لقد كان القرن العشرون يشغل على مداه تاريخ صراعاتنا مع الحداثة ومع أو بعد خاتمة هذا القرن المتوتر أمعن تراثنا في انتصاره على الحداثة، وتكمن المفارقة في أنه أسوء انتصار في تاريخ حضارتنا أو الوجه المقلوب في هزيمتنا.

لقد تحصنّا امام الحداثة وتدرّعنا بتراثنا وإبائنا الاجتماعي أمام موجات التحول التي شهدها العالم الحديث، وهذا النوع من الإباء انما هو يستند في تبريره وشرعيته إلى العلاقة بالهوية في التصور الاجتماعي لدينا، فالهوية بالنسبة لنا نحن العرب المسلمين لا تكف عن ان تكون تاريخا يمتزج بالتقاليد وهي تتقمص ابوية هذا التاريخ لأنها حكمة وقيم الآباء والأسلاف، ولا زلنا نفسر التاريخ بانه عبرة ولا نحسب للقطيعة معه أي حساب لأنه في ظننا قطيعة مع الدين، وهكذا يكون الدين فينا تاريخ الآباء أو الأسلاف.

ولأنها أي التقاليد في إرثنا الديني أو بالأحرى في موروثنا الثقافي أبوية في حكمتها وفي قيمها فهي تمثل الاصالة التي وضعناها دائما بوجه الابداع، فصارت جريرته البدعة حين منحناها أي تقاليدنا "موروثنا الثقافي" ذلك البعد الديني في القراءة الغالبة للدين، وفي تلك التصورات والقراءات غير الناضجة للتاريخ -لتاريخنا الديني- تكّون لدينا مبدأ التراث إدراكا دينيا وتصوراً اجتماعيا وليس مجرد تراكم ثقافي- زمني قابل للأخذ والرد.

إن اندماج التراث في شخصيتنا العربية يمتلك خصوصية معينة في تركيبة شخصيتنا الاجتماعية، فقد ذكر الله تعالى ان سبب ممانعة العرب في اعتناق الاسلام إنه يخالف تراث آبائهم وعقيدة أسلافهم. فقد احتجوا في مواجهة الإسلام بما نقله القرآن الكريم حكاية على لسانهم (إنا وجدنا آباءنا على أُمة وإنا على آثارهم مهتدون) سورة" الزخرف" اية"22" وقوله تعالى حكاية على لسانهم أيضاً (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق) سورة "ص" اية "7" وقد منحوا تراثهم ذلك البعد الديني فاستعصى على التخلي منه عند العرب الجاهليين. و"الاختلاق "الجاهلي مفهوما كان العرب يواجهون به كل جديد على ما يبدو من آيات القرآن الكريم هو الذي استعاده مفهوم الابتداع أو (البدعة) في التراث العربي الاسلامي. وهكذا الشخصية الاجتماعية العربية تتحصن دائما امام الجديد والمبتكر بالتراث الذي لا زلنا نشهد مواجهته للحداثة أو مقاومته الجديد المبتكر في التاريخ الحديث والمعاصر.

ورغم ذلك فقد تغلغل هذا العالم الحديث في حياتنا واجتماعنا لكننا لم نتغلغل فيه الا عرضا أو سطحيا لان تراثنا أوصد أبوابه أمامنا وسمح لنا اضطرارا بمعاينة نوافذه المحكومة بالرقابة الصارمة سياسيا ودينيا، بينما استطاع تراث الاسلام في مجتمعات أُخر من المسلمين غير العرب ان يفتح ابوابه وان يستثمر امكانات العالم الحديث في بناء ذاته القومية ومجتمعه ودولته- تركيا، ايران، إندونيسيا، ماليزيا- لكننا لم نستثمر امكاناته وقدرته على التحول نحو عالم حديث بينما استثمرنا هو في موجاته الاقتصادية الهائلة والمتعاقبة والمعتمدة في جزء كبير منها على ثرواتنا ونفطنا. وفي النقاش المعرفي نؤكد عدم ايماننا بالمتمايزات العرقية والتضاديات الجوهرية في الطبيعة الانسانية، لكننا وبقدر ذلك نؤمن بسيادة مركب ثقافي من نوع واحد في تاريخنا وحياتنا العربية ولا نؤمن أيديولوجيا ومعرفيا باستحالة الكسر، فقد كسر الاسلام تراث العرب الجاهلي وفتح ابواب الصحراء وامكاناتها على كل الحضارات.

لكن ظلت امتدادات هذا التراث الجاهلي مغروسة في مركبنا الثقافي العربي الاسلامي. وهنا نشهد تلك المقاربات الخطيرة بين فكرة الآباء والأسلاف في التراث الجاهلي مع مفهوم السلف لدينا في التراث الاسلامي حتى صارت السلفية تعبيرا عن هذا التراث نتيجة لتجذرها الاجتماعي فينا وصارت حاملة لواء التراث في مواجهة الحداثة وهي تذكرنا بمواجهة الاسلام مع فكرة الآباء والأسلاف الجاهلية.

لقد خرجنا من القرن العشرين ونحن نقلّب اوراق تراثنا هذا خلف أبوابه المؤصدة امام الحداثة نبحث فيه عن أو في أزمتنا فاكتشفنا في قراءتنا له ان عصياننا لله تعالى هو خلف كل أزماتنا وهزيمتنا، وان آثامنا وذنوبنا هي التي اغلقت امامنا بوابات النصر** وكأننا بدعا من الامم فاستطبنا جلد الذات وكان التراث يقدم لنا في قراءته الضالة من جانبنا صورا بشعة من الحلول، فقد قرأناه بحثا عن الحلول مثلما قرأناه بحثا في اسباب أزمتنا وكانت هذه الحلول تعبيرا صميميا عن ايماننا وسلوكنا في جلد الذات وهي وفق تصورنا حلا تراثيا ابويا سلفيا لأزمتنا، فكانت بعض حلول تراثنا أو بالأحرى حلولنا التي اسبغناها بقداسة التراث هي حرق الآثمين والمذنبين لانهم سبب هزيمتنا ثم نُكفر بعضنا بعضا وترسيخ حق النجاة المنفرد لنا كأجزاء، كأقسام، كفرق، ولسنا كأمة واحدة أو شعب متجانس عقائديا ودينيا.

