تقديم:

الديمقراطية ليست ممارسة مثالية. أو نظام الحكم في عالم الخيال والأحلام. وضرب من الاستحالة في عالم اليوم. الديمقراطية نظام سياسي واجتماعي ذات قواعد معقولة في السلطة وتدبير شؤون الناس وبالتالي لا يمكن عزلها عن الثقافة والفكر. واستنباتها في عالمنا العربي كفكر وممارسة ممكن في ظل شروط ذاتية وموضوعية. ومن خلال رفع القيود عن الحرية وصيانة المكتسبات والكرامة. وضمان المساواة في الحقوق والواجبات. وتكريس العدالة الاجتماعية وإزالة الفوارق الطبقية عبر تمكين الناس من التعبير عن الحق.

وإذا كانت الديمقراطية فكرة مدعومة من الحاكم والشعب في ديمقراطية أثينا فان بنائها في الغرب الحديث وفق قواعد اشمل رفع من شأنها في تمكين الناس من تحقيقها وتمثلها. وفي التجربة المغربية لازالت الديمقراطية تشق طريقها لإزالة العوائق والصعوبات في مرحلة ما يسمى بالانتقال الديمقراطي. كيف يمكن استيعاب فكرة الديمقراطية؟ وهل يمكن الرهان في تحقيق الدولة الديمقراطية العقلانية؟.

أولا. جذور الديمقراطية

الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه. هي سلطة الشعب وسلطة الأغلبية في مقابل الأقلية. وغيرها من المواصفات والمعالم الجوهرية لأسس الديمقراطية كما تبلورت في اليونان والغرب الحديث. إنها الكلمة اللامعة في عالم السياسة وفي عالم الفكر. يستند عليها الكل كمقياس للفعل السياسي وموجه للفاعل. وينادي العالم إلى تطبيقها وتحكيم قواعدها. تجربة إنسانية في تدبير الحياة.

فالديمقراطية الأثينية. ورغم الأقوال والأبحاث عن مكامن قوتها وضعفها أو محدوديتها إلا أنها تجربة كبيرة استلهمها المفكرون والفلاسفة في بناء مقياس للسلطة. وتجسيدها كفكر وممارسة. فأصبحت الديمقراطية منذ زمن أشكال وألوان تتماهى مع مرجعيات متباينة كالقول بالديمقراطية الشعبية المباشرة والاشتراكية والديمقراطية الليبرالية. والديمقراطية التمثيلية والتوافقية والتشاركية.

كلمة ديمقراطية تفقد قيمتها كفكر وممارسة في الواقع السياسي والاجتماعي عند تحريف مبادئها وانتقاء المناسب منها. أو التنصل من مبادئها في الانتقال بالشعوب للشعور بالمواطنة الكاملة والعدالة الاجتماعية. والمساواة والحرية المبنية على المسؤولية. شروط ممارستها بالاستحقاق في الكفاءة الفكرية والأخلاقية. وعند التأمل في الحكم الديمقراطي لدى الشعب اليوناني في قوة نظام المدينة-الدولة. نجد انتشار الثقافة والفكر والحياة المفعمة بإقبال الناس على الفنون والآداب والمسارح. والاحتفال بالأعياد والمناسبات. وإقبالهم على التعلم الذي انتشر بفعل الكتابة والقراءة. وسيادة الحرية التي عبرت عنها الإصلاحات والتشريعات التي تحققت بالقوانين والدساتير. منها دستور أثينا المنظم للحياة، كما أنجبت أثينا رجلا من طينة بركليس.

السياسي الذي رفع من مكانة أثينا ونظامها ضد مدن أخرى كاسبرطة. حيث نشبت الحرب بينهما والتي صورها بركليس على أنها حرب بين نمطين من الحياة السياسية، ومن العقلية المختلفة بين ثقافتين، في اسبرطة نظام عسكري استبدادي ولا ديمقراطي. وفي أثينا الحرية والقوانين والنظام الديمقراطي. لذلك يشعر الإنسان الأثيني بالحرية والمساواة وغياب الأثر الدال على الشرف والانتماء الطبقي، ويستند الكل على مصداقية المحاكم والمؤسسات التي تخول للفرد اللجوء إليها من اجل الإنصاف. مدينة أثينا ونظامها الديمقراطي نالت الإعجاب والشهرة في العالم القديم بفضل السياسة الجديدة والقواعد المرنة في ممارسة السلطة. وفي تعليم الشباب فن الممارسة السياسية. والتي جعلت من ساحة الاغورا فضاء للنقاش والجدال في الأمور العامة. المكان الذي أضفى على بلاد اليونان نوع من الوحدة والانسجام. في المدينة تحقق الإبداع والحرية. ولاح الإنتاج في الأدب والفلسفة والمسرح وسائر الفنون والصنائع...

