بقلم: زكي الميلاد
- 1 -
أدب الكتابة حول فكرة الحضارة

في المجال العربي المعاصر هناك محاولتان تتفرد الاهتمام بأدب الكتابة حول فكرة الحضارة، هما محاولة الباحث السوري أستاذ التاريخ الدكتور قسطنطين زريق (1909-2000م) في كتابه (في معركة الحضارة.. دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري)، الصادر سنة 1964م، ومحاولة الباحث المصري أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور حسين مؤنس (1329-1416هـ/ 1911-1996م) في كتابه (الحضارة.. دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها)، الصادر سنة 1978م.

وبحسب هاتين المحاولتين فإن هذا النمط من الأدب، يمثل شأنًا جديدًا على مستوى اللغة العربية لم يكن مطروقًا من قبل بهذا النحو، فالدكتور قسطنطين زريق قدّم محاولته على أنها من أولى المحاولات والجولات في اللغة العربية، ومن جهته اعتبر الدكتور حسين مؤنس أن التأليف في موضوع الحضارة على النحو الذي سلكه في كتابه، هو أمر جديد لا في اللغة العربية وحدها بل في سائر اللغات.

الأمر الذي يعني أن الالتفات لهذا الأدب -حسب تصور الدكتور زريق- قد تأخر إلى ستينات القرن العشرين مع محاولته التي يؤرخ لها على أنها من أولى المحاولات في النطاق العربي، التأخر الذي لم يتوقف عنده زريق فحصًا وتفسيرًا، ولعله في وقته ما كان يرى القضية بهذا المنظور، فالتأخر الذي نراه نحن اليوم في منظورنا، ربما لم يكن تأخرًا عند الدكتور زريق آنذاك.

وأما عند الدكتور مؤنس فإن هذا الأمر -على ما يبدو- لم يكن فيه تأخر، ما دام يرى أن التأليف في هذا الموضوع يعد أمرًا جديدًا ليس في اللغة العربية فحسب بل في سائر اللغات، ولا أدري إن كان هذا الجزم بالنسبة لسائر اللغات في مكانه أم لا! لكني أظن أن هذا الإطلاق الذي لا حد له ليس محبذا؛ لأن من السهولة نقضه، أو لا أقل بالإمكان مجادلته ومحاججته عند أصحاب اللغات الأخرى، أو بعضهم على أقل تقدير.

وما يدعوني للتنبيه بهذه الملاحظة، أن كتاب الدكتور زريق الذي نشر قبل كتاب الدكتور مؤنس بما يزيد على عقد من الزمان، لم يأتِ مؤنس على ذكره قط مع أنه من أكثر المؤلفات العربية تشبُّهًا بكتابه من جهات عدة، الأمر الذي يفسر على أحد وجهين، إما جهلًا به وإما تجاهلًا.

والحمل على هذين الوجهين ناشئ عمَّا ذكره مؤنس عن نفسه ومطالعاته في الموضوع، وحسب قوله فإنه لكي يكتب كتابه قرأ عشرات الكتب ليس بينها إلَّا اثنان أو ثلاثة في موضوع الحضارة نصًّا، أما البقية فهي في التاريخ والفلسفة والاجتماع والأدب والجغرافيا والعلوم وما إلى ذلك[1].

فإذا كان مؤنس على علم بكتاب زريق ولم يأتِ على ذكره فهذه ملاحظة تسجل عليه في مكانها، وإذا لم يكن على علم به وهو باللغة العربية، فإن الجزم الذي أطلقه بالنسبة لسائر اللغات لم يكن في محله قطعًا.

هاتان المحاولتان اللتان عدَّهما مؤلفاهما على أنهما من المحاولات الأولى عربيًّا في مجال دراسة فكرة الحضارة، مع ذلك فإنهما لم يلفتا الانتباه كثيرًا لا في وقتهما ولا بعده، وحتى هذه اللحظة بدرجة ما، وأظن أن هذا ما يعرفه المشتغلون بحقل الدراسات الحضارية، وما سيعرفه كذلك كل من يتتبع فكرة الحضارة وتطورها في المجال العربي.

ويمكن التثبّت من هذه الملاحظة بالنسبة لكتاب الدكتور زريق بقرائن عدة، منها أن الكتاب إلى الطبعة الرابعة الصادرة سنة 1981م، لم يضف إليها المؤلف كتابة مقدمات جديدة كما جرت العادة في سيرة الكتّاب والمؤلفين، إلَّا أن تكون هذه العادة ليست عادة عند زريق مع مؤلفاته، وكتابة المقدمات الجديدة تأتي دائمًا بقصد شرح سياقات تطور حال الكتاب، وكيف جرى استقباله، ومدى صداه وما تركه من أثر.

ومن القرائن كذلك، ما أشرت إليه من قبل بشأن الدكتور مؤنس الذي كان يفترض منه أن يجد في كتاب الدكتور زريق أكثر كتاب باللغة العربية قربًا إلى كتابه، بل ويعدّه توأمًا لكتابه، مع ذلك لم يأتِ على ذكره أبدًا، بدل أن يكون أول من يلتفت له، وأسبق من يعتني به، وأبصر من يرجع إليه، فإذا كان هذا هو حال صاحب كتاب الحضارة، فلا عتب على الآخرين من جهة عدم الالتفات لكتاب زريق.

يضاف إلى هذا القرائن، أن بعض الذين كتبوا ونشروا مقالات حول زريق بعد وفاته، وجدت أنهم لفتوا الانتباه إلى بعض مؤلفاته ولم يكن من بينها كتاب الحضارة، واعتبروا أن الأشهر من مؤلفاته ثلاثة هي: (معنى النكبة) الصادر سنة 1949م لكونه يتصل بحدث كان جارحًا وبعمق للكرامة، الثاني كتاب (نحن والتاريخ) الصادر سنة 1959م، لكونه الكتاب الذي عدّه زريق أحد أهم كتبه، والثالث كتاب (ما العمل؟) الصادر سنة 1998م لكونه من آخر مؤلفاته، وأودع فيه صاحبه خلاصة رؤيته.

ويتمم هذه القرائن، أن الذين كتبوا في موضوع الحضارة والحضارات من العرب المعاصرين، رجعوا إلى كتاب زريق ونقلوا عنه بعض النصوص، لكن من دون أن يميزوا الكتاب بشيء، ولا أن يلتفتوا إلى لحظته التاريخية الفارقة، وأنه يعدّ من أولى المحاولات والجولات في اللغة العربية حسب قول زريق نفسه، وحتى النصوص التي اقتبسوها كانت ضئيلة من ناحية الكم، وغير مميزة من ناحية النوع.

هذا الحال الذي يصدق على كتاب زريق، فإنه يصدق وبصورة أشد على كتاب مؤنس، الذي لم يأخذ حقه في التواصل والمتابعة.

والعامل المؤثر والمشترك في عدم الالتفات المميز لهاتين المحاولتين، يرجع إلى ضعف الاهتمام بحقل الدراسات الحضارية في المجال العربي، الحقل الذي يُعنى بالحضارة والحضارات فكرة وتاريخًا، فقد بقي هذا الحقل متراجعًا، ولم يشهد تقدّمًا وازدهارًا من النواحي كافة: المنهجية والمعرفية، الفكرية والتاريخية، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى المراكز، ولا على مستوى الجامعات.