هكذا بدأ التطرف يرشح عن تراثنا في تلك القراءة الضالة المستندة إلى ذلك التداخل الصميمي بين تاريخنا وثقافتنا التي تكلست فينا مركبا دينيا وليس مجرد ثقافة عابرة، ثم هو اندماج التاريخ في صلب واقعنا فهو لم يعد مجرد تأريخ عابر بل هو تراث ممتد وناشط وفاعل ويبرر امتداده ونشاطه وفاعليته بوجوب شرعي وديني. عندئذ تتحول تلك القراءة إلى ايديولوجيا تنخر فينا سيكولوجيا وتقودنا الى ذلك العداء للآخر وهي تشحن كل ذلك التضاد في التراث للحداثة لأنها (أي الحداثة) صورة للآخر الذي لا تشمله النجاة في تراثنا ثم انها أي الحداثة تضع أو تبرر أو تسمح بصورة للآخر خارج تراثنا وهي اللحظة الفاصلة لنا عن الحداثة، فالحداثة باختصار هي الآخر في صورته، في هويته، في دينه، في مذهبه، في عقيدته، في رأيه، في مبدأ حريته، ثم هي الآخر في نشأتها التاريخية- الاوربية، وكان التراث بإمكانه استيعاب الآخر في فكرته لاسيما وانه يختزن ذلك النوع من الايمان بالآخر في القراءة المستقيمة له، لكن الخشية غير المبررة في احيان كثيرة من أن يتغول الآخر أمامنا أمام (ألأنا) الخاص بنا، كان التراث جاهزا في استحضاره لنتحصن به لنتدرع به أمام تغول الآخر الذي لا نبرأه أيضاً من رغبة التغول.

وكانت الحداثة بذلك هي ضحية الخشية والتغول مثلما كانت ضحية مركب ثقافي فينا يمتد إلى فكرة السلف الموروثة عن فكرة الآباء والأسلاف الجاهلية وامتناعها عن كل جديد مبتكر، وقد أوحت بان ازمتنا مركبة في بنيتنا لأننا بنية سالبة بوجه الجديد المبتكر ثم سالبة في التراث بوجه الحداثة لدى القراءات المعاكسة والاستشراقية الاصولية الغربية قد سعت الى ترسيخ مقولة أن أزمتنا في تراثنا، في ديننا، في ثقافتنا، وقد وجدت لها في ايديولوجيات التراث الاصولية خير معين وافضل، دليل واخطر ما اوحت به تلك القراءة الملتبسة تراثيا واصوليا ان التطرف فكر والارهاب سلوك كامن بعمق في تراثنا بل سعت إلى ترسيخه في ديننا. وفي القراءة المستقيمة غير الايديولوجية سواء ايديولوجيا التراث الاصولية او ايديولوجيا الاستشراق الغربية لا نجد ان أزمتنا مركبة في بنيتنا المركبة في تراثنا بل في تاريخنا الذي فشل في تواصله واستمراره وتعطل تحت ضغط التراث الاصولي وايديولوجيته على أثر ذلك اللقاء بين الحداثة والتراث في القرن التاسع عشر الميلادي والذي كان بإمكانه ان يحدث تحولا ما باتجاه عالم حديث وقد فعل في بعض جوانبه لكن الاصولية التراثية كانت عائقه الاكبر.

واذا اردنا ان ننقب في تاريخنا عن اللحظة التي انبثق فيها الارهاب الذي صار تعبيرا دراماتيكيا عن ازمتنا واخطر ما نعيشه من نتائج ازمتنا فإننا سنعود إلى تلك اللحظة الفاصلة لنا عن الحداثة، إلى ذلك اللقاء الفاشل والعاجز بين الحداثة والتراث في منطقتنا في القرن التاسع عشر الميلادي والذي كان يحمل امكانات نجاحه على يد الجيل الاول من الاصلاحيين المسلمين المنضوين في مدرسة السيد جمال الدين الافغاني الذي يعد الباعث الرئيسي الاول للروح العصرية في الإسلام(1)، لكنه حين أستثير التراث بقوة وبحرفية النقل فانه قضى على كل امكانات اللقاء وقدرة الثقافة الاسلامية على استيعابه مثلما حدث في دول اسلامية أُخر غير الدول العربية.

مثلث الصدام.. اللامعقول والتراث والحداثة

لم نكن على موعد في تاريخنا مع الحداثة، لقد ظهرت بمفاجأة لم نكن نتوقعها فقد كنا نغفو على عتبة التراث حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي مشغولين بمناظراته وخلافاته الكلامية واستنساخه شرحا وتلخيصا، ثم نمت عليه طفيلية الهوامش التي أغرقتنا بخرافاتها وعاداتها وتقاليدها في اللامعقول الذي ظل راهنا في ثقافتنا حتى يومنا هذا والذي أخذ يرتكب فيه واقعنا منذ طلاقنا الحضاري تاريخيا في منتصف القرن الخامس الهجري- منتصف القرن الحادي عشر الميلادي(2).

وهو الذي أنتج كل هذا اللامعقول في حياتنا وفي ثقافتنا والذي اصطدم في القرن التاسع عشر الميلادي بالتراث اصطداما دينيا على يد الحركات الاصولية المتدرعة أو المحتجة بالتراث، واصطدم بالحداثة اصطداما بنيويا ومعرفيا على يد الحركات الاصلاحية المتدرعة والمحتجة بإمكانية الحداثة الاسلامية. ثم اصطدمت الحداثة بالتراث فنشأ مثلث من الصدام بين اللامعقول والتراث والحداثة كل يحاول ان يطيح بالاثنين معا.

إن اللامعقول ينشأ ويتكون في غياب العقل وقد أفاد من القراءة السلبية للتراث والاصولية التي تؤمن بالنقل.

ان هذا التراث الاصولي الذي حارب اللامعقول في بدء حركته في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين يؤمن بالرقية والتعويذة والسحر والحسد ويُغذيها بالرؤية الدينية التي لا تصمد بالتحقيق بل تستمرئ النقل وتتغذى به. والناطق باسم هذا التراث الاصولي في هذين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين هو المذهب الوهابي الذي يصنف نفسه ويصنفه البعض من الكتاب المسلمين على انه حركة تراثية اصلاحية بسبب مواجهتها للامعقول في البلاد الاسلامية، لكنها تتصل به ومن طرف خفي في ايمانها بالرقية والتعويذة والسحر ومنهجها القائم على النقل وإقصاء العقل، وكانت وسائلها في مواجهة اللامعقول تقوم على التكفير والاتهام بالشرك والصدام والتدمير، وهكذا بدأت معركة التطرف الفكري في تاريخنا في مواجهة اللامعقول.

ولم تكن الاصلاحية الاسلامية باقل منها في إدانة اللامعقول والتنكيل به والذم الديني له، لكنها لم تلجا إلى التكفير واتهام الشرك، ولم تتخذ التطرف وسيلة في مواجهته، وقد تراجع اللامعقول حينا في حياتنا وتاريخنا نتيجة الضربات الموجعة التي وجهتها له كلا الحركتين الاسلاميتين الاصولية والاصلاحية، الا انه ظل كامنا في ثقافتنا ينتظر فرصته للعودة من جديد في حياتنا، وفي تراجعه النسبي في القرن العشرين تكون ساحة الصراع قد خلت للتراث والحداثة لكن لم يستطع أحدهما ان يقضي على الآخر بصورة حاسمة في القرن العشرين وان بدا فيها هيمنة الحداثة وقوتها لكنها خسرت كل شيء بعد القرن العشرين وعاد التراث وبنسخته الاصولية من جديد يستعيد هيمنته في حياتنا وتاريخنا الجديد- القديم في القرن الواحد والعشرين مع هذا التطور الاصولي الكارثي في منطقتنا.