مزايا الديمقراطية التي زادت وهجا في عهد بركليس الذي حكم أثينا مدة ربع قرن. وكان عهده مجالا للمؤرخين في وصف عصره وأعماله وقوة سلطته. ومكانة أثينا كمدينة الحضارة والفكر في العالم القديم، ميلاد الديمقراطية كفكر وممارسة، يمنح القارئ فكرة مفادها أن القواعد الديمقراطية ممكنة في التطبيق إذا تمكن الشعب من تنميتها والعمل في الإعلاء من مبادئها. لقد أشاد المؤرخ اليوناني بلوتارخوس بمناقب بركليس في البناء والتدبير للحياة السياسية، صديق الفيلسوف أناغساغوراس والذي نال مكانة وشهرة بسبب ثقة الشعب، وكان اقدر العظماء من الذين مارسوا السلطة والحكم دون توريثها لأبنائهم كما قال خصمه توسيديد. ومهما يقال عن ديمقراطية أثينا ومنبع الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، فقد ظلت الديمقراطية في صراع مع الفكر المضاد في تمييع كل ممارسة ديمقراطية. في محاولة مستمرة لأجل الالتزام بالقواعد الممكنة في ترسيخ السلوك. الذي يرتقي بالإنسان نحو الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات.

ثانيا- مخاض بناء الديمقراطية

الديمقراطية كثقافة لازالت تشق طريقها في دروب معتمة. من الاستبداد والشمولية. ومن الفردانية والتسلط والاستفراد بالقرار والسلطة. فالطريق الذي رسمته الديمقراطية الغربية من سيادة الحكم المطلق والتنظير للدولة القومية بدافع الهواجس الأمنية والوحدة بين أجزاء البلد الواحد، سرعان ما تحولت إلى ديمقراطية الأغلبية والمعبرة عن الإرادة الكلية، وما لبثت الديمقراطية أن أصبحت في المرحلة المعاصرة مطلبا عالميا ومؤشرا للتنمية البشرية، ومقياسا للحضارة والتحضر ومعبرا للدخول إلى العولمة والتنمية البشرية الشاملة، بالطبع الديمقراطية الليبرالية التي تعني الحرية الفردية والمساواة في الحقوق والواجبات، والمواطنة الكاملة، والمنافسة الحرة في الانتخابات على أساس البرامج والمخططات الحزبية والشعارات المنسجمة والثقافة الديمقراطية.

وليس في الديمقراطية يقين مطلق، بل قواعد للاستمالة والإقناع في التصويت، والتربية على المواطنة، وحرية الخطاب المبني على شعارات قابلة للتحقيق والانجاز، إضافة للحوارات والمناظرات الكلامية، وما هو مأمول تحقيقه في عالم الواقع.