ولم يظهر عندنا من يُعرفون بخبراء الحضارة والحضارات، ولم نشهد في ساحتنا صدور أعمال كبيرة على وزن موسوعة (قصة الحضارة) للباحث الأمريكي ويل ديورانت (1885-1981)، أو موسوعة (تاريخ الحضارات العام) التي أشرف عليها الباحث الفرنسي موريس كروزيه، وبتأثير هذا التراجع والانكماش لحقل الدراسات الحضارية يتقلص الالتفات للكتابات والأعمال التي تُعنى بدراسة فكرة الحضارة والحضارات.

من جانب آخر، لم أجد حين نظرت في هذا الموضوع كتابات ودراسات حاولت الربط بين محاولتي زريق ومؤنس والمقارنة بينهما، بوصفهما من أولى المحاولات، أو من المحاولات الجديدة في دراسة فكرة الحضارة في المجال العربي.

والقدر الذي وجدته يعدّ ضئيلًا ومقتضبًا، وجاء عابرًا من جهة السياق، وتمثل في إشارات متفرقة ومكررة تطرق لها الدكتور رضوان السيد مرات عدة في كتابه (الصراع على الإسلام)، وتضمنت هذه الإشارات لمحات توصيفية ولمحات تقويمية.

في جهة التوصيف ميّز الدكتور رضوان السيد تلكما المحاولتين وعدّهما دراستين بارزتين ما بين حقبتي ستينات وسبعينات القرن العشرين، وحسب قوله: «أما في الستينيات والسبعينيات، وفي نطاق الرؤى الشاملة، فهناك دراستان بارزتان لمسألة الحضارة والعلاقات بين الحضارات، ووجوه الصراع والتفاعل فيما بينها، أولى الدراستين للدكتور قسطنطين زريق وهي بعنوان (في معركة الحضارة...) وثانيتهما للدكتور حسين مؤنس بعنوان «الحضارة...)».

ومن جهة التقويم رأى الدكتور السيد «أن الدراستين تستلهمان قراءة أرنولد توينبي لظهور الحضارات وانقضائها، وعناصرها التكوينية، والعلاقات فيما بينها. وفيما عدا الفصل الأخير من كتاب زريق، فإن الدراستين لا تقدمان رؤية لموقع العرب في العالم اليوم، ولا لعلائقهم بالحضارة الغربية، ولا يبدو أن الأستاذين الدارسين يريان لأمتنا مكانًا خارج الحضارة الغربية العالمية، لكن قسطنطين زريق يستعين بالأنثروبولوجيا لتعيين ما فات توينبي من تحديدات، أما حسين مؤنس فيستعين بالمؤرخين، وذوي الرؤى الحضارية من بينهم على الخصوص»[2].

سنفتح لاحقًا هامش الملاحظة والنقد، وقبل الوصول إلى هذه الخطوة نحتاج إلى تكوين المعرفة وصفًا وبيانًا وتحليلًا بكلتا المحاولتين وبحسب تعاقبهما الزمني.

- 2 -
زريق.. ومعركة الحضارة

لفتة مهمة من الدكتور زريق حين تنبّه لموضوع الحضارة الذي وصفه بالموضوع الجليل، وصدور كتابه في وقته سنة 1964م جعله مميزًا ولافتًا من هذه الجهة، ومثّل حدثًا بات يؤرخ له لمن يتتبع تاريخ تطور فكرة الحضارة في المجال الفكري العربي المعاصر، وذلك بوصفه من المؤلفات المبكرة أو حسب قول صاحبه: من المحاولات الأولى في اللغة العربية.

يظهر على الكتاب أن مؤلفه صنّفه بتأنٍّ وتروٍّ، وأخذ راحته في الكتابة، ودوّنه برغبة، وبسط الحديث فيه، واتّسم ببيان واضح ورصين ومتماسك، وجاء شاملًا ومستوعبًا للموضوع الذي استأثر -حسب قول الدكتور زريق- بجزء وافر من قراءاته وتأملاته، ولازمت قضيته تفكيره في تلك الفترة نتيجة اعتقاد ظل يزداد في نفسه تمكُّنًا، واعتبار أن قضية الحضارة هي القضية الكبرى في عصره، بل وفي كل عصر، وأنها الحيّز الذي تنبثق منه وتنتظم فيه مختلف القضايا القومية والإنسانية[3].

ومن البداية أوضح زريق الغاية من دراسة هذا الموضوع، ملتفتًا فيه إلى الجانب النظري والمعرفي المتعلق بعملية بناء المفهوم، وإلى الجانب الموضوعي والزمني المتعلق بإدراك اللحظة التاريخية من خلال وعي عنصري المكان والزمان ومآلاتهما المستقبلية.

وعن هذه الغاية التي سطر بها زريق مفتتح الفصل الأول من كتابه، أوضحها قائلًا: غايتنا من هذه الدراسة هي استجلاء مفهوم الحضارة، ومحاولة إدراك جوهرها ومقوماتها والتغيرات التي تطرأ عليها، وتبيُّن الأثر الذي يحدثه هذا الإدراك وهذا الاستجلاء في سعينا الحاضر، وفي وعينا لماضينا وإعدادنا لمستقبلنا.

واعتبر زريق أن مفهوم الحضارة من المفاهيم الأساسية التي من الضروري في نظره استجلاؤها في ذلك الوقت الذي وصفه بالحاسم من تاريخنا وتاريخ البشرية، وتأكد هذا الأمر عنده مع ما كان يتراءى له في زمنه من أن لفظ الحضارة لا يدور على الألسنة، ولا يثير في النفوس مثل ما تدور وتثير آنذاك ألفاظ أخرى مثل: القومية والتحرر والاستعمار والاشتراكية والديمقراطية وأمثالها، مع اعتقاده بأن هذه المفاهيم كلها مرتبطة بمفهوم الحضارة، ولا تدرك حق الإدراك إلَّا من خلاله.

الأمر الذي يقتضي في نظر زريق أن ينزل مفهوم الحضارة منزلته الحقيقية، ويوضع في المركز المتوسط الذي منه تنبثق وإليه تعود أكثر المعاني التي يجري تقصّيها آنذاك، أو التي تقصّتها البشرية في مختلف الأمكنة والأزمان[4].

ومن جهة الاستعمال، يرى زريق أن لفظ الحضارة يستعمل لأداء معنيين مختلفين قلَّما يُميَّز بينهما، المعنى الأول يطلق عليه زريق المعنى الوصفي، ويقصد به مجموع الحياة التي يحياها شعب واحد أو شعوب عدة، بما تضم من نظم في الحكم، وسبل في تحصيل المعاش، وعلاقات اجتماعية، ومعرفة نظرية وعملية، وقواعد سلوكية وسواها من المقومات التي تتمثَّل بها تلك الحياة.

وجوهر هذا المعنى في نظر زريق هو الوحدة التي تسري في هذه المقومات جميعًا وتربطها بعضها ببعض، فإذا ذكر مثلًا نظام الإقطاع في أوروبا الوسيطة، أو دين الإغريق، أو الخلافة في الإسلام، كان كل منها بهذا المعنى، مظهرًا لحضارة معيّنة تؤلف مختلف مظاهرها وحدة شاملة.