وحين ظل اللامعقول كامنا في ثقافتنا راسبا في قاع الوعي لدينا بعد عجزه في مواجهة الاصولية والاصلاحية الاسلاميتين. فانه قد عاد حافا بهذا التطور الاصولي الديني وداخلا فيه احيانا، فقد شهد عودة جامحة له في روحانياته الزائفة والمفبركة مع كل ما نشاهده في عودة الطب الروحاني والشعبي وعودة الفلكي- الخرافي وإيهامات السحر والشعوذة في ايامنا هذه، وقد ساعدها على ذلك البث الفضائي والقنوات العابرة للدول والشعوب، وقد ركب اللامعقول أيضاً الموجة الاصولية هذه المرة مع الموت اللامعقول في العمليات الانتحارية والقتل اللامعقول للناس في العمليات الارهابية وهو يستند إلى اللامعقول في نشأته تحت أو في مخلفات التراث المقروء سلبا والمنشور بواسطة النقل منهجا اصوليا ودينيا يقف على الضد من العقل منهجا ودينا، وكان مبعث هذا الموت والقتل اللامعقول والذي صبغه الارهاب سلوكا هو مناطق التراث الاصولي والحركات الاصولية السلفية التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي في الجزيرة العربية.

مناطق الصراع بين الحداثة والتراث

لقد خلق الصراع بين الحداثة والتراث في عالمنا مناطق نفوذ تعود لكل منهما واصبحت هذه المناطق تعاني صراعا مستمرا بينهما اخذ صورا متعددة منها ثقافية وسياسية واقتصادية منذ اللحظة الاولى في الصدام بين الحداثة والتراث في القرن التاسع عشر الميلادي. إننا كأمة عربية نبحث دوما عن جذور صراعاتنا في تاريخنا البعيد والقريب وتلك خصيصة تاريخنا وواقعنا العربي الذي لا يجد ذاته في الحاضر التاريخي إلا تراكما عن الماضي الذي يحمله الينا تراثنا المشدودين اليه بقوة واحتمال كبير.

وعلى نهج ذلك الماضي القريب فقد تكونت في عالمنا منطقتان ثقافيتان مثلتا الصراع بين الحداثة والتراث بشكل رسمي وشقتا تاريخنا الذي ظل على وتيرة واحدة خارج كل وقائع التاريخ الحديث منذ ان سقطت بغداد سنة 656هـ/1258م واطيح بالحكم العربي الاسلامي ومعه اطيح بتاريخ كل العرب حتى انبعاثه مجددا بعد سقوط الدولة العثمانية في العقد الثاني من القرن العشرين التي بدت فيه تلك المنطقتان متمايزتان الواحدة عن الاخرى بل مختلفتان متضادتان وتشكل احداهما الاكثر تمثلا للتراث في عالمنا العربي وهي منطقة الجزيرة العربية التي نشأت الدولة الملكية فيها على اساس قيم واعتبارات التراث وقبلها كانت تنشا الحركة التراثية الاصولية- الوهابية التي نشأت هذه الدولة الملكية-السعودية على أثرها أو بسببها. واما الاخرى فإنها المنطقة التي شهدت اتصالها بالغرب وتسلل الحداثة اليها في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي في مصر، ويذهب كثير من الباحثين إلى انها بدأت في مصر مع حملة نابليون بونابرت سنة 1798م. واما في بلاد الشام فإنها بدأت في العقود الأُول من القرن التاسع عشر الميلادي مع نشاط البعثات التبشيرية وإنشائها المدارس والكليات وكان اقدمها مدرسة أميركية للبنات في العام 1830م، وكان ظهور المطابع والصحف والمجلات والكتب الحديثة لرواد النهضة والاصلاح في مصر وبلاد الشام في هذا القرن (3) له دور في وصول الحداثة من خلال تلك الاصدارات المصرية والشامية إلى العراق في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر من خلال الموصل عبر طريق حلب (4) أو إلى بغداد مباشرة من سوريا.

وإذا كان اتصال هذه المنطقة جغرافيا بالغرب عن طريق البر والبحر وتغلغل المصالح السياسية والاقتصادية للرأسماليات الناشئة حديثا في أوربا هي التي فتحت امامها ابواب الحداثة فان عزلة المنطقة الاولى "منطقة الجزيرة العربية" جغرافيا في صحرائها هو الذي اقفل امامها ابواب الحداثة اضافة إلى اقفال التراث لها الذي بدا فاعلا وقويا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي مع ظهور الحركة السلفية الوهابية التي تتجذر بقوة في التراث الاصولي وتقف بعدائية متطرفة بوجه الحداثة. وكان ظهورها تاريخيا متزامنا تقريبا مع وفود الحداثة الينا. ورغم أن مبدأ الحداثة من وجهة نظر ادونيس هو الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العامة في تغيير هذا النظام(5) الا ان السلفية التراثية ممثلة بالوهابية كانت تسعى ايضا إلى تغيير النظام الاجتماعي والدين القائم في الجزيرة العربية وفي بلاد المسلمين عامة، وهي بذلك تلتقي والمسعى الحداثوي الذي تبناه رواد النهوض والاصلاح الاوائل الا ان اختلافهما أو تضادهما في اتجاه التغيير هذا. فالسلفية الوهابية تسعى باتجاه ماض أو تراث من العبث إحياؤه أو حتى محاولة ذلك، فالتاريخ الحديث فرض منطقه بقوة في التغيير باتجاه المستقبل وذلك هو جوهر الحداثة، لكن بالنسبة لروادنا الاوائل ولحركتنا الاصلاحية فإنها قد سعت إلى مستقبل من الصعب بلوغه استنادا إلى نسخته الغربية. ان السلفية الاصولية وبالقدر الذي لم تستطع فيه استيعاب الحداثة ومبدأها في التغيير المستمر في التاريخ الحديث وهذا ما عبر عن عجز هذه السلفية الاصولية فان النخبوية الاصلاحية والحداثوية الاسلامية لم تستطع أيضاً ان تنجز برنامجا حداثيا- اصلاحيا (6) على مستوى التنظير فضلا عن التطبيق مما اورثها ذلك الفشل.