فمن المبادئ الأخلاقية والفكرية ولدت الديمقراطية كالمطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية والمساواة والإنصاف. وتحقيق سلطة القوانين والمؤسسات، عملية تفاعلية ومستمرة في البناء والتحصين، والعناية بالفرد اللبنة الأولى في انسجامه والقيم الليبرالية المدافعة عن حريته واستقلاليته. والدولة باعتبارها أداة وجهاز في صيانة المكتسبات والحقوق، فهي بالطبع دولة قانون ومؤسسات، قوية بالأجهزة والتنظيم، الضامنة للحقوق، هذا ما كان يود الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون راولز في كتاب "نظرية العدالة" في نقذه لمنطق العدالة في الفكر التعاقدي، وجعل العدالة قضية سياسية وليست فلسفية. وتطبيق العدالة كممارسة وإنصاف عبر وضع القواعد اللازمة في تطبيقها، وجعل الأشخاص دوي مكانة سامية من الناحية السياسية والأخلاقية والقانونية والفكرية وبالتالي تحديد فكرة العدالة بالاستناد للمنفعة العامة، ويلتمس الفيلسوف أفكار القدماء من الفلاسفة اليونان في نظرية العدالة خصوصا الفيلسوف أرسطو، الذي كان بارعا في تحليل السياسة وعلاقة الحاكم بالمحكوم دون وضع نموذجا مثاليا. بل المطلب هو بناء نظام سياسي يستند لسلطة الشعب، والى موقع الكائن السياسي تحت سيادة الدستور والحرية، تلك هي حرية القدماء إذا ما استعدنا تشبيها لأرسطو، أشبه بحرية الكواكب، لأنها تقوم على الاندماج داخل مجموعة. وهدف المدينة أن تهب السعادة للجميع. انه ليست مجموعة اجتماعية وعلى الأفراد أن يعيشوا فيها عيشة حسنة (1).

وما من شك أن المواصفات القديمة لازالت موجودة الآن رغم حدود التجربة التي ظلت مقتصرة على مدينة أثينا. إنها تجربة خالدة وعظيمة. وما كان عظيما يظل كذلك. حيث عملت البشرية في تطوير التجربة ونقلها للأمم. فالحرية الناتجة من قيمة الممارسة الديمقراطية دليل على تهافت الاستبداد وأفول الطغيان، وفسح المجال للأغلبية المعبرة عن نبض الشعوب وثقافتها التواقة للحرية. ففي كل ديمقراطية لا يمكن القفز على المكونات والمواصفات الضرورية في عملية البناء الديمقراطي كالاختزال والبتر والانتقاء عند استحسان جوانب دون أخرى.

في الديمقراطية ما هو موحد بالمعايير الضرورية، كالقول بالحرية وسيادة القوانين. والدساتير المنظمة للحياة السياسية والاجتماعية. فكل ديمقراطية ترتمي في أحضان الثقافة التي تعمل على صيانتها وتعزيزها في أفق بناء الإنسان، ولا تعرف الديمقراطية بفصل السلطات فقط إنما بطبيعة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي والدولة. إذا كانت ممارسة السلطة تجري من الأعلى إلى الأدنى. فالديمقراطية غائبة. في حين أننا نقول ديمقراطيا على المجتمع الذي يوجه فيه الفاعلون الاجتماعيون ممثليهم السياسيين الذين يقومون بدورهم بمراقبة الدولة (2).

وكل ديمقراطية فعلية لا تختزل في النخبة المسيرة أو في النخب المثقفة التي تستوعب اللعبة الديمقراطية. ثقافة الديمقراطية واسعة من خلال تعميم مفاهيم نظرية وإجراءات عملية وتنظيمية في شكل انتخابات للمجالس والهيئات العاملة. وفي دمقرطة العقول والوعي الجماهيري الذي يطبق الديمقراطية كسلوك وفعل، والمساواة بين الناس في المواطنة والكرامة، فمن الصعب بناء العقول على ثقافة حقوقية وديمقراطية دون أن تكون المرجعية العامة للفكرة صلبة. وذات جذور فلسفية وسياسية ممتدة في بنية المجتمع والثقافة.

لقد حاولت القول من البداية في عرض مزايا ومضامين الديمقراطية الأثينية أن الشعب اليوناني استوعب الرهان والغاية من بناء المدينة والدفاع عنها ضد كل الأنماط الشمولية والتهديد الخارجي، وتحققت الفكرة مرة أخرى في الغرب الوريث للحضارة اليونانية الرومانية. تلك الروح المتغلغلة في كيان الإنسان ووجوده، وذلك البناء من التدرج والمخاض الذي أفضى إلى تبني الفكرة والعمل على تطويرها. وإنتاج القواعد الضرورية في تجديد شريان الحياة السياسية من الإرادة الفردية المطلقة إلى سلطة الأغلبية والإرادة العامة. وقلب المفاهيم في انسجام والمنظومة الليبرالية حيث اقتصاد السوق، وهيمنة القواعد والآليات في عمل متكامل للمنظومة الرأسمالية.