المعنى الثاني ويطلق عليه زريق المعنى التقييمي، ويقصد به الجانب الذي يتّجه إلى القيم التي تتضمنها الحضارات وتتميز بها، أو القيم التي على أساسها تقارن وتقابل حضارة وأخرى، أو القيم التي على ضوئها يمكن الحكم على الدور الذي تمر به إحدى الحضارات، وبهذا المعنى يتبين القول عن حضارة ما، هل هي في تقدم أو انحطاط، في ازدهار أو ذبول[5].

أما ما يقصده زريق من مفهوم الحضارة، والذي تدور عليه دراسته، فأول ما يود التنبيه عليه أنه لا يريد بالحضارة المعنى الاصطلاحي الذي يبغيه بعض علماء الاجتماع أو الأنثروبولوجيا من لفظة culture أي جماع حياة مجتمع من المجتمعات بدائيًّا كان أو متقدمًا، وإنما يعني به نمطًا من الحياة يتميز بحظوظ وألوان من التقدم والرقي.

وهذا المعنى -في تصور زريق- إنما يعبّر عن المفهوم التقليدي للحضارة، وهنا لاحظ زريق أن هناك دلالتين لكلمة الحضارة كثيرًا ما تختلطان وتضطربان في الأذهان، فيحسن في نظره التمييز بينهما، وهما:

الدلالة الأولى: وتشير إلى الحالة التي يتصف بها المجتمع المتقدم الراقي، والناتجة عن إنجازاته وإبداعاته في الميادين المختلفة، وبهذا المعنى لا تطلق لفظة الحضارة إلَّا بالمفرد، كما تطلق ألفاظ البداوة والتوحش والرقي وأمثالها.

الدلالة الثانية: وتشير إلى الحديث عن الحضارات البشرية التي تتابعت على مسرح التاريخ، كالحضارة المصرية أو اليونانية أو العربية أو الغربية، وبهذا المعنى تستعمل لفظة الحضارة بالمفرد أو الجمع حسب المقتضى.

وبشأن دراسته يرى زريق أنها ستدور على الحضارة بهذين المعنيين، وسيحاول أحيانًا التمييز بينهما بإطلاق كلمة التحضر على المعنى الأول، ويراد به الإشارة إلى الحالة والوضع والصفة، وإطلاق كلمة الحضارة على المعنى الثاني، ويراد به الإشارة إلى الوحدات الحضارية التاريخية[6].

إلى جانب ذلك استعمل زريق تسمية علم الحضارة، لكنه أشار إليه بصور متعددة، تارة بصورة العلم الذي لم ينشأ، وتارة بصورة العلم الذي لا يزال في طور النشوء والتكوّن، وتارة بصورة العلم الذي نبغيه بوجه خاص.

عن الصورة الأولى، وعند حديثه عن طريقة تفسير ظاهرة التغير الحضاري والتبدل التاريخي، وهل هي تعبر عن سنن ظاهرة أم هي مجرد أحداث تتابع وتتشابه وتختلف، هذه القضية اعتبرها زريق من أكثر القضايا التأريخية غموضًا، ومن أشدها تعقّدًا، بل إنها في نظره تبلغ من الغموض والتعقد أبعد الحدود، وأننا لا نملك من الاطلاع التأريخي أو من المعرفة السسيولوجية ما يمكّننا من البت فيها، وهنا يقترب زريق من الإشارة إلى علم الحضارة قائلًا: «وإنا نرى أنه ليس بين أيدينا بعد، العلم المطلوب في هذا الميدان –علم الحضارة- الذي يأخذ على عاتقه تنسيق المعلومات المتصلة بالحضارة، والمستمدة من التاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة، وربطها واستخراج مبادئها وقواعدها، فيتيح لنا أن نتخذ في هذا الموضوع الواسع المتشابك مواقف يقينية ثابتة»[7].

الصورة الثانية، وعند حديثه عن العلوم وما فيها من يسر وصعوبة بحسب الظواهر التي تعالجها، يرى زريق أن العلوم التي تعالج الإنسان الفرد كعلم النفس تكون أيسر من التي تهتم بالمجتمع، والعلوم التي تهتم بالمجتمع منها ما يتناول مظهرًا واحدًا أو مظاهر محدودة من النشاط الاجتماعي كعلوم الاقتصاد والسياسة والتربية، فتكون أقل صعوبة من علم الاجتماع الذي يتناول الحياة الاجتماعية بكاملها، وهنا يصل زريق إلى علم الحضارة ويدرجه ضمن العلوم التي تتناول الحياة الاجتماعية بكاملها، ويسميه علم الحضارة ويعرفه: بالعلم الذي يقصد منه أن يتوجّه إلى هذه الحياة بدلالاتها الحضارية، فلا يكتفي بمظاهرها وأشكالها الخارجية، بل يسعى إلى النفاذ إلى معانيها وأسرارها وروحها»[8].

ولا شك -في نظر زريق- أن هذا العلم الذي يتصدى لأوسع الأحداث الإنسانية، وأمنعها على الضبط والتحديد، ويعني بها الحضارات، فهذا العلم عنده هو من أعسر العلوم وأبعدها منالًا، فلا عجب أن يجيء بطيئًا متعثرًا، وأنه لا يزال في طور النشوء والتكوّن، ويقصد به علم الحضارات.

والصور الثالثة تتصل بالسياقات السابقة نفسها، لكن الذي اختلف هذه المرة أن زريق أشار إلى علم الحضارة بصفة العلم الذي نبغيه بوجه خاص.

ومن جهة المنهج، أوضح زريق أنه تقصَّد ألَّا تكون معالجته لقضية الحضارة معالجة مجردة، وألَّا يتبع الأسلوب السوسيولوجي والأنثروبولوجي الذي يكتفي بالوصف والتحليل والتعليل ويتجنب التقييم والتطبيق، وعمد إلى هذا المنهج بدافع من الواقع، وبحرص منه على أن يسير أغواره، ويستخرج فضائله ونقائصه، وأن يستكشف لا ما هو كائن فحسب، بل ما يجب أن يكون، حتى تؤدي دراسته –حسب قوله- دورًا في التوعية الحضارية، وتعزيز الفعل الحضاري النافذ.

ومن جهة الموضوع، لا يدّعي زريق أن دراسته ستكون الكلمة الحاسمة في هذا الموضوع، وذلك لثلاثة أمور عددها بإيجاز وهي: أولًا سعة الموضوع وتعقده، وثانيًا حداثة تناوله من قبل العلماء بالبحث العلمي الاختباري وبعد نتائج هذا البحث عن الاستقراء والثبوت في عصره آنذاك، وثالثًا قصوره شخصيًّا عن متابعة دقائق هذا الموضوع وتفاصيله.

وأكثر ما يدّعيه زريق لدراسته أن تكون محاولة تمهيدية، وجولة استطلاعية في هذا الميدان الموصوف عنده بالشاسع والوعر، وبرجاء أن تكون مقدمة لدراسات عربية أرسخ وأدق، ومبعثًا لبحوث وافية في هذا الموضوع الجليل حسب وصفه.

تكوّن الكتاب من ثلاثة عشر فصلًا عالج فيها القضايا الآتية: ماهية الحضارة وشروطها، حضارات مختلفة أم حضارة إنسانية واحدة، مظاهر الحضارة، قوام الحضارة، التغيرات الحضارية، عوامل التغير الحضاري، تفاعل الحضارات، مقاييس التحضر، التقدم والتحضر، الوضع الحضاري المعاصر، معركة الحضارة.