وقد أنتج عجز التراث وفشل الحداثة وصعوبة اللقاء بينهما ذلك الصراع المستمر بين مناطقهما وكان صراعا مستمرا في القرن العشرين لاسيما في النصف الثاني منه.

فقد استمرت الخلافات بين العربية السعودية ودولة مصر ثم الخلافات بينها وبين العراق وبعد ذلك الخلافات بينها وبين سوريا وهي مع كونها خلافات سياسية لكنها تبقى في اعماقها خلافات جوهرية بين الحداثة والتراث رغم عدم تمثل الكل للحداثة والتراث تمثلا حقيقيا بل تمثلا ايديولوجيا وضع لخدمة اهداف وغايات لا تبلغ الغاية المثلى في الحداثة والتراث، وكانت دولة الحداثة غير المكتملة وهي مصر وسوريا والعراق تنعت دولها بالتقدمية والاشتراكية فضلا عن القومية العربية وتنعت نظمها بالعلمانية لكن ذات النزعة الشرقية في الاستبداد، بينما كانت تنعت العربية السعودية منطقة التراث الاصولي بالرجعية والتخلف في اشارة إلى عدم خروجها من التاريخ القديم، وهي مقارنة ضمنية وتلفيقية غير مجدية بين حداثتنا والتراث. وكان مبدأ الإصلاحية الاسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي في منطقة الحداثة الاولى هو الدولة بينما كان مبدأ الاصولية الاسلامية ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي في منطقة التراث الاصولي هي السلطة، وقد اكسب هذا التباين الايديولوجي بعدا اضافيا آخر في الصراع بين منطقة الحداثة ومنطقة التراث الاصولي في عالمنا العربي يتلخص في سعي بقايا السلفية الاصولية في القاعدة وداعش ومنظمات أصغر تتراوح بينهما في الولاء والمنطلق إلى ازالة تلك الدولة في العراق وسوريا وليبيا والى حد ما في مصر كأثر "هذه الدولة" من اثار الحداثة الغربية في نظرها الايديولوجي الاصولي وقد اخترقت الجسد الاسلامي بعلمانيتها ثم بديمقراطيتها الناشئة بعد سقوط انظمتها.

وقد كان الترويج المتطرف للطائفية السياسية واحدة من أساليب هذه الحركات الاصولية التي نصبت نفسها حارسا للتراث الاصولي عبر التحريض على الاخر المسلم وغير المسلم، وهو تحريض اكتظت به اوراق هذا التراث الفاعل السلبي في تخريب النسيج الاجتماعي لمجتمعات هذه الدول والغاء الهوية الوطنية التي استطاعت الحداثة ان تشتغل عليها في القرن العشرين كقاعدة تتوطد من خلالها الدولة الوطنية وقد وضعت تلك الحركات الاصولية في قبالتها الهوية الدينية ذات النزعة الطائفية التي تسببت في كل هذا التطرف والارهاب والخراب الذي لحق بدولنا ومجتمعاتنا.

الدولة والسلطة.. صدام الحداثة والتراث

لقد كانت البداية التاريخية للحداثة في عالمنا العربي هي الافكار التي حملها الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي وضمنها كتابه (تخليص الابريز في تلخيص باريز) و(مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية) وهي وفق ما يلخصه ادونيس وبتعديل منا:

أولا: ضرورة اشراك الشعب في الحكم.

ثانيا: الشرائع تتغير بتغير الظروف.

ثالثا: الالحاح على فكرة الوطن وشخصيته القانونية وفكرة الامة المرتبطة بالأرض.

رابعا: ضرورة العلوم الحديثة ودراستها للفتيات والفتيان.

خامسا: هذا التغيير لا يحدث الا بشرط الحرية.(7)

ورغم ان أدونيس يؤكد ان الطهطاوي يتبنى عدم التعارض بين الموروث العربي والمدنية الحديثة. الا ان التعارض ظل قائما بين السلفية التراثية الناهضة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي في الجزيرة العربية وامتدادها في مصر وبقية البلاد العربية المحيطة بها وحركة المدنية الحديثة الذي بدأ ريادتها الشيخ الطهطاوي. وبالقدر الذي تدور فيه افكار المدنية الحديثة أو افكار الطهطاوي حول الدولة فان السلفية التراثية أو الاصولية وبطبيعة ارتدادها التاريخي لم تكن تُعنى بالدولة كمؤسسة حديثة أو بمفهومها الحديث بل كان محور اولوياتها هي السلطة والبيعة التي تكفل شرعيتها وليس مشاركة الشعب في بناء دولته هي التي تكفل شرعية نظام الحكم فيه. فالبيعة إلزام وقسر مادي ومعنوي والمشاركة اختيار وحرية مصونة. ومبدأ الحرية في الحداثة هو الذي اقلق السلفية-الاصولية وجعل فكرة الدولة في قائمة الشبهات الحديثة فالحرية هي مكمن الخطر كله في التصور-الاصولي رغم انها فهمت في الاصلاحية الاسلامية على انها توازي فكرة العدل والانصاف في التراث الإسلامي (8) الذي ينزع عن هذه القراءة الاصلاحية.

ونقدر أهمية الدور الذي مثلته أو أدّته الاصلاحية الاسلامية في نشر فكرة المدنية والحرية ومستويات فهمها المتعدد في ملاحظة ابداها مؤرخ مغربي في العام 1911م ذكر (قد اكثر الناس في هذا الزمان من تناول لفظ الحرية والمدنية يلوكونها بألسنتهم وهم بين قادح ومادح من غير تفريق ولا بيان)، ويستنتج عبد الله بلقزيز ان المعنى بهذه الحرية هي الحرية السياسية التي يوافق مدلولها معنى العدل وهذه الحرية وبمدلولها السياسي هذا تصطدم وبقوة بفكرة أو مبدأ الطاعة الذي تبني عليه وبقوة اساسية الولاية الدينية في مبدأ السلطة في التراث الاصولي، فالطاعة واجبة ولو لأمير فاجر. وتعارض السلفية الاصولية مقولة الحداثة في تغير الشرائع بتغير الازمان، فالشريعة تقام كما هي في صدر الاسلام الاول أو عصر الصحابة الاوائل قبل التداخل الحضاري والثقافي بين المسلمين والامم الاخرى واتساع المجتمع الاسلامي وانفتاحه على صور في الحياة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ نزول الشريعة لاسيما وان الاصولية تقف وعلى الضد من الاجتهاد في الشريعة والفقه نتيجة قداسة التراث واعتباره الاصل في ادراك الدين والشريعة، فالزمن كان قد توقف بتمامه وكماله في خير القرون وهو قرن النبي محمد (ص) والصحابة. وهو بذلك يصطدم بقوة مع الدعوة الحداثية الاسلامية القائلة بتغير الشرائع مع تغير الازمان أو الظروف، واذا كانت القواعد الممهدة للدولة في الاصلاحية الاسلامية تتعرض إلى التفنيد الاصولي لها وعدم القبول الشرعي لها من جانب السلفية والاصولية فإنها ظلت تمثل ذلك المبدأ الاول في صميم الاصلاحية الإسلامية، ويرى عبد الاله بلقزيز ان فكرة الدولة نشأت في رحم فكرة الاصلاح وان الجيل الاول من الاصلاحيين لم يبد عناية فائقة بالجوانب الفقهية (9) التي عنت بها السلفية الاصولية عناية جامدة ونقلية غير متحررة بشروط الاجتهاد.