وفي وحدة القواعد والتكتل للدول الرأسمالية. تتجلى قدرة الليبرالية كفلسفة برغماتية. موجهة للإنتاج واكتساح العالم اقتصاديا وثقافيا، وتحويل الديمقراطية والتنمية إلى مؤشرات في تحديث الدول والتسريع بإدماجها ضمن النظام الرأسمالي، وفتح مجالها للاستغلال ولليد العاملة الرخيصة، وتشكيل الوحدات الصناعية الإنتاجية في تفكيك وخلخلة البنيات التقليدية لما هو تقليدي وقبلي. وفي غياب ثورات ناعمة في تغيير بنية العقل ورفع الجمود.

هذه المسألة كانت نقطة نقاش وجدال وبحث في مجال السياسية ومجال الفلسفة والعلوم الإنسانية في حقيقة التنمية والتخلف، وهي العوامل التي لا زال تأثيرها يسري في شعوبنا، من مخلفاتها الاستعمار الاقتصادي والثقافي، الذي كشف عن هشاشة البنية العامة ومجموعة من الأسباب التي ساهمت في التخلف والتراجع، ومنها طبائع الاستبداد في فكر الكواكبي. وغلبة التقليد والجمود والبعد عن العقيدة الإسلامية الصحيحة في رأي محمد عبده ورشيد رضا، وفي البداوة والوعظ واللعب على أوتار العصبية والتعصب كما في الفكر الخلدوني. وفي بنية العقل ومحدداته الفكرية والسياسية والاخلاقية في تحليل عابد الجابري. وتحليل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي. الذي جعل من طبيعة المجتمع العراقي نموذجا للدراسة والفهم للعقليات وللتقابل الذي ما فتئ يقيمه بين القيم البدوية والقيم الحضرية. وأسباب أخرى. فالبدوي أكثر الناس نفورا من الطاعة والانصياع للمؤسسات والقوانين الوضعية. ويميل إلى الغلبة والتغلب والتسلط، والبدوي بطبعه ميالا للرئاسة والحكم، وفي ظل منطق البداوة يصعب بناء الحضارة وتشييد العمران، ويكون العمران مهددا بالزحف والخراب من قبل البدو. كما يستعين علي الوردي بالتفسير الفرويدي في كتاب "خوارق اللاشعور" عند العرض للأفعال والسلوك التي تمارس فعلها دون أن يشعر الإنسان بها. فمن يتأمل في القضية سيتوصل لفكرة أن الحياة النفسية مقسمة بين وجود العقل الظاهر والعقل الباطن، وقد لاحظت بعد دراسة طويلة (علي الوردي) أن العرب مصابون بداء ازدواجية الشخصية أكثر من غيرهم من الأمم، ولعل السبب في ذلك ناشئ عن كونهم وقعوا أثناء تطورهم الحضاري تحت عاملين متناقضين: البداوة والإسلام (3)، والسبب أن العرب عاشوا في مجتمع بدوي قبل مجيء الإسلام.

إن قيم البداوة تحرض على الكبرياء وحب الرئاسة وتفتخر بالنسب. وتشجع على روح الانتقام وزرع الشقاق. وحب الرئاسة والغلبة وسيادة الشرف والاندفاع. أما الاسلام، رسالة في الكرامة والصفاء ضد القبلية والنزعة التعصبية الاستئصالية، فهو دين الرحمة والتقوى. ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن العربي بدوي في عقله الباطن، مسلم في عقله الظاهر. فهو يمجد القوة والفخار والتعالي في أفعاله. بينما هو في أقواله يعظ الناس بتقوى الله وبالمساواة بين الناس(4)، وكان محمد عبد الجابري في مجمل دراسته عن بنية العقل العربي من خلال تكوينه المعرفي ومعالمه الفكرية والسياسية والأخلاقية صريحا في تحليل البناء واستلهام القراءة الابستيمولوجية ومفهوم اللاشعور السياسي والقول بالأشكال الثلاثة التي أثرت في طبيعة العقل العربي منها البيان والعرفان والبرهان. وتبنى الجابري في كتاب "العقل السياسي العربي" المفاتيح الثلاثة كمحددات ومنها القبيلة والغنيمة والعقيدة، في المحدد الأول القبيلة حاضرة في كل سلوك سياسي، وفي الغنيمة يتجلى البعد الاقتصادي القائم على الريع وليس على العلاقات الإنتاجية.