- 3 -
مؤنس.. ومسألة الحضارة

يصدق على الدكتور مؤنس ما صدق من قبل على الدكتور زريق من جهة إعطاء اللفتة المميزة في العناية بموضوع الحضارة، لكونه من الموضوعات التي تستحق أعلى درجات الاهتمام، كان وما زال وسيظل محافظًا على هذه الأهمية دومًا، مع ذلك فهناك تراجع واضح في العناية بهذا الموضوع.

ومن هذه الجهة، مثّل كتاب مؤنس محطة مهمة من محطات تطور الاهتمام بفكرة الحضارة في المجال العربي المعاصر، وبوجوده إلى جانب كتابات أخرى ومنها كتاب زريق، أصبح من الممكن القول بوجود كتابات حول فكرة الحضارة على قلّتها ومحدوديتها وتباعدها في ساحة الفكر العربي المعاصر.

وأول ما حاول مؤنس التنبيه إليه في دراسته، أن التأليف في موضوع الحضارة على النحو الذي سلكه، هو أمر جديد لا في اللغة العربية وحدها بل في سائر اللغات، وقد وجد مؤنس في هذا الأمر دافعًا ومحفزًا في الإقدام لدراسة هذا الموضوع، ما دعاه -حسب قوله- لمطالعة عشرات الكتب.

وظهرت على الكتاب وتجلّت ملامح العناية والجدية والاهتمام بموضوعه في دراسة مسألة الحضارة، فجاء كتابًا جادًّا بذل فيه المؤلف جهدًا واضحًا كمًّا وكيفًا، وتقصد على ما يبدو التوسع في الطرح لمقتضيات الموضوع من جهة، ولجعله من جهة أخرى كتابًا وازنًا في حقله الحضاري وفي مجاله العربي.

وحين أشار مؤنس إلى القصد من وراء هذا التأليف، اعتبر أنه لم يقصد إلَّا تقريب معنى الحضارة، ولم يتقصَّد قط تقديم إجابات شافية عن كل الأسئلة التي طرحها على الذهن موضوع الحضارة، وناظرًا لكتابه على أنه لم يؤلف لتقرير حقائق ثابتة، بل لفتح باب التفكير والمناقشة في اتجاه سليم، وتوجيه الذهن إلى قضايا جديرة بأن توضع موضع التأمل والبحث، مشبِّهًا موقفه بموقف مونتسكيو في كتابه (روح القوانين)، وموقف أرنولد توينبي في كتابه (البشر وأمهم الأرض)[9].

أما التنبيه الذي حاول مونس التأكيد عليه، أن كتابه ليس كتابًا في فلسفة التاريخ، والحقيقة التي يحب أن يعرفها الناس منه، أنه لا يوجد علم يسمى فلسفة التاريخ، وإنما هناك -في نظره- محاولات من جانب نفر من الفلاسفة والمؤرخين والاجتماعيين لفهم القوى المسيِّرة للتاريخ، أو للعثور على قواعد تحكم سير الحوادث، أو لمعرفة أسباب قيام الحضارات وتدهورها.

وهذه كلها -في تصور مؤنس- محاولات لم تصل إحداها إلى وضع قواعد أو قوانين أو حتى خطوط عريضة تعين على إدراك ما وراء الحوادث، أو تساعدنا على تعرف الطريق الصحيح الذي ينبغي على البشر أن يسيروا فيه، ليصلوا إلى بناء مجتمع إنساني أكثر أمنًا، وأقدر على توفير أسباب الرخاء وما يسمى بالسعادة للبشر.

وتأكيدًا لموقفه، يرى مؤنس أن حتى كلام هيجل في فلسفة التاريخ ما هو إلَّا تأملات عاشت حيّة في أذهان الناس على أيامه، وشغلت الأذهان بعده، حتى جاء كارل ماركس فزعم أنه حطمها، وسخر من قول هيجل: «عندي ينتهي التاريخ»، ورأى أن التاريخ الحقيقي للبشر لم يبدأ بعد لكي يقال: إنه انتهى.

وما ينتهي إليه مؤنس جازمًا، أن ليس هناك على الحقيقة علم يسمى فلسفة التاريخ، ولا يعرف مؤرخًا مهما عظم استطاع القول: إنه درس مادة بهذا المعنى، ويرى أن كل ما يزعمه بعض الناس في هذا المجال إنما هي تصورات وأمانٍ، لهذا فلا عجب في نظره من أن توينبي الذي يعدّه أكبر من حاول دراسة فلسفة التاريخ في عصرنا، لم يقل قط: إنه فيلسوف تاريخ، وأحسن ما قيل فيه: إنه شاعر.

والجانب الكبير من الجهد، صرفه مؤنس -كما يقول- في توضيح معاني الحضارة وكنهها وكيف تقوم، واجتهد -حسب قوله- في تتبع كيف قامت الحضارة في جهات شتى من الأرض، وعرض لآراء المؤرخين والفلاسفة في رؤيتهم لأوليات الحضارات الإنسانية وظروف قيامها، وبماذا تمتاز كل منها عن الأخريات، ووقف طويلًا عند أدوار النشوء والظروف التي أحاطت بها، وتطرق لنظريات المفكرين فيما يعرض للحضارات من نمو وما يصيبها من ركود.

وحرص مؤنس في كل حين، على أن يقف على آراء المفكرين المسلمين في هذه الموضوعات، وخاصة آراء ابن خلدون ونظريته في دورة العمران، وأن يضرب الأمثلة من تاريخنا العربي، ليكون ذلك –حسب قوله- سبيلًا إلى إلقاء أشعة جديدة من الضوء على بعض نواحي تاريخنا الحافل بأخبار الحضارة، وما يعرض لها من أحوال.

كما حرص مؤنس كذلك، على مناقشة الكثير من الآراء المتداولة من دون نقد أو تمحيص حول حضارة أمم الإسلام، ويرى أن مثل هذه الآراء قد كثرت في أيامه، وجرى حديث الناس فيها على وتيرة واحدة جامدة تتشابه في كل كتاب، حتى أصبحت وكأنها صورًا ثابتة تنتقل كما هي من دون تفكير.

ومن الحضارة في فكر المسلمين، انتقل مؤنس إلى الحضارة في فكر الأوروبيين، معتبرًا أنه وقف طويلًا عند مفكري الغرب في العصور الحديثة، وخاصة فلاسفة الأنوار، الذين وضعوا -في نظره- مشكلة الإنسان وأحواله ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا موضع درس عميق، وأطلقوا العنان للفكر في بحث مشاكل البشر، وإعادة النظر في تجارب الماضي، ويرى مؤنس أنهم فتحوا للإنسانية أبوابًا واسعة للتفكير والتغيير، وبات من غير الممكن -في نظره- فهم حضارتنا اليوم دون الإلمام بهذه الآراء.

وختم مؤنس كتابه بالحديث عن الثقافة ومفهوماتها عند المحدثين، ويرى أنه صحح إلى حد ما آراءنا في الثقافة مبناها ومحتواها، وعندها أحس أنه وصل بالكلام عن الحضارة والثقافة إلى حد يحسن الوقوف عنده، وذلك بعد أن أثار حشدًا كبيرًا من الآراء برجاء أن تفتح آفاقًا واسعة للتفكير والتدبير.