لكن إلى اي مدى استطاعت هذه الحداثة-الاصلاحية الاسلامية ان تنجز مهمتها في الدولة؟.

كانت الدولة الحديثة التي انخرط المسلمون والعرب في نظامها وادارتها في اعقاب انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى مجالا خاضت فيه الحداثة قدرتها على وضع وادارة التنظيمات، وكانت لها قبل ذلك تجربتان في هذا المجال الاولى مع تجربة الاصلاحات في دولة محمد علي الكبير في مصر وتجربة التنظيمات وهي مجموعة اصلاحات سياسية وادارية وعسكرية قامت بها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد نظرت الاصلاحية الاسلامية إلى الدولة بأهمية فائقة واعتقدت ان الخلل الذي اصاب بنية المجتمعات الاسلامية العربية ومدنيتها يعود إلى تخلف الدولة وتخلف نظامها السياسي وقد كانت الدولة في منظور الاصلاحية الاسلامية جزءاً من تحد ثقافي وحضاري يواجهه المسلمون في العصر الحديث لكنه قد تحول اخيرا إلى تحد سياسي خطير بعد ان فشل العرب في اتقان الاستجابة إلى كل التحديات.

وكانت المقارنة بين مبتكرات الحداثة في السياسة والحكم ونظام الاسلام السياسي-الفكري قائمة وظاهرة في القرن التاسع عشر الميلادي وفي صور هذه المقارنة في هذا القرن أعيد طبع الكتب القديمة حول السياسة الشرعية الاسلامية وقد كان العدل والاستبداد هما موضع أو موضوع الدرس والبحث اضافة إلى العلم والعقل في تلك المناظرة الاصلاحية الاسلامية آنذاك. وقد كان الميل واضحا لدى هؤلاء الاصلاحيين إلى الاتجاه الليبرالي بصيغته الاسلامية في الشورى والحكم النيابي ومعارضة الاستبداد لاسيما شعبة الاستبداد الديني كما أطلق عليه هؤلاء الاصلاحيون.

وقد عدوه الاستبداد الاخطر لاسيما عند عبد الرحمن الكواكبي ومحمد حسين النائيني وهو يشكل اعتراضا ضمنيا على مبدأ السلطة والطاعة لولي الامر في التراث الاصولي والذي سيشكل لاحقا مواقع الصدام بين السلفية-الاصولية والافكار الديمقراطية والليبرالية بعد موجة سقوط الانظمة الدكتاتورية العربية، وسينبعث التكفير لهذه الافكار وحملتها واستهداف الشعوب والاقليات التي رأت فيها بارقة الخلاص من جور الاستبداد والدكتاتوريات المقيتة بالفتك والارهاب، الذي ظلت تشحنه التراثية-الاصولية بذات الافكار والنوازع. فلا عجب ان نرى استحضار ابن تيمية فقيها سلفيا وفقيها أصوليا اشتقاقا من المعنى الحديث للأصولية بعد القرن العشرين عند الاتجاهات السلفية مثلما تم استحضاره وبقوة قبل القرن العشرين مع انبعاث هذه السلفية الاصولية في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي.

ولذا نرى من الخطأ التحليلي دمج اتجاهات الاصلاحيين الاوائل مع الاتجاه السلفي العام في المنطقة كما يفعل العروي في مقابلته لهؤلاء الاصلاحيين مع الليبراليين. لقد اسهم الفكر الاصلاحي الاسلامي جزئيا في اقامة دولتنا، لكنها في صبغتها العامة فإنها دولة قامت على مقترحات النظام السياسي الحديث الذي قام في الغرب بفضل الحداثة، لكنها أيضاً لم تقم على اساس كلي في التحول الحداثوي ولم تنبثق عن الجوهر في التحول المرتهن بتحول المجتمع وظلت تعيش على سطح الحداثة واكتفت بالعرضي في هيئة الدولة وهو شكل النظام السياسي المفتقر إلى المضمون الحقيقي في نظم الحداثة السياسية. يقول علي مبروك (الدولة قد استحالت إلى مجرد شكل حداثي فوق قاعدة مجتمعية ذات طبيعة قبلية بدوية... ان الامر يقف عند مجرد النظام الحداثي احزاب، برلمانات، نقابات.. الخ على قمة مجتمع تراثي تقليدي (10)، مما جعل الدولة تعاني من العزلة عن المجتمع والمجتمع يعاني انفصاما عن الدولة. فالدولة منتج اجتماعي سياسي يتطور من خلال بيئته بعد ان تنتجه بيئته وفق قوانينها الخاصة. لكن دولتنا فرضت علينا لم تنتج من داخل مجتمعاتنا مما اوقعنا في تناقض بنيوي آخر حول دولتنا يتردد بين القبول والرفض قبولا لانعدام البديل والرفض لأنها لم تقدم لنا البديل الطموح.

أمست دولتنا نقيض الحب ونقيض الكراهية نقيض الولاء ونقيض العداء نستعين بالخارجي الدولي والاقليمي ضدها، وفي النقيض زعمنا اننا ندافع عنها انها دولة مفبركة بين الولاء وصوت الادعاء لا نجرؤ على نقضها ولا نقدر على بنائها، انها فوضى العلاقة التي سمحت بتسلل التطرف الفكري، فالإرهاب الاصولي حين تتحرك تناقضات بنيتنا الداخلية وتهتز كل إحتقانات التاريخ ومن ثم تنفجر، فالدولة العربية قبل سقوطها المدوي في 9/4/2003 ثم سقوطها في ما عرف بالربيع العربي منذ عام2010-2011م كانت الحارس الامني الرهيب على انبثاقات التاريخ القاتلة، لكن لم تعي الدرس بان الحراسة البوليسية لا تكفي للأمن من اهتزاز التاريخ بكل متناقضاته بل العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة هي الوسائل الكفيلة بطي صفحات تاريخية من الحقد والكراهية المذهبية والطائفية، لقد كانت الدولة العربية حتى غير عادلة في مسؤولية الحراسة الامنية على إنبثاقات الكراهية والحقد في تاريخنا وغير أمينة ايضا.