وأخيرا العقيدة ومفعولها على صعيد الاعتقاد والتمذهب، وظلت الرؤية الوحيدة للأشياء هي التي تفرض ذاتها على الإنسان العربي كرؤية وحيدة وممكنة في التقدم. من ماركسية وقومية وسلفية، والتي قدمت وصفات في التقدم، وهيمنت هذه التيارات في مراحل من التاريخ العربي على الجماهير، وعند شريحة معينة، وبين تعدد الرؤى يستعين الجابري في قراءة العقل السياسي العربي وتشريحه واستلهام مفهوم اللاشعور السياسي من ريجيس دوبري وقيمته العلمية في تحليل هذا العقل كبنية قوامها علاقات مادية جمعية، وعلاقة ترابط من مصاهرة ومصالح متبادلة ونوع العلاقات الطائفية والمذهبية والحزبية الضيقة والتي تمارس ضغطها على الأفراد والجماعات، هي الطبيعة والطبع والخُلق المستفاد من البيئة والتاريخ والتربية التي تؤثر في التكوين النفسي والفكري والسياسي للإنسان، وما يميز المجتمعات العربية هو التشابه في البنيات القبلية والطبيعة الجغرافية، وإذا رمنا المقاربة التالية وإسقاطها على كل الشعوب. فان المسألة تؤدي للتعميم والسقوط في الحتمية واليقين.

ولذلك يروم منطق البحث الموضوعي العلمي النسبية والتغير حسب المكان والزمان. وحسب اللحظة التاريخية وتجارب الأمم الخاصة. ففي كتاب " طروحات عن "النهضة المعاقة " يناقش المفكر عزمي بشارة في جزء من الكتاب قضية الديمقراطية في الغرب. وفي جوهر الليبرالية بوصفها نظرية في الإدارة والحكم. وحقوق المواطن. فالديمقراطية كثقافة تستدعي نخبة عربية مميزة في ممارستها للقيادة والتدبير، وبقدر ما يناقش بشارة مفهوم الديمقراطية يناقش بالموازاة فكرة القومية، ويدعو إلى دمقرطة الفكرة القومية عبر الربط بين الفرد والأمة. وشعوره بالانتماء أفضل من الانتماءات الضيقة إلى القبلية والعشائرية والمذهبية والطائفية.

وفكرة الديمقراطية كممارسة في الميدان السياسي والاجتماعي تعني أن يتخلى المثقف عن التنظير من فوق ويتحلى بالنظرة الواقعية في إصدار الأحكام المجانية في غياب وعي سياسي وإلمام بالديمقراطية الليبرالية. وكل نهضة مأمولة في حاجة إلى مثقفين واطر متمرسة في العلم والمعرفة. وفي فهم رهانات السياسة. وقراءة أبعاد كل سلطة وقرار في مختلف تجلياته. ففي العالم العربي ومنذ الاستقلال طرحت ثلاثة بدائل جماهيرية قادتها نخب حزبية سياسية: قومية ويسارية وإسلامية. ولم تكن أي منها ديمقراطية، لا نظام عبد الناصر كان ديمقراطيا ولا المعارضة الاخوانية المنظمة ضده كانت ديمقراطية. النظام في السودان لم يكن ديمقراطيا، ولا المعارضة الشيوعية الجماهيرية ضده كانت ديمقراطية... (5).