تكون الكتاب من ستة فصول تناولت القضايا الآتية: الحضارة، التاريخ والحضارة، حركة التاريخ والحضارة، طبقات الحضارات، فكرة التقدم، الثقافة والحضارة.

- 4 -
الدراستان.. مشتركات ومفترقات

ما بين دراسة زريق (في معركة الحضارة)، ودراسة مؤنس (الحضارة)، هناك عناصر اشتراك بينهما وعناصر افتراق، شملت بعضًا من الرؤى والأفكار، وبعضًا من ملامح المنهج، من هذه المشتركات:

أولًا: الاشتراك من جهة التصور العام لطبيعة العمل، فالدكتور زريق نظر إلى عمله بوصفه يمثل محاولة تمهيدية في موضوعه حول دراسة فكرة الحضارة في المجال العربي، وجاءت هذه النظرة لكون زريق يرى أنه نهض بأول محاولة حديثة في هذا الموضوع على مستوى اللغة العربية، وأراد منها أن تكون مقدمة لدراسات أخرى في هذا الشأن، وشرح ذلك بقوله: «إننا لا ندّعي لهذه الدراسة أكثر من كونها محاولة تمهيدية، وجولة استطلاعية في هذا الميدان الشاسع الوعر، لعل أصدق ما يشفع فيها أنها من أولى المحاولات والجولات في اللغة العربية، ولعلها أن تكون مقدمة لدراسات في هذه اللغة أرسخ وأدق، ومبعثًا لبحوث عربية وافية في هذا الموضوع الجليل»[10].

يقترب هذا التصور العام، ويتطابق مع ما ذهب إليه الدكتور مؤنس الذي افتتح كتابه مستبقًا أي شيء لبيان أن الكتاب كله مقدمة لموضوع الحضارة، والمقدمة -حسب قوله- لا تحتاج إلى مقدمة، لهذا تقصّد -على ما يبدو- استعمال تسمية مدخل لمفتتح كتابه، بدلًا عن تسمية مقدمة لكون أن الكتاب كله مقدمة.

وكما رأى زريق أنه نهض بأول محاولة، رأى مؤنس أن التأليف في موضوع الحضارة على النحو الذي سلكه في كتابه، هو أمر جديد لا في اللغة العربية وحدها بل في سائر اللغات.

والمفترض أن بهذين العملين تكون قد تحددت مقدمة البحث واكتملت في مسألة الحضارة في المجال الفكري العربي، ولا بد من إدراك إننا قد تخطينا مرحلة الأعمال التي تحمل صفة المقدمة والتمهيد والمدخل، وعلينا الالتفات إلى الأعمال التي تحمل صفة ما بعد المقدمة.

ثانيًا: الاشتراك من جهة الغاية الكلية، فعند الحديث عن الغاية من وضع كتابه أوضح زريق أن غايته «هي استجلاء مفهوم الحضارة، ومحاولة إدراك جوهرها ومقوماتها والتغيرات التي تطرأ عليها، وتبيّن الأثر الذي يحدثه هذا الإدراك والاستجلاء في سعينا الحاضر، وفي وعينا لماضينا وإعدادنا لمستقبلنا»[11].

وفي وقته، وجد زريق أن من الضروري استجلاء مفهوم الحضارة بوصفه من المفاهيم الأساسية في عصره مطلع ستينات القرن العشرين، وذلك لما لهذا المفهوم من دور حاسم في تاريخنا وتاريخ البشرية، مع أنه لا يدّعي لكتابه أن يكون الكلمة الحاسمة في موضوع الحضارة.

ويطابق هذه النظرة من جهة الغاية، ما ذهب إليه مؤنس الذي يرى أنه لم يقصد من وراء تأليف كتابه إلَّا تقريب معنى الحضارة، ولم يقصد قط -حسب قوله- أن يقدم إجابات شافية وافية لكل الأسئلة التي يطرحها على الذهن موضوع الحضارة.

ومع هذا التقارب في الغاية الكلية، إلَّا أن كلًّا من زريق ومؤنس كانت له طريقته في استجلاء مفهوم الحضارة.

ثالثًا: الاشتراك من جهة المنهج، فحين أراد زريق بيان طبيعة منهجه في دراسة قضية الحضارة، حدده بالإشارة إلى عدم اتّباع طريقتين في المعالجة، هما: طريقة المعالجة النظرية المجردة، وطريقة المعالجة المكتفية بالوصف والتحليل.

وتجنّبًا للطريقة الأولى اعتنى زريق بالجانب التطبيقي مقتربًا من الواقع بشقيه العربي والإنساني، وتجنّبًا للطريقة الثانية اعتنى زريق بالجانب التقييمي، وشرح هذا الاتّباع المنهجي بقوله: «فإننا لم نقصد من هذه الدراسة إلى معالجة قضية الحضارة معالجة مجردة، ولم نتبع الأسلوب السوسيولوجي الأنثروبولوجي الذي يكتفي بالوصف والتحليل والتعليل ويتجنب التقييم والتطبيق، وإنما عمدنا إليها بدافع من الواقع واقعنا وواقع الإنسانية، وبحرص على أن نسبر أغواره، ونستخرج فضائله ونقائصه، وعلى أن نستكشف لا ما هو كائن فحسب بل ما يجب أن يكون، فتؤدي دراستنا سهمها المتواضع في التوعية الحضارية، وفي تعزيز الفعل الحضاري الصحيح النافذ»[12].

ومع أن زريق كان أوضح في بيان منهجه، مع ذلك يمكن الكشف عن جانب الاشتراك في المنهج مع مؤنس، عن طريق المطابقة بين العملين من جهة، ومن جهة أخرى عن طريق العودة إلى بعض أقوال الدالة على منهجه، والكاشفة عن جانب الاشتراك في المنهج مع زريق.

فمن الواضح جدًّا، أن مؤنس قد تجنّب طريقة المعالجة النظرية المجردة في دراسته لقضية الحضارة، كما أنه لم يكتفِ بالوصف والتحليل، وكان حريصًا -حسب قوله- على مناقشة الكثير من الآراء المتداولة من دون نقد أو تمحيص، عناية منه بجانب التقييم أو التقويم.

وحين وقف مؤنس طويلًا، في فصل خاص فاحصًا ومتتبعًا ومناقشًا مفكري الغرب في العصور الحديثة، إنما لكونهم -في نظره- قد أدخلوا الإنسانية في عصور حضارية جديدة، الأمر الذي رأى فيه مؤنس أنه لا يمكن فهم حضارتنا اليوم دون الإلمام بتلك الآراء، التي مثّلت له مدخلًا للكلام حول حضارتنا، وما ينتظرها من تطور في المستقبل.

هذا عن جانب المشتركات، أما عن جانب المفترقات بين المحاولتين، فمنها:

أولًا: ظهر على كتاب زريق تغليب الجانب الفكري والتحليل الفكري في دراسته لقضية الحضارة، بينما ظهر على كتاب مؤنس تغليب الجانب التاريخي والتحليل التاريخي، زريق غلب الجانب الفكري وكان قاصدًا لهذا الاختيار، ومريدًا له، وأهمل الجانب التاريخي فظهر كتابه بصفة الكتاب الفكري البحت.