ان الضغط غير المتكافئ للحراسة البوليسية في الدولة العربية انما هو تعبير عن ازمة تفكك داخلي في منظومة هذه الدولة وتعبير عن حركة تناقضات مركبة في بنيتها انفجرت بكاملها في لحظة سقوط انظمتها واكتشفنا ان دولتنا هي وهم عواطفنا وخرافة بائسة في تاريخنا الحديث. وكان سقوطها يمثل سقوط أهم رهانات الاصلاحية الاسلامية في القرن التاسع عشر وسقوط آخر رهانات الحداثة العربية التي انقمعت بشكل خطير في أزمتنا الراهنة.

ولقد كانت فرصة أمام التراثية السلفية وواجهاتها الاصولية ان تنتقم من انتصارات الحداثة المؤقتة في عالمنا وفي تاريخنا الحديث لتعيد هيمنتها والبحث عن سلطتها في العالم الاسلامي -العربي بعد سقوط الدولة فيه وانجلاء الموقف عن فراغ تام وخطير في هذه الدول التي فقدت مجتمعاتها هويتها الوطنية وفقدت شعوبها وحدتها الوطنية بعد ان تحركت كل احتقانات التاريخ الخطيرة وانبثقت كل تلك الكراهية من اعماق التاريخ، وكان الباعث لها هو التراث الاصولي لاسيما وان التاريخ بصيغته المؤدلجة اصوليا هو جزء رئيس من الهوس الاصولي بعقيدة السلف الصالح، تلك العقيدة التي حكمت بالكفر والارتداد على من لا يعتنقها أو من يتراجع عن تطبيقاتها، فانقادت عمليا الى تنقية المجتمعات الاسلامية ممن لا يوافقها الرأي ولا يعمل بمقتضى قواعد السلف الصالح فأجازت بل اوجبت ذبحه وقتله واستباحة ماله مدفوعة بهوس السلطة في تنفيذ احكام الشريعة تلك السلطة البديل الشرعي عن دولة الحداثة في تصورها الاصولي.

وقد استمدت تراثه من مؤلفات ابن تيمية الحراني ت 728هـ الذي يقول فيه رائد السمهوري انه قد (طبع العقل الجمعي لكبرى الحركات الاسلامية المعاصرة- السلفية- التي تستحوذ على العقل المسلم اليوم)11.وقد وصفه راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الاسلامية التونسية بانه ابو الصحوة الاسلامية(12) وما يؤشر على ذلك الاستحواذ الفكري لابن تيمية من جهة ومن جهة اخرى ما يؤشر على ذلك التداعي الخطير لظهور التراثية السلفية أو الاصولية الاسلامية هي انتشار كتب ابن تيمية بشكل يدعو إلى الريبة في الغاية من ترويجها ونشرها فقد طبعت كتب (الفتاوى الكبرى) و(منهاج السنة) في ثمانينيات القرن العشرين على نفقة بعض الدول الاسلامية "المملكة العربية السعودية" وقد وزعت مجانا لغرض نشر الأفكار السلفية المتشددة والمتطرفة(13).

وكم هو خطير ان يوزع الفكر المتطرف مجانا وهو يؤسس مجانية الدم المسلم وغير المسلم. وقد بدت تطبيقاته واضحة في عمليات الارهاب حين احرقت داعش الطيار الاردني معاذ الكساسبة استنادا إلى فتاوى ابن تيمية وقد رد الجمهور الاردني على ذلك بحرق كتب ابن تيمية في الشوارع.

لكن يبقى الاهم والمثير ان ما كان يسعى اليه ابن تيمية وفق أحد الاصوليين المعروفين وهو ابو الاعلى المودودي هو (نقل مقاليد الحكم والسلطة من ايدي الجاهلية إلى ايدي الاسلام)14 رغم انه لم يوفق فيه ولم يستطع تحقيقه وفق المودودي ايضا، الا ان مشروع أو استراتيجية السلطة ظلت قائمة في الفكر الاصولي الذي تأسس على قواعده الفقهية وآرائه الدينية المتطرفة. وظل ينافس مشروع الدولة في الحداثة الاسلامية ويسعى إلى تقويضها وتم له ما أراد (للأسف) بعد خروجنا من القرن العشرين.

الغلبة بين السلطة والدولة

اذا كانت البداية السلفية- الوهابية غير الموفقة في قراءة التراث الاسلامي قد رافقت ظهور الحداثة في عالمنا وفشل الحداثة اخيرا في اداء دورها وتكلسها على مستويات محدودة من النخبوية العربية فان هذه السلفية استطاعت البقاء والانتشار من خلال ولائدها وشقائقها في السلفيات والاصوليات التي اعقبتها وارتشفت من معينها وصدرت أو التقت معها في ازاحة الدولة مفهوما وتصورا لصالح السلطة واستعادة مبدأ الخلافة، والمفارقة ان هذه الدعوة اعلنت من قبل فقيه تتلمذ في مدرسة الافغاني الاصلاحية وهو الشيخ محد رضا رشيد صاحب المنار.

وكان تلميذ الشيخ محمد عبدة لكنه في العقد الثاني من القرن العشرين تحول من منحاه الاصلاحي السياسي والديني إلى السلفية بعد ان اكتشف ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وفق ما يقول رضوان السيد والتقت قراءته بقراءة ابن تيمية(15).

ونستطيع ان نؤشر غلبة مفهوم الخلافة-السلطة على الدولة في عالمنا العربي بعد مائة عام من اعلان رشيد رضا شعارها وتطبيق داعشى لها في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين واستمرارها في أخطر ولاند السلفية داعش وعلى مدى 100 عام انما يؤشر حجم اشكاليتها في واقعنا العربي الاسلامي، وقد اعتبر أحد الباحثين اشكالية الخلافة في الفكر الاسلامي السياسي قد تأسست على أنقاض اشكالية الدولة الوطنية التي أرستها الاصلاحية الاسلامية. (16)

ويتحدث النبهاني تقي الدين عن الخلافة في كتابه الذي يحمل عنوان (الخلافة) بانها رئاسة عامة للمسلمين جميعا في الدنيا لإقامة احكام الشرع وحمل الدعوة الاسلامية إلى العالم وهي عينها الامامة-الخلافة (17)، والرئاسة هي المعنى المرادف للسلطة وفيه نكتشف المعنى أو الموقع الراسخ للسلطة في المضمون السلفي لمفهوم الخلافة. فالدولة غائبة كمفردة مستقلة أو متقدمة على السلطة-الرئاسة في تعريف النبهاني، والرئاسة معنى يسوق الذهن مباشرة إلى المرؤوسين إلى الناس الذين تمارس سلطة ما عليهم. إذا فالرئاسة تحيل مفهوما إلى السلطة على الناس وأما اقامة احكام الشرع فإنها تجيء بمعنى ثان أو تال مما يفقدها في هذا التعريف السلفي الحديث لها ذلك البعد الديني الروحاني الذي صاغه المؤسسون الاوائل من الفقهاء لمعنى الخلافة بدأ بالفقيه ابي الحسن علي بن محمد الماوردي ت 450هـ حيث عرفوا الخلافة وعبروا عنها بالإمامة وهي موضوعة لخلافة النبي وحراسة الدين والدنيا.

