTUEL
(5) المقدمة، الفصل الخامس والعشرون، ص 574، دار الجيل، بيروت.
(6) أقول،لا يمكن الحسم في هذا الموضوع من وجهة النظر الاسلامية، أقصد من ذلك جعل بن خلدون ذلك تحت عنوان: في ابطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها، ذلك بأن هذه الصناعة مما ازدهر بشكل كبير في العصور الاسلامية المختلفة من قبل علماء كبار كالرازي، وفقهاء أصوليين " كالشافعي " لقد حارب النبي (ص) والأئمة، كحديث الامام الصادق – الذي ذكره ش. يوسف البحراني في كشكوله " كنا نعرف أعدائنا بالتنجيم ". ولقد أفرد كل من المجلسي في بحاره والطباطبائي في ميزانه ويوسف البحراني في كشكوله ما يكفي لاشفاء الغليل في هذا المقام.
(7) بواسطة التنجيم، والاستنتاج الدقيق من النصوص العهد القديم، استطاع نوستر اداموس تقديم 1000 نبوءة، تحقق منها الكثير.
(8) لقد فضلت عدم التطرق إلى النبوءة في الأديان الثلاث الكبرى، تجنباً للأطناب وابتغاء للغاية المقصودة من هذه الدراسة، وهي المناقشة النظرية لامكانية التنبؤ الاجتماعي، بعد سرد هذه الصور والأشكال. أما ما يخص النبوءة الدينية، فإننا أرجأنا الحديث عنها، لأن ذلك يخص النبوءة في المنظور الاستراتيجي البعيد، ونحن هنا نكتفي بنوع آخر من التنبؤ، ذلك الذي يقوم على القوانين لا المعجزات.
(9) أول من أطلق اسم FUTROLOGIE هو الألماني " OSSIP FLECH THEIME ".
(10) اليوتوبيا معناها " اللامكان "، وهي بذلك تعني أن المجتمع الفاضل المنشود لا وجود له في الواقع.
(11) يوتوبيا: طوماس مور، ص 183، ترجمة وتقديم د. انجيل بطرس سمعان، الطبعة الثانية، 1987 الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(12) RESEARCH AND DEVELOPMENT RAND: = البحث والانماء.
(13) قسنطين زريق: نحن والمستقبل، ص 98، ط2، 1980، دار العلم للملايين، بيروت.
(14) العرب والفكر التاريخي/ عبدالله العروي، ص 206، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب.
(15) طبعاً هناك اشكالية يثيرها المناطقة التجريبيون حول مفهوم العلية والمعلولية، أو بتعبير آخر مفهوم السببية في مجال الظواهر الطبيعية ذلك بأن الاضطراد في الظواهر والأحداث الفيزيقية لا يترتب عليه ثبوت القول بالسببية. إن حدوث "ب" بعد حصول " أ " حتى ولو توقف "ب" وجوداً بالضرورة على " أ " فإن " أ " لا يعني كونه سبباً في ايجاد "ب" هناك فقط رابطة منطقية بينهما، وليس سببية، وبالتالي فرغم الاضطراد المتواصل بين " أ " و "ب" فإن تأخر "ب" عن " أ " ليس مستحيلاً في ضوء هذا التقييم، لأنها لا تخضع لقانون العلية الذي يفرض عدم تأخر المعلول عن علته التامة.
(16) المدرسة القرآنية، ص 91/ دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط2، 1401هـ - 1981م.
(17) بؤس الايديولوجيا، ص53 – ترجمة عبدالحميد صبرة، دار الساقي.
(18) راجع دراستنا عن " القبول واللامقبول في " أصوليات " روجيه غارودي، في مجلة البصائر، عدد (10) السنة الخامسة ربيع 1423هـ/1993م.
(19) مقدمة كتاب "رأس المال"
(20) ذكره ماركس في " اقوال في فويرباخ "
(21) الدفاتر اللينينية، تعريب وتعليق إلياس مرقص، ص 197 المجلد الأول، دار الحقيقة، بيروت، ط2، 1983م.
(22) بوبر/بؤس الايديولوجيا، ص 128.
(23) النضج هنا أقصد بن النضج العقلي الذي يتجلى في درجة التفوق الذي حققه الانسان المعاصر على الطبيعة، لا على السلوك الذي يعيشه الانسان الاوروبي باسم العقلانية، لقد اعتبر " الجابري" في احدى لقاءاته يوماً ان ما يعانيه الغرب من تفسخ انما هو من جراء تضخم في العقلانية، وهو تقييم ساذج جداً، يعكس عقدة استلاب تجاه الغرب وتحديده للعقلانية، وخلط تعسفي للعقل العلمي والسلوك الأخلاقي!.
(24) " عالم الغد: العالم الثالث يتهم (مدخل إلى الغدية) ص 105/عبدالعزيز الحبابي: ترجمة د. فاطمة الجامعي الحبابي، مركز دراسات الوحدة العربية.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1