من الواضح أن العوائق موجودة، وهي الصادة في كل تحول حقيقي من مجتمع الولاء والأنساب والشرف والولائم، وغياب المسؤولية والمحاسبة لكل فعل فردي وجماعي صادر عن رغبات ذاتية وجماعية. وضد الحرية الفردية والكرامة. وتتحول هذه المواصفات إلى عمق المؤسسات حيث التراتبية والبيروقراطية. وتنصل الفرد من المسؤولية والواجبات، وانتشار التملق والنفاق على حساب مجموع الصفات الديمقراطية والنمط العقلاني التنويري، ومن اخطر مخاطر الفردانية أنها تؤدي للكذب، والى الشخصية القائمة كدافع يجب الاستهانة بها في العمل السياسي وغيره (6)، والفردانية كنزعة تعصبية استئصالية وليست فلسفة ذاتية. لكنها تلتقي والميل إلى العشائرية والزعامة والاستقواء على الآخر. وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة الكلية. مواصفات يحللها المفكر عزمي بشارة عن النهضة المعاقة. وعن إمكانية تحليل الذات العربية السقيمة بالحاجة إلى الدواء المناسب للمرور إلى بناء الأمة من خلال دمقرطة الفكرة القومية والإعلاء من مكانة المواطن. وقيمة المواطنة البديل الفعلي للنهضة المعاقة. فالديمقراطية ليس شعارا فارغا ولا أداة خالية من مضمون. بل فكرة تحققت بالصراع بين القوى الثورية الهادفة إلى التغيير والقوى المحافظة في الدفاع عن موقعها وامتيازاتها الخاصة.

لقد باتت الديمقراطية الليبرالية بعد القرون الطويلة من التطور النظري والعملي، موضوعا مركبا يحتاج إلى اختصاص. وتكتسب النظرية الديمقراطية الليبرالية، وتدريسها كنظرية في الإدارة والحكم وحقوق المواطن، أهمية قصوى خاصة عند تولي الحكم، أو بهدف تعميم الثقافة الديمقراطية في أوساط واسعة كشرط لتعزيز القوى الديمقراطية قبل تولي السلطة(7). فهي البديل السليم للشعارات الرنانة. والأحلام الطوباوية، لكن علينا الإبقاء على الأمل في التغيير للنخب السياسية، وتشكيل الوعي النظري والعملي في مجال الديمقراطية الليبرالية، وما من خيار عقلاني وتنويري في مجال الحريات وحقوق الإنسان إلا ويتعين بالفهم والتطبيق.

إن الديمقراطية هي معركة اجتماعية وسياسية من اجل تعديلا بنيوية في طبيعة الدولة والمجتمع معا (8)، وفي قلب المعركة تتضارب المصالح والرؤى، وتتعالى الأصوات بالمطالب المشروعة وصيانة الحقوق الأصيلة، كما تنشأ في مجتمع اكتملت فيها الشروط الفكرية والاجتماعية والسياسية نحو التغيير من واقع إلى حالة ارقي وأحسن. يشعر فيها الإنسان بالحرية والكرامة والمساواة في المواطنة والاستحقاق، وبين الأمل في الديمقراطية وغيابها تبقى مشروعا تاريخيا ونظاما للعبور نحو المدنية والمستقبل مهما كانت قوة القوى المحافظة والرافضة لكل إصلاح في العالم العربي. فالمجتمعات التي تخفق في توفير شروط المدنية لأبنائها. والحرية والديمقراطية جزء هام منها، تحكم على نفسها لا محالة بالفناء وتقضي على شرعية وجودها كمجتمعات مستقلة ومتميزة(9).

لاديمقراطية بدون ديمقراطيين بتعبير فرانسيس فوكوياما، فكرة يمكن أن تكون صائبة في مجتمع قطعت فيه الديمقراطية أشواطا ومراحل، وعندنا ينبغي وضع فكرة الديمقراطية، والعمل على تربية الأجيال في اكتساب قواعدها من مبدأ التدرج في تغيير مفاهيمنا عن السياسة والانتخابات. وبناء الإنسان على القيم الحقوقية والإنسانية، وعلى النسبية والمنافسة واحترام مبدأ الاختلاف وتبادل التحية في الفوز والخسارة كتبادل الأدوار في مجتمع تعددي.