لكن فشل الخلافة التي اقترحتها السلفية بديلا عن الدولة الحديثة ومحاولة تسويق مبدا السلطة-الرئاسة التقليدية بديلا عن الدولة من خلالها كان يمهد إلى طريق التفافي لمبدأ السلطة أو مراوغة فكرية تمر من خلال مفهوم الحاكمية التي اسس ونظر لها هذه المرة اصولي اسلامي من خارج المنطقة العربية وهو أبو الأعلى المودودي.

ونؤشر هنا قابلية منطقتنا العربية على استقبال الفكر الوافد وتمثلها السريع له، فقد قبلت السلفية والاصولية العربية فكرة الحاكمية نموذجا "نموذج سيد قطب" وشرعت تؤسس لها وما يبرر هذا القبول والتبني لها عند السلفيين والاصوليين العرب ان مبدأ الحاكمية وفق المودودي تشكل احدى الركائز الاساسية لعقيدة التوحيد(18) التي شكلت عقيدة التوحيد دائما هاجسا مقلقا للدعاوى السلفية وحركاتها واغرتها بقبول فكرة الحاكمية. وقد وضع المودودي افكار الحاكمية والجاهلية المعاصرة وبمعيار عقيدة التوحيد الدينية في مناخات الصراع السياسي الذي كانت تعيشه الهند في ثلاثينيات واربعينيات القرن العشرين بين الهندوس والمسلمين.

ونكتشف بوادر التطرف عند المودودي في رسم صورة امير الجماعة وهو يرسم من خلالها صورة السلطة السلفية المفترضة بديلا عن الدولة الحديثة وهي تتجلى في صورة الطاعة المفروضة تجاه امير الجماعة فهو يرى ان (من الوجهة الدينية الخالصة فان طاعة افراد الجماعة لأميرهم في المعروف جزء لطاعتهم لله ورسوله وان عضو الجماعة بطاعة اوامر الأمير المشروعة انما يطيع الله ورسوله في حقيقة الامر ويكون مبادرا إلى السمع والطاعة لأميره على قدر ما يكون على اتصال بالله ورسوله ويكون مقصرا في السمع والطاعة لأميره على قدر ما يكون مقصرا في اتصاله بالله ورسوله) (19).

وقد تغلغلت تلك الصورة المرسومة للسلطة الدينية السياسية خارج المنطقة العربية إلى بلادنا مثلما وفدت نسخة الدولة الحديثة الى بلادنا العربية. ويشير د. محمد عمارة الى ان صورة البيعة وتبعاتها التي أبتدعها المودودي لازالت تؤدي دورا سلبيا في صفوف الكثير من فصائل الصحوة الاسلامية (20)، وهو ما يؤكد ان تصورات المودودي وافكاره الدينية السياسية هي واحدة من أهم منابع التطرف الفكري والمغذي المعنوي لطبيعة الاعمال الناجمة عن مثل هذا التطرف. وبالقدر الذي بدت فيه فكرة الحاكمية وريثة مفهوم الخلافة الحديث عند رشيد رضا فإنها ورثت مادة هذه الخلافة وهي السلطة التي وجدت لها تبريرا في منطق اقامة احكام الشرع.

وهو يرتقي بالحاكمية إلى موقع فوق موقع الخلافة فهو يقول (ان الحاكمية في الاسلام خالصة لله وحده ولاحظّ للإنسان في الحاكمية اطلاقا) ثم يقول (فليس لفرد أو جماعة قيد ذرة من سلطات الحكم) ويقول في موضع آخر (وخلافة الانسان من الله لا يمكن ان تكون حاملة للحاكمية) (21)، اذا فما هو الحل وكيف يرتقي انسان إلى مستوى هذه الحاكمية مثلما يرتقي انسان إلى الخلافة في العرف السياسي الاسلامي القديم.

يلجأ المودودي إلى طريقة مبهمة فقهيا فهو يتحدث عن تخويل المسلمين من الله لهذه الحاكمية ويقول حينئذ (لقد خول الله للمسلمين في الحكومة الاسلامية حاكمية شعبية في المجال الاوسع مقيدة بمبادئ الشريعة وفي خلافة الانسان عن الله معنى الحاكمية والسلطان،) 22)) فهو لم يكتف في حمل الحاكمية عن الله في خلافة الانسان حتى أضاف اليها السلطة فتكون مع الحاكمية متممة لمعنى الخلافة عن الله! انه لا يعكس سوى هوس اصولي بالسلطة ويعبر المودودي عن ذلك بالوضع الصحيح للإنسان انه يقول (فوضع الانسان الصحيح وحيثيته الاصلية بالنسبة لنظام العالم. انه هو حاكم الارض بالتفويض عن الله) (23).

وبما ان الحاكمية هي مفتاح الفكر السياسي الاسلامي عند المودودي كما يتضح في كتاباته السياسية الدينية فإنها صارت مفتاح اجراءات التقييم أو احكام الدين التي يطلقها كفقيه اصولي- متطرف تجاه المجتمعات حوله من اسلامية وغير اسلامية، فقد نظر إلى المجتمعات الاسلامية على انها مجتمعات الشرك والجاهلية ومجتمعات الغرب على انها مجتمعات الشرك المحض(24)، ووصم المجتمعات الاسلامية بالكفر وكذلك نظر إلى القومية والديمقراطية والعلمانية على انها صور للشرك بالله لأنها في رأيه خرجت على مبدا الحاكمية لله تعالى، فالجاهلية المحضة في رأيه عمدت إلى الدولة والحكومة فهيمنت عليها، وجاهلية الشرك استحوذت على المجتمع واستحدثت شريعة مبتدعة لا تنالها أحكام الشرك الصريح، والجاهلية الرهبانية التي وصف بها العلماء والمشايخ واهل الورع على حد قوله فإنها شدت ازر نظام الملكية الجاهلية(25). وبالقدر الذي كانت تمر فيه أو تولدت عنه فكرة الحاكمية عند المودودي من الصراع السياسي بين المسلمين والهندوس في الهند فإن سيد قطب قد تسلّم نظرية الحاكمية في الوقت الذي كان يمر فيه وهو حزبه الاخوان المسلمين بصراع سياسي مع الدولة المصرية ونظام الحكم فيها برئاسة جمال عبد الناصر.