وبخلاف هذا الموقف، رأى مؤنس أن التاريخ هو المدخل لدراسة قضية الحضارة، ولا يمكن دراستها بعيدًا عن التاريخ، وقد ظهر مؤنس في هذا الموقف جازمًا، حتى أنه سرعان ما ألمح إليه، وأكد عليه في مطلع الفصل الأول، رابطًا بينه وبين مفهوم الحضارة، فحين عرّف الحضارة بالمفهوم العام، وأنها تعني حسب تصوره: ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودًا أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية، بعد هذا التعريف، عقّب مؤنس معتبرًا أن هذا المفهوم للحضارة مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ.

وعلى هذا الأساس، فالحضارة والتاريخ -في نظر مؤنس- مرتبط أحدهما بالآخر أشد الارتباط، ويرى أن الإنسان لا يستطيع أن يتحدث عن الحضارة حديثا معقولًا إلَّا إذا عرف ماهية التاريخ معرفة معقولة.

ومن هذه الجهة، يمكن القول: إن كتاب زريق ظهر متفوّقًا في إبراز الجانب الفكري في دراسة قضية الحضارة، بينما ظهر كتاب مؤنس متفوّقًا بالمقارنة في إبراز الجانب التاريخي.

ثانيًا: حضر النص الديني وتحديدًا النص القرآني في كتاب مؤنس، وغاب هذا النص كليًّا في كتاب زريق الذي لم يكن معنيًّا بالنص الديني، ولا ساعيًا إليه، بل يرى أن المصادر الدينية هي مصادر خارجة عن نطاق حقائق التاريخ، بمعنى أنها لا يمكن اختبارها، وهي ليست محصلة من الاختبارات التاريخية، لهذا يصعب حسب عقلانية زريق التمسك بها، والاستناد إليها في فحص وتحليل ما يتعلق بقضية الحضارة.

مع ملاحظة أن النص القرآني في كتاب مؤنس، حضوره كان قليلًا من ناحية الكم ومحدودًا، وجاء عابرًا من ناحية الكيف وليس معمقًا. بمعنى أن الآيات القرآنية التي حضرت كانت مجرد إشارات لتأكيد وتصديق بعض الآراء التي جاءت في سياق الحديث عن بعض القضايا، أي إن هذه الآيات جاءت استطرادًا مع الحديث فكانت في منزلة الفرع، ولم تأتِ في منزلة الأصل الذي يتفرع منه الكلام ويتسع، كما أنها لم تكن مصدرًا للاستنباط، وتكوين الآراء والأفكار والنظريات.

ولتوثيق هذا الأمر، يمكن الإشارة إلى موردين:

المورد الأول: عند الحديث عن خصائص الإنسان البدنية والذهنية التي اختصّ بها هذا الكائن مهما تنوّعت أجناسه وتعددت، وبفضل هذه الخصائص تمكن الإنسان من شق طريق الحضارة، وقد عدّد مؤنس بعض هذه الخصائص كانتصاب قامة الإنسان التي فرّقت بينه وبين الحيوان من ناحية الهيئة، وقدرته على الكلام من خلال اللسان التي فرّقت بينه وبين الحيوان من ناحية الذهن، ووجود العينين في الوجه إلى غيرها من خصائص أخرى.

بعد هذا التعداد عقّب مؤنس بالقول: وقد ذكر القرآن ذلك في أكثر من آية، فقال مخاطبًا الإنسان: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}[13]، وقوله تعالى: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}[14]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}[15]، وقوله: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[16].

المورد الثاني: عند الحديث عن العلاقة بين الأجناس والحضارة، نقدًا للآراء التي صوّرت خطأً أن بعض الأجناس هي أقدر من غيرها على الترقي وصنع الحضارة، ويعنون بذلك الجنس الأبيض، وبعد أن تتبّع مؤنس هذه الآراء وقف على خلاصة هي: «أن القول بأن الجنس الأبيض ينفرد وحده بصنع الحضارات أو معظمها إنما هو وهم وادِّعاء لا يقوم على أساس... وعند الحساب الدقيق نجد أن الجنس الأبيض لم يُسهم بأكثر مما أسهم به غيره»[17].

بعد هذه الخلاصة، عقّب مؤنس بقوله: «ولقد خرج المؤرخون الغربيون بهذه النتيجة بعد جهد وعناء، في حين أننا نحن معاشر المسلمين والمتكلمين بالعربية، نفتح القرآن الكريم فنجد أنه أجمل ذلك كله في آية واحدة من آياته، وهي الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}»[18].

ثالثًا: في دراسة زريق حضرت الأسماء الغربية وتنوّعت، وغابت الأسماء العربية كليًّا، باستثناء ابن خلدون الاسم الوحيد الذي حضر، وتركّز حضوره بصورة أساسية في القسم الذي خصّصه زريق لتعريف الحضارة لغة واصطلاحًا، وفي هذا القسم تحديدًا ما كان بالإمكان تجاوز ابن خلدون الذي نالت آراؤه ونظرياته شهرة واسعة، بقيت حاضرة وممتدة في حقل الدراسات الحضارية، لكن ابن خلدون الذي حضر في هذا القسم ونال قسطًا من الاهتمام، فقد غاب كليًّا في الأقسام الأخرى.

بينما في دراسة مؤنس حضرت إلى جانب ابن خلدون بعض الأسماء العربية، إلى جانب بعض الأسماء الغربية التي تسيّدت موضوع الحضارة، مع ملاحظة أن الأسماء العربية التي ورد ذكرها حضرت من جهة موضوع التاريخ وليس من جهة موضوع الحضارة، من هذه الأسماء الطبري صاحب تاريخ الطبري، والمسعودي صاحب مروج الذهب، وابن كثير صاحب البداية والنهاية، والسخاوي صاحب كتاب (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ).

رابعًا: ختم زريق دراسته بالحديث عن أهم الواجبات المطلوبة في معركة الحضارة على المستويين الإنساني والعربي، مقدمًا في هذا الشأن برنامجًا أو شبه برنامج لكسب ما أسماه معركة الحضارة، ناظرًا فيه إلى وضعنا الحضاري العربي في إطار الوضع الحضاري الإنساني العام، معتبرًا أن مصيرنا مرتبط بهذا المعركة أوثق ارتباط، ومرتهن بسيرها ومآلها.

علمًا أن زريق لم يستعمل تسمية البرنامج، لكن النقاط العشر التي طرحها في النطاق العربي، تصلح أن تكون برنامجًا، وهي تتشبّه فعلًا بهيئة البرنامج؛ لأنها تجيب عن سؤال: ما العمل؟ وهو السؤال الذي طرحه زريق لاحقًا، واختاره عنوانًا لأحد آخر مؤلفاته.

في المقابل، ختم مؤنس دراسته بالحديث عن الثقافة تعريفًا ومفهومًا واستعمالًا في النطاقين العربي والغربي قديمًا وحديثًا، مصححًا -على حد قوله- آراءنا في الثقافة من ناحتي مبناها ومحتواها.