ثالثا- التجربة المغربية في سطور

الديمقراطية في المغرب عملية صعبة ومعقدة، عملية جنينية تستدعي الإرادة وتراكم التجارب وتهيئ الأجواء المناسبة في تمثلها. واستيعابها كفكر نظري وعملي عند النخب السياسية المغربية. وفي عمق ممارسة المجتمع المدني، وكل ديمقراطية تقتضي تنازلات ووحدة المشاعر والأفكار وجعل الديمقراطية حلا للمشاكل والصعوبات، والانفتاح على قوى المجتمع الفاعلة. والربط القوي بين المسؤولية والمحاسبة طبقا للدستور الجديد 2011. فالتجربة المغربية تقاس بالنوايا الحسنة في عملية الانتقال الديمقراطي والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت في سنوات الرصاص، ورفع شعار محاربة الفساد بأشكاله، وجبر الضرر. وعملية الانتقال في رأي الجابري في كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان ". وفي مجمل ما كتب في مجلة "فكر ونقد" عن الديمقراطية في الوطن العربي وعن التجربة المغربية. إن عملية الانتقال الديمقراطي في العالم العربي تتجلى في مسألتين. إما أن يتولى الحاكم بنفسه القيام بعملية الانتقال من الحكم اللاديمقراطي إلى الحكم الديمقراطي. وبالتالي التنازل عن جزء من سلطة الحكام، وإما بالصراع وإجبار القوى المتحكمة على فسح المجال للقوى الديمقراطية في المجتمع للمشاركة في السلطة وصنع القرار. فالتجربة المغربية تجسدت في التراضي والتناوب التوافقي ووضع العدالة الانتقالية على المحك وطي صفحات الماضي، وهو ما يميز الانتقال الديمقراطي في المغرب. ولا احد من المغاربة يقول أننا حققنا الديمقراطية، القول الصائب والسديد أننا في مرحلة بناء المجتمع الديمقراطي، ويمكن القول أن المغرب سلك مبدأ التدرج في عملية البناء، فأصبح الحديث عن الفساد نقاش عمومي يتم تداوله في الصحافة والفضاء العمومي، وفي حرية التعبير وتصاعد الاحتجاجات. والمطالب الشعبية في التنديد والإنصاف والمساواة. فالتدرج نحو الديمقراطية يعني السير قدما في نزع امتيازات النفوذ والثروة بأكملها أو ما يشبه الطبقة، أو ما يندرج تحت اسم الطائفة والعائلة والحزب الواحد (10). وكل ديمقراطية تقتضي المواطنة بوصفها نظاما يقوم على صيانة حقوق الإنسان. وعلى عمل المؤسسات والقوانين. وعلى التداول السلمي للسلطة بين القوى المتعددة، ومايميز المشهد السياسي المغربي. تعدد الأحزاب السياسية. ومنظمات المجتمع المدني. ولا يعكس الجابري الفكرة القائلة أن ممارسة الديمقراطية تتوافق والنضج السياسي للشعب، بل إن النضج يتحقق بفعل ممارسة الديمقراطية رغم الاكراهات والتناقضات.

فالمجتمع المغربي مطالب باستيعاب قواعد الديمقراطية ليس كشعار للاستهلاك والمنفعة السطحية إنما كشعار دو قيمة ومصداقية يُستمد من الشعب ومن ثقافته، والحل بالطبع هو ترسيخ الوعي بالديمقراطية فكر وممارسة، عند النخب السياسية. وفي التربية الاسرية. وتشكيل ثقافة عن حقوق الإنسان في الممارسة الفردية والجماعية، والبداية من الأسرة والمدرسة ومن الصحافة والإعلام والجامعة، وفي كل القطاعات العمومية. فالديمقراطية بالنسبة إلى الأمة العربية ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية قومية أساسا، وهي قضية تاريخية (11)، وهي ليست ترفا وتعليما في سياق التاريخ، بل العصر الآني لا يجعلها قابلة للتأجيل والتأخير، وإذا كان المغرب رفع منذ مدة رهان دولة الحق والقانون، فالرهان على الديمقراطية كأفق لا يحتاج الانتظار والتردد تحت دوافع سياسية وأمنية، فهي الأفق الذي تتحقق فيه حقوق الإنسان.