ويشير د. محمد ابو الطيب إلى تطور فكرة الحاكمية عند سيد قطب باتجاه أكثر تشدداً أو تطرفا، اذ اكتفى المودودي بتكفير الدولة بناء على فكرة الحاكمية ووصف المجتمع الاسلامي بل كل المجتمع الانساني بالجاهلية، فان سيد قطب ذهب ابعد من ذلك اذ تخطى تكفير الدولة ووصف المجتمع بالجاهلية إلى تكفير الامة لأنها عندما تطيع الدولة وتخضع لها تكتسب صفة الشرك وتعود بذلك وثنية جاهلية (26). وبذلك دمج سيد قطب بين الحاكمية والجاهلية والوثنية، وهي اللحظة الثانية في التأسيس للتطرف والارهاب في عالمنا العربي الاسلامي، لكن اوليات السلطة التي كانت تؤسس لمفهوم الحاكمية كانت مبثوثة في ادبيات الإخوان المسلمين وان لم يتم تداول اصطلاحها، وكان سيد قطب يصدر عنها في تبنيه لفكرة الحاكمية. فقد كان الشيخ حسن البنا يعد اتباعه وجماعة الاخوان المسلمين وهو يصف دعوة الاخوان انها (تورث المؤمنين بها والصادقين في العمل لها السيادة في الدنيا والجنة في الاخرة)(27)، والسيادة هي السلطة التي لا تكف السلفية بكل انواعها وتسمياتها تبحث عنها وتسعى إلى تغليبها على مفهوم الدولة. ويقول البنا في موضع آخر في وصيته إلى جماعة الاخوان (فقولوا ندعوا إلى الاسلام الذي جاء به محمد (ص) والحكومة جزء منه)(28) وفي جملة توقعاته بالسلطة التي يحرص على تحقيق الوعد بتسليمها أو الاستحواذ عليها فانه يقول (ان الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام وان الفرص للأعمال العظيمة ستسنح وتكون... وان الدور عليكم في قيادة الامم وسيادة الشعوب)(29).

لكن كل الاحزاب والقوى الثورية وعلى مختلف اتجاهاتها الدينية والسياسية والايديولوجية في عالمنا العربي تسعى إلى السلطة وتبوأ مناصب القيادة والرئاسة في دولنا ومجتمعاتنا اكثر من الاهتمام والسعي إلى بناء دولنا ومجتمعاتنا، ومن بينها الحركات السلفية والاصولية التي تدعي ان بناء الدولة والمجتمع يمر من خلال السلطة والحكومة التي تقبض على مقاليد السلطة أو من خلال تطبيق احكام الشريعة التي تمكن لهم السلطة بإحكام وتبرير ديني تجعل تجربتها اخطر انتكاسة في عالمنا العربي في تحجيم مفهوم الدولة وبناء الدولة وتطبيقات الحداثة فيها.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

.....................................
الهوامش
** لقد انتصرت دولة بني امية ودولة بني العباس في عصورهما وكان خلفاؤها وملوكها الاكثر اثما وذنبا.
1. تاريخ العرب المطول، فيليب حتي، ج2، ص888
2. نستطيع ان نحدد فترة طلاقنا الحضاري مع بدء الموجات البدوية التركية- السلجوقية في الاستيلاء على مشرقنا الاسلامي وصولا إلى بغداد في منتصف القرن الخامس الهجري- منتصف القر ن الحادي عشر الميلادي. وقد وصف مؤرخو القرن التاسع عشر الميلادي والقرن العشرين الميلادي اقوام السلاجقة بانهم جماعة بربرية شبه بدوية ولم تكن لهم أي انجازات فعلية سوى تلك التي لها صفة عسكرية-السلاجقة، تامارا رابس، ترجمة لطفي الخوري، ابراهيم الداقوقي، ص13 -وقد استمرت الموجات البدوية التركية بعد السلاجقة إلى وصول العثمانيين إلى بلادنا وسقوط دولتهم في العقد الثاني من القرن العشرين وهكذا نكتشف أو نؤشر ان طلاقنا الحضاري نحن العرب استمر على مدى تسعة قرون من الزمن.
3.تاريخ العرب، مصدر سابق، ص876، ص881
4.إقليمس يوسف داود، بهنام فضيل، ص12
5. الثابت والمتحول، أدونيس، ج3 ص9
6. لم تكن ادبيات الاصلاحية الاسلامية الا تعبيرا عن اسلوب قديم في الانشاء والتعبير مع خلاف المادة والموضوع. وكانت طريقتها وعظية في التحديث ولم تسع إلى تأسيس معاهد وكليات تطبق الاصلاح وتتناول درسه وموضوعه. وغيرها من الاجراءات التطبيقية للتحديث والعملية للإصلاح
7. الثابت والمتحول- م س، ج3، ص36
8.الدولة في الفكر الاسلامي، عبد الاله بلقزيز، ص30.
9. الدولة في الفكر الاسلامي، عبدالاله بلقزيز، ص36
10. لعبة الحداثة علي مبروك، ص80
11. نقد الخطاب السلفي، راند السمهوري، ص10.
12. م ن، ص10
13. الارهاب الدوافع والاسباب، د. قاسم خضير عباس، ص67.
14. تجديد الدين واحيائه، ابو الاعلى المودودي، ص68.
15. الدولة في الفكر الاسلامي، م س2، ص82.
16. الدولة في الفكر الإسلامي س، ص89
17. الخلافة، تقي الدين النبهاني، ص3
18.. اشكالية الاستبداد السياسي في رسالة الشيخ النائيني، د. محمد ابو الطيب، ص20
19. المودودي والصحوة الاسلامية، محمد عمارة، ص49
20. م ن، ص50
21.. م ن، ص-182
22.م ن، ص182
23.م ن، ص 183
24. موجز تاريخ تجديد الدين واحياته، ابو الاعلى المودودي، من ص16-26.
25. ابو الاعلى المودودي والصحوة الاسلامية، م س، ص187.
26. الاستبداد السياسي في رسالة الشيخ النائيني، م س، ص20
27. المدخل الى دعوة الاخوان المسلمين سعيد حوى، ص 220
28.م.ن ص222
29.م.ن.ص 224-225

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
الحداثة فشلت لانها استخدمت كوسيلة خداع من الأفاقين
وفي مصر على سبيل المثال هي وسيلة ممن يسمون أنفسهم بالتنويريين
المجتمعات الجميلة هي من سادت فيها عدالة ادت لإغلاق السجون لخلوها من المسجونين
وفي صدر الإسلام كان القاضي يشعر بأن عمله لاقيمة له لأنه لايجد أي قضايا ولا متقاضين
أما المقولات البراقة التي يتاجر بها مجموعات الكذب والخداع فهي عبارات جوفاء لخداع الساذجين
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات.....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-09

مواضيع ذات صلة

0