والمفارقة التي تظهر في هذا الشأن، أن الفصل الذي افتتح به زريق دراسته، هو الفصل الذي اختتم به مؤنس دراسته، هذا التعاكس ممكن الحدوث في حالة تغيّرت وجهة البحث، كأن يصبح تحديد التعريف مؤجلًا بعد الاكتمال من المقدمات والعبور من الموضوعات، بقصد أن يأخذ التعريف صفة المحصلة النهائية في خاتمة البحث.

لكن الذي حصل مع مؤنس في دراسته هو خلاف ذلك، فالفصل الذي ختم به كان يفترض أن يكون مفتتحًا، خاصة وأنه تقصَّد التركيز على تتبع المعاني المتعددة والمختلفة للثقافة لغة واصطلاحًا، وهذه الطريقة التي تُعنى بالتعريفات مكانها عادة من الناحية المنهجية في المقدمات، وهكذا جرت التقاليد في الدراسات والأبحاث العلمية والمنهجية.

ومن هذه الجهة، يعدّ كتاب زريق موفقًا أكثر من كتاب مؤنس؛ لأنه ختم دراسته ببرنامج حدّد فيه الحاجات والمهام والواجبات، وأجاب عن سؤال: ما العمل في معركة الحضارة؟ لكون أن زريقًا درس قضية الحضارة بوصفها معركة، واعتبرها هي المعركة الأم، ولم يدرسها بوصفها مفهومًا أو تعريفًا، ولا بوصفها قضية نظرية، ولأنها معركة فهي تستوجب النظر في متطلبات المعركة بالكشف عن الحاجات والواجبات.

خامسًا: في دراستي زريق ومؤنس هناك ثلاثة أسماء أساسية حضرت وتواترت وتفوّقت على غيرها، وهي: المؤرخ العربي ابن خلدون، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، والمفكر الألماني أزوالد شبنجلر، والتي تعد من الأسماء المعروفة والشهيرة في حقلي دراسات التاريخ والحضارة.

والمفارقة التي ظهرت في هذا الشأن، تحدّدت في تباين الموقف من جهة طريقة التعامل مع الأسماء الثلاثة المذكورة، فالدكتور زريق مرّ على ابن خلدون ونصوصه في العمران والحضارة ومضى عنه، ولم يتوقف عنده كثيرًا، ومر كذلك على توينبي وامتدحه واصفًا له بالمؤرخ صاحب المحاولة الجبارة في دراسة الحضارات، وتغيّرت طريقة التعامل مع شبنجلر الذي أظهر زريق اختلافًا واسعًا معه، وظلّ يُذكّر بهذا الاختلاف مرات عدة، بشكل ظهر فيها شبنجلر كما لو أنه يعدّ من أكثر الأسماء نقدًا واختلافًا في دراسة زريق.

وتحدّد هذا الاختلاف وتركز بصورة رئيسة على قضيتين، هما: القضية التي يرى فيها شبنجلر أن كل حضارة تؤلف وحدة تامة ومطلقة تجعلها مستقلة ومنفصلة عن الحضارات الأخرى، حالها حال الكائنات العضوية، هذه القضية عرض لها زريق مرات عدة، مظهرًا في كل مرة عدم الاتفاق معها، واصفًا موقف شبنجلر بالموقف المغالي.

القضية الثانية وتتعلّق بفكرة القدر، التي يرى فيها شبنجلر أن نشوء الحضارات وازدهارها وانحلالها إنما يحدث -حسب تصوره- بفعل القدر، الفكرة التي وجد فيها زريق أنها ترددت في مواضع كثيرة من كتاب شبنجلر، حتى أنه عدّها لاحقًا في مقدمة الطبعة الثانية، بأنها تمثل محور فلسفته، لكنها في نظر زريق لم تلقَ ترحابًا بين المفكرين وعلماء الاجتماع، معتبرًا أنها تناقض الروح العلمية الشائعة، التي تؤمن بالأسباب الطبيعية، وبمقدرة العقل على تبيّنها، وعلى التأثير في الأحداث بالسيطرة على الطبيعة، وبتبديل النظم الاجتماعية[19].

لكن مع مؤنس تغيّرت الصورة، وتبدلت طريقة التعامل مع الأسماء الثلاثة المذكورة، فشبنجلر الذي اعتنى زريق بإظهار الاختلاف معه ونقده، فقد مر عليه مؤنس كثيرًا، وسجّل حضورًا وازنًا في دراسته، مظهرًا الاهتمام به، والعناية بأفكاره، ومقدّرًا منزلته، وعدّه إلى جانب توينبي من أكبر فلاسفة التاريخ في عصرنا الحديث، وأبعدهم أثرًا.

ولم يظهر مؤنس اختلافًا مع شبنجلر، ولم يوجّه له نقدًا، والقدر الذي أشار إليه، وفيه احتمال النقد، جاء عامًّا، وليس منصبًّا عليه بالخصوص، وذلك حين اعتبر أن شبنجلر في كلامه، كان يعبّر عن الحيرة والقلق والمخاوف التي اجتاحت الغرب بعد الحرب العالمية الأولى.

وأما ابن خلدون الذي مرّ عليه زريق ومضى عنه، فهو الذي توجّه إليه النقد، وظهر مؤنس ناقدًا لابن خلدون بشكل يفوق ولا يقارن بجميع الأسماء الأخرى التي وردت في دراسته، وأنصب هذا النقد على قضايا عديدة، منها: حديث ابن خلدون عن أثر الهواء في أخلاق البشر، الرأي الذي خطَّأه مؤنس معتبرًا أنه كلام ظاهر الخطأ، ويرى أن ابن خلدون لا ينفرد بهذا الخطأ، بل كانت هذه هي معلومات أهل عصره، فكلامه هذا -في نظر مؤنس- لا يعتد به، ولا يعتبر كلامًا علميًّا بمفهوم عصرنا.

وعند الحديث عن الأجناس والحضارة، أشار مؤنس إلى الرأي الذي يرى أن بعض الأجناس مهيَّأة أكثر من غيرها على التقدم وصنع الحضارة، وأسف مؤنس أن ابن خلدون يدخل في زمرة هؤلاء، فيربط بين الخصائص الخلقية والخلقية، ويقول: إن هناك أجناسًا مخصوصة بالتقدم ويعني بهم أهل المناطق المعتدلة، وأجناسًا أقرب إلى البهائم لا تتقدم قط.

وعند الحديث عن الحضارة وذمّها ونقدها، وجد مؤنس أن ابن خلدون قد وقع في خطأ أساسي، ويرى أن التحضر والتدرج في مراتب الحضارة لا يضعف الإنسان أو الجماعة بل يقويه ويقويها، فالحضارة هي علم ومعارف وخبرة وتجربة، وكل هذه تزيد ملكات الإنسان إرهافًا، وتفجر في كيانه ينابيع جديدة من القوة، كما نرى ذلك في أيامنا.

وعند الحديث عن النظم السياسية ومسيرة الحضارة، تطرّق مؤنس إلى رأي ابن خلدون في تطور الدول وأعمارها، وإخضاع ذلك لنظام أشبه بالقانون المطرد والثابت، ويرى مؤنس أن ابن خلدون كتب هذه الآراء، وذهنه مثبت في دول الإسلام التي كانت تقوم وتسقط على وتيرة واحدة، فتصور أن ذلك قانون ثابت يسري على الدول في كل الظروف.