وفي الانتقال الديمقراطي نعيد بناء الإنسان على مصداقية العمل القوانين. وأداء الواجبات والاحتكام لسلطة المؤسسات دون تعصب إلى جهة معينة، وجغرافية على أخرى. في أمل أن يكون الخطاب السياسي واقعيا في تطبيق الجهوية الموسعة والتقليل من المركزية، وفي تحقيق مطلب اللامركزية وتعزيز آلية الرقابة والمحاسبة. وفي دمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية نتائج ايجابية على الوعي بالحقوق والواجبات وإعادة تأصيل ثقافة حقوق الإنسان في فكرنا كسلوك وفعل، مبادئ وقناعات راسخة في التربية الأسرية، وفي المدرسة والمجتمع، وان ننصرف إلى إبراز عالمية وكونية حقوق الإنسان في كل من الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية، أعني كونها تقوم على أسس ومبادئ فلسفية واحدة، الكونية والخصوصية.

إن ما نعنيه بالتأصيل الثقافي لحقوق الإنسان في فكرنا العربي المعاصر هو إيقاظ الوعي بعالمية حقوق الإنسان داخل ثقافتنا (12). فالمفكر المغربي الحامل للهم والقلق في التنمية وفي التغيير لازال يعيد تكرار السؤال للبحث عن الممكن في سماء الإعلاء بالتجربة والسمو بالإنسان، من قبيل: المغرب إلى أين؟ ما هي محاسن ومساوئ التجربة المغربية؟ هل التجربة المغربية وليدة الحاجة للتغيير أم هي تقليد للتجارب الأممية والدخول في عصر العولمة؟ الأسئلة يرصد فيها المثقفون والمتابعون القيمة المضافة كأول تجربة في العالم العربي، تجربة إعادة الاعتبار للذاكرة وولوج جانب من البحث في تربية الإنسان على احترام حقوق الإنسان وصيانة الدولة للانتقال الديمقراطي، ويمكن للآخر أن يعيب على التجربة المغربية السرعة في الانتقال وفي غياب التفعيل الضروري للدستور في مجموعة من البنود والمواد، وحاجة المجتمع المغربي ككيان مركب يعيش مجموعة من التناقضات والمواصفات، من تدين وتقليد ووعي سياسي ومتطلبات المرحلة من قبيل القطع مع الماضي كشرط لبناء المجتمع الحداثي، وإعادة النظر في ثقافتنا واستيعاب متغيرات العصر.

خلاصة

أصبحت الديمقراطية مطلبا عالميا وإنسانيا لما تنطوي عليه من مزايا جوهرية في العبور نحو السلم الاجتماعي وتحقيق التنمية المنشودة. وفي الديمقراطية اختيارات شعبية في تكريس السلطة المشتركة. الديمقراطية كفكر وممارسة استوعبها اليونان وتوسعت قواعدها في الغرب الحديث. وهيمنت على الواقع الاجتماعي والسياسي. وفي عالمنا لازال الانتقال الديمقراطي يراوح ذاته في تجاوز العوائق الذاتية والموضوعية. وتحقيق الانتقال الفعلي عندما تصبح فكرة الديمقراطية في الوعي الشعبي. دون اختزالها في التصويت او العمل على بتر بعض اسسها. الديمقراطية قضية أساسية في بناء الدولة الحديثة. دولة الحق والقانون والمؤسسات.

* احمد شحيمط، كاتب من المغرب

................................................
الهوامش:
(1) الان تورين "ما الديمقراطية؟" ترجمة عبود كاسوحة. وزارة الثقافة – دمشق. 2000 ص4
(2) الان تورين. نفس المرجع. ص 56
(3)علي الوردي "وعاظ السلاطين" دار كوفان للنشر. بيروت. الطبعة الثانية 1995 ص19
(4 علي الوردي. نفس المرجع. ص20
(5) عزمي بشارة " طروحات النهضة المعاقة " دار رياض الريس للكتب والنشر. بيروت 2003ص 194
(6) عزمي بشارة. نفس المرجع. ص 139
(7) عزمي بشارة. نفس المرجع. ص190
(8) برهان غليون " بيان من اجل الديمقراطية " المركز الثقافي العربي , الطبعة الخامسة المغرب 2006 ص221
(9) برهان غليون. نفس المرجع. ص232
(10) محمد عابد الجابري " الديمقراطية وحقوق الإنسان " كتاب في جريدة. 2006ص 05
(11) محمد عابد الجابري. نفس المرجع. ص8
(12) محمد عابد الجابري. نفس المرجع. ص01
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0