وما يسميه ابن خلدون بهرم الدولة، ليس هرمًا على الحقيقة في نظر مؤنس، وإنما هو سوء سياسة ناشئ عن قيام الدول على الغصب، وانقطاع الصلة بين هيئة الحكم وجمهور الناس[20].

وفي الوقت الذي أبان فيه مؤنس عن اختلافه مع ابن خلدون وحتى نقده، أبان في جانب آخر عن توافقه مع توينبي الذي امتدحه، واستند إليه كثيرًا في موارد عدة، متناغمًا معه، ومستوثقًا به.

هذه لعلمها هي أبرز القضايا التي مثّلت عناصر اشتراك من جهة، وعناصر افتراق من جهة أخرى بين دراستي زريق ومؤنس.

- 5 -
ملاحظات ونقد

بعد هذه الجولة الاستطلاعية والتحليلية لدراستي زريق ومؤنس من جهتي الاتصال والانفصال، بقيت الإشارة إلى بعض الملاحظات النقدية الكلية، منها:

أولًا: غلب على الدراستين ما يمكن تسميته بفائض الكلام، وأظن أن هذه الملاحظة من السهل التنبُّه لها، وسوف تنطبع عند كل من يطالع الدراستين بميزان الفحص والنقد، وكان بالإمكان الاقتصاد في الكلام بدل التوسم بفائض الكلام الذي ظهر على صورة البسط والإسهاب، وحتى التكرار وقدرًا من الإنشاء، وصعب على الكثيرين متابعة الدراستين اللتين فاقت صفحات كلٍّ منهما على أربعمائة صفحة.

والمفارقة في هذا الجانب، أن صورة فائض الكلام في دراسة زريق تحدّدت في جانب البيان والتحليل، بينما في دراسة مؤنس تحدّدت صورته في جانب الوقائع إلى جانب البيان كذلك.

ثانيًا: غلب على دراسة زريق الطابع المدرسي والتعليمي، ومن الناحيتين المنهجية والمعرفية، وظهرت كما لو أنها أشبه بمقرر للتدريس، وتحتوي على النص الدراسي من جهة، وعلى الشرح والتوضيح من جهة أخرى.

وهناك إشارة في الكتاب تقرب الانتباه إلى هذه الملاحظة، وتوحي بالطابع المدرسي والتعليمي، فقد أشار زريق في توطئة الكتاب إلى أن كل نتاج من هذا النوع يأتي حصيلة مشاركة مزدوجة، مشاركة الباحثين السابقين في الموضوع ذاته، ومشاركة الذين يحيا الكاتب وإياهم ويبادلهم النظر والرأي والاهتمام، ويقصد زريق بهؤلاء زملاؤه وطلبته في الجامعة الأمريكية في بيروت، الذين أفاد -حسب قوله- من آرائهم ونقاشهم في مسائل كتابه.

الأمر الذي يعني أن الكتاب كان على تماس مع البيئة التعليمية والتدريسية، وظهر عليه التطبُّع بهذه البيئة، وكأنه جاء لمخاطبة المنتسبين لها، وتلبية حاجة لهم.

ثالثًا: التفت مؤنس في دراسته لبعض أسماء قدماء العرب والمسلمين، وأشار إلى ابن خلدون والطبري والمسعودي وابن كثير والسخاوي، وتطرق لهم في موضوعي الحضارة والتاريخ، لكنه لم يلتفت إلى أحد من المعاصرين، لقناعته على ما يبدو بعدم وجود كتابات عربية في موضوع الحضارة، فمن بين عشرات الكتب التي طالعها مؤنس لم يجد -حسب قوله- إلا اثنين أو ثلاثة في موضوع الحضارة نصًّا، ومع أنه لم يسمِّ هذه المؤلفات، لكن الأقرب أنها ليست تأليفات عربية.

وبخلاف هذا التقدير، فقد كانت هناك تأليفات وكتابات عربية في موضوع الحضارة، منها كتاب زريق الذي صدر قبل كتاب مؤنس بما يزيد على عقد من الزمان، وهي فترة كافية تجعل من الكتاب معروفًا لا أقل عند من يطرق هذا الباب، ويقترب من هذا الموضوع.

ومنها كذلك تأليفات مالك بن نبي التي فتحت أوسع حديث عن فكرة الحضارة في المجال الفكري العربي، ويفترض أن هذه التأليفات كانت معروفة عند مؤنس، لكونها عرفت في مصر المحطة الأولى لابن نبي في المنطقة العربية، ومنها كانت انطلاقته الفكرية والثقافية.

إلى جانب ذلك، إن ابن نبي كانت له وجهات نظر وتقييمات حول آراء ونظريات ابن خلدون وشبنجلر وتوينبي، وهي الأسماء الثلاثة التي حضرت في دراسة مؤنس واعتنى بها توافقًا واختلافًا، الأمر الذي يقرب ابن نبي وتأليفاته من دائرة الاهتمام عند مؤنس، مع ذلك فقد غاب كليًّا في دراسة مؤنس ولم يلتفت له أبدًا، وجعل منه نسيًا منسيًّا.

رابعًا: نظر زريق ومؤنس لمحاولتيهما في وقتيهما على أنهما من المحاولات التمهيدية لدراسة فكرة الحضارة في المجال العربي، فزريق رأى أن دراسته ما هي إلَّا محاولة تمهيدية يتأمل منها أن تكون مقدمة لدراسات أرسخ وأدق، ومبعثًا لبحوث عربية أوفى في هذا الموضوع، وأما مؤنس فقد اعتبر كتابه كله مقدمة لموضوع الحضارة.

والمفارقة المثيرة للدهشة في هذا الشأن، إننا إلى اليوم وبعد ما يزيد على نصف قرن على محاولة زريق، وما يزيد على ربع قرن على محاولة مؤنس، ما زلنا في المحطة التمهيدية نفسها، لم نتجاوزها بأعمال أجود منها، ولم نتخطاها مستفيدين من تراكماتها، والانطباع الغالب أننا ما زلنا في زمن تلك المحاولتين، وأنهما ما زالتا تحتفظان بريادتهما في موضوعهما، أي أننا لم نتخطَ بعدُ المرحلة التمهيدية، وهذه هي المفارقة المثيرة للدهشة.

* نشر في مجلة الكلمة-العدد (94) شتاء 2017/1438ه

......................................
[1] حسين مؤنس، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998م، ص9.
[2] رضوان السيد، الصراع على الإسلام الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، بيروت: دار الكتاب العربي، 2004م، ص136.
[3] قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، بيروت: دار العلم للملايين، 1981م، ص7.
[4] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص11-14.
[5] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص15.
[6] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص39-40.
[7] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص163.
[8] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص164.
[9] حسين مؤنس، الحضارة، مصدر سابق، ص9.
[10] قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، ص329.
[11] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص11.
[12] قسطنطين زريق، المصدر نفسه، ص334.
[13] سورة الأعلى، آية: 1-2.
[14] سورة الكهف، آية: 37.
[15] سورة الانفطار، آية: 6-8.
[16] سورة البلد، آية: 8-10.
[17] حسين مؤنس، الحضارة، ص50.
[18] حسين مؤنس، المصدر نفسه، ص50.
[19] قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، ص183.
[20] حسين مؤنس، الحضارة، ص35-45-156-168-175